الأخبار العاجلة

نفاد الكتب

الغريبُ يبقى غريباً أين ما يحل ويترحل؛ الغريبُ ليس له سوى حقيبة مهمة واحدة مهما كبرت واتسعت فهي لا يمكنها حمل جميع تراثه على مدى أربعة عقود أو تزيد. أكثر ما يؤلمني ما لاقاه المتنبي العظيم حين قال بيته الشهير الذي أتمنى قوله بدقة على الرغم من ترديده أيام الشدة:
بمَ التعلل لا أهل ولا وطن.. ولا نديم ولا كأس ولا سكن.
ماذا يتبقى للشاعر المشرد الكبير العظيم غير هذا الضياع الرهيب عن عالم يجود بأخبث الساسة والتجار وعصابات المجرمين الصغار والمنافقين من ذوي العمائم المزيفة وأبشع الحكام وأسفلهم بالدرك حتى رددناهم إلى أسفل سافلين كما يقول كتاب الله لكنهم ينتظرون حتفهم المحتوم إلى أمد غير معلوم.
قُتل الشاعر الكبير، الأكبر بتاريخ الشعر العربي والعالمي، العراقي الكوفي أبو الطيب المتنبي على يد لصوص وقطاع طرق تزعمهم قاطع طريق اسمه فاتك بن أبي جهل الأسدي. قتلوه وقتلوا أبنه ونهبوا ثروته التي كانت عبارة عن كتب ودوواين وقصائد شعر. هكذا تجري الأمور دوماً في العراق العجيب. وكان المتنبي قد قال «خير جليس في الزمان كتاب».
المعضلة الكبيرة التي أواجهها في كل مكان تتلخص بسؤال واحد يوجهه الكثير: هل لديك كتاب من كتبك؟ هل تهدي لي رواية؟ والمصيبة انني لا أملك أي كتاب معي. إنها لعنة حقيقية مطلقة، لعنة الروائي العراقي مهدي علي الراضي الذي لم أصدق كلامه عن عدم امتلاكه لأي نسخة من كتبه.
أرسلني رئيس التحرير لإجراء مقابلة مع الروائي العراقي مهدي علي الراضي. كان يسكن في فندق رخيص، بل أشد رخصاً من جميع الفنادق بمنطقة المرجة التي هي المقابل التوأمي للباب الشرقي ببغداد بكل المخاطر والفساد والانحطاط والرخص. لم اكن أعرف من يكون مهدي علي الراضي. وصلت بسهولة إلى هذا المكان الرخيص والمبتذل في ساحة المرجة وطلبت رؤية المدعو. نزل شخص بدين وقصير مشعث الشعر ووسخ الملابس «عفوا» وقال لي: أنا مهدي علي الراضي.
قدمتُ له نفسي وقلت له أنا مكلف باجراء حوار معك. قال: أنا جوعان. وكان الأقرب للمكان بسطات يبعيون الفشافيش. كان الرجل اكولاً وأحب الرجال الأكولين بحيث ألتهم نصف كيلو من المعاليق والقلوب. قلت له: هل لديك بعض الكتب من أعمالك؟ قال: لا أبداً. حينها عجبت لهذا الأمر. كاتب ليس له نسخ من كتبه؟ أكل كنمرٍ يفترس غزال، ولم يجب على أي سؤال.
اليوم أتعرض لهذا المشهد وأنا الذي أصدرت أكثر من عشرة كتب ولي إصداران تحت الطبع. تحية للراحل مهدي علي الراضي الذي كانت حياته وموته غموضاً واضحاً مثل لعب الأطفال الأبرياء بالمراجيح القريبة من البيت والأكثر قرباً من الخطر.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة