ماذا أكتب.. وكيف؟

أجلس أمام الكومبيوتر لأكتب عمودي هذا، لكنني أضيع في زحمة أفكاري. ماذا أكتب؟ وكيف أكتب؟.
ماذا أكتب وأنا أتنقل بين أخبار وتصريحات ترسم صورةً أقل ما يقال عنها انها عهر سياسي يمارسه من يتاجرون بالانسان وأمنه في بلد رسمت حدوده القاتلة على يد من لا يريدون له الاستقرار حتى اليوم؟.
كيف أكتب كي أرضي ضميري وإنسانيتي وأنا أعيش في محيط يغطيه الجهل والغفلة، وتسيطر فيه المصالح الضيقة ،ويسهل فيه توجيه الاتهامات والتخوين؟.
أضيق ذرعاً بهذا العهر السياسي في وطني الاكبر، فأشد الرحال الى وطني الاصغر الذي شيّدته في سنوات الغربة، عائلتي التي تنتظر قدومي منذ شهور، علّ نفسي وأعصابي تستبرئ مما علق بها. أقطع آلاف الاميال مبتعداً، فإذا بي أحلّ بينهم جسداً فقط، فيما انتباهي وأعصابي مشدودة صوب ما يجري هناك. أتنقل بين التلفزيون والهاتف النقال لأتابع ما يجري، فأزداد توتراً مما يجري.
أجلس لاكتب بهدوء لكن ..من دون جدوى. كيف أكون هادئاً محايداً أمام ما يجري من انتهاك لارواح الناس وكراماتهم وحياتهم؟. أتذكر حديث مراسلة محطة (السي أن أن) الاميركية عن مشاعرها وهي تغطي مجزرة سربنيتشا التي ارتكبتها القوات الصربية ضد مسلمي البوسنة بداية التسعينيات من القرن الماضي. تقول اننا “تعلمنا بأن نكون حياديين في عملنا الاعلامي، لكنني ما أن وقفت أمام أجساد الضحايا من المدنيين الابرياء حتى فقدت أعصابي، وتغلبت عندي مشاعر الانسان على كل اعتبار آخر، بعدها بدأت أتساءل: ما معنى الحياد أمام جرائم من هذا النوع؟”.
أتذكرها كيف كانت تصرخ على الهواء من أمام أجساد الضحايا: “أين رئيسنا الذي يتحدث عن حقوق الانسان؟ أين العدالة الدولية مما يجري هنا من جرائم؟”. بعد ذلك بدأ الحديث يدور حول مدى إمكانية الحياد دائماً، وحل معيار الموضوعية في اولوية متقدمة لعمل الصحافي.
لا يمكن لكل ذي عقل وقلب وإنصاف ان يتعامل بحيادٍ مع ما يجري في العراق اليوم. كيف أكون محايداّ بين جلّاد مجرمٍ وضحاياه؟. تبعا لذلك، كيف أكون محايداً بين سياسي يدافع عن المجرم، تصريحا أو تلميحاً، وسياسي يقف يصرخ مدافعاً عن الضحايا؟ ما معنى الحياد أمام سياسي رسمي يرفض أن يتم طرد المجرمين على يد ابن بلده، لاسباب طائفية حقيرة، وآخر يسكت على الجرائم التي يرتكبها هؤلاء بحق الانسان والوطن، بحجة خوفه على “اللّحمة”؟.
لا نهاية لهذه التساؤلات، في بلد ضاعت فيه المعايير والمقاييس، وتداخل الصدق مع الكذب، والخيانة مع الوطنية، والحرام مع الحلال، والنزاهة مع الفساد و..
ويسألونك عن الحياد فيما تكتب وتقول..
سالم مشكور

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة