الأخبار العاجلة

صرخة جريئة ملبدة بالغيوم

عبد السادة جبار

مثلت السينما الروسية في المرحلة (السوفيتية) مدرسة مهمة ومؤثرة في السينما العالمية، وكان لها دور كبير في إرساء نهج رسمته للدول المتتبعة للخطى الاشتراكية، ومثلما اختط الأدب الاشتراكي مدرسته في الواقعية الاشتراكية سارت السينما على الاتجاه ذاته وفسرت حتى الروايات العالمية بذلك المنظور نفسه، لكن بعد الانهيار الاقتصادي الذي شمل روسيا عقب تحلل الاتحاد السوفيتي، تأثرت السينما بهذا الانهيار إلى زمن ما، إلا أن النهضة الاقتصادية التي تحققت في عهد فلاديمير بوتين أسهمت في رفع مستوى السينما الروسية لتظهر إلى الوجود مؤسسة “موسوفيلم”، إذ تولت صناعة سينمائية متميزة تطورت لتواكب السينما الأميركية والأوروبية لتحصد جوائز في المهرجانات العالمية، أحد فرسان هذه المرحلة المخرج الروسي “أندريه زفياغينتسيف” الذي حصد جائزة “الأسد الذهبي” عن فيلمه “العودة” العام 2003 في مهرجان فينيسيا الدولي، “زفياغينتسيف” يعدّ تلميذاً ذكياً لمواطنه المخرج الراحل “اندريه تاركوفسكي” شاعر السينما، وهو مخرج، ومؤلف، وممثل، ومنتج، ومونتير، له ثمانية أعمال، أولها العام 1995 وآخرها العام 2014، ومن أفلامه (العودة، ومشرد، وايلينا، والابوكريفا)، فيلمه الأخير “Leviathan- الطاغوت” صنّف ضمن الدرجة الأولى في قائمة أفضل أفلام العام 2014.
ومنح جائزة أفضل سيناريو في مهرجان “كان” السينمائي الدولي وحاز على جوائز في شتى المهرجانات الأوروبية والآسيوية والأميركية، بما فيها مهرجان “ميونيخ” ومهرجان “صربيا” ومهرجان “تورونتو” والجائزة الكبرى لمهرجان “لندن” السينمائي الـ58، ومنح جائزة أفضل سيناريو في مهرجان “كان” السينمائي الدولي، كما رشح لنيل جائزة “أوسكار” لأفضل فيلم أجنبي.
الفيلم يتعرض لأمر حساس وهو السلطات الروسية ما بعد التغيير، وقد صرح المخرج المؤلف بجرأة موضحاً أن “الفيلم تعرض لجميع نقاط أمراض روسيا المعاصرة: الفساد المحصن وعجز الإنسان الاعتيادي أمام المسؤولين”. فيلم ” Leviathan” يكشف ذلك التحالف بين دوائر سلطة رجال السياسة ورجال الأعمال ورجل الكنيسة لتمكن محافظ ما من الاستيلاء على بيت يطل على البحر لأحد المواطنين الذي رفض بيعه بسعر بخس تمهيداً لتحويل المنطقة إلى منتجع سياحي.

سيناريو الفيلم
“كاليا” مواطن يعيش في بلدة على شاطئ بحر بارنتس يملك منزلاً وقطعة أرض ورثها عن أسلافه تطل على الشاطئ، عائلته صغيرة تتكون من “ليليا” تزوجها بعد أن توفيت زوجته وتركت له صبياً “روما” يعيش مع زوجة أبيه الصغيرة التي يبغضها، محافظ المقاطعة يسعى للحصول على الأرض والبيت الذي يملكه “كاليا” ليقيم عليه منتجعاً سياحياً مقابل مبلغ بخس، يستعين كاليا بصديقه القديم المحامي “ديما” ليأتي من موسكو ويواجه عصابة رسمية وافرت كل المتطلبات القانونية للاستحواذ على الأرض، وبعد أن يكسب المحافظ القضية ويطلب من كاليا إخلاء المكان يلجأ المحامي إلى الملف السري الخاص بالمحافظ الذي جهزه كحل أخير، كونه يحتوي على مجموعة فضائح تهدد مستقبله وطموحه في الانتخابات المقبلة ويخضع المحافظ لشروط المحامي وهو رفع سعر الأرض إلى المبلغ الحقيقي الذي طلبه “كاليا” ورفضته المحكمة، لكن أحداثاً تحصل قبل أن يتم تسليم المبلغ، إذ ينظم أصدقاء كاليا رحلة عائلية سياحية تضم عائلة كاليا وعائلات أخرى ومعهم المحامي، وفي غمرة انشغال البقية بالرماية وتجهيز الطعام يكتشف الصبي روما أن زوجة أبيه “ليليا” تواقع “ديما” المحامي ويفتضح الأمر ويصل إلى حد التقاتل، إلا أن ديما يهرب مع ليليا خارج البلدة، ثم تعود إلى كاليا حين تكتشف أن ديما ليس له نية الارتباط، وان معاشرتها لديما كانت نزوة، يسامحها كاليا لحبه لها، لكن الصبي لا يقبلها ويظل يكرهها فتضطرب حياتها وتختفي، وعند البحث عنها تكتشف الشرطة أنها ماتت مقتولة ولم يجدوا إلا أن يوجهوا التهمة إلى كاليا، إذ اجتمعت عدة قرائن وبتشجيع من السلطة المحلية لتوجيه الاتهام إلى كاليا برغم براءته ويحكم علية بـ15 سنة سجن، وتتولى عائلة صديقه احتضان الفتى بدل أن يرمى في ملجأ للقاصرين، فيخلو الجو للمحافظ ويعاقب المحامي ديما بخطفه ومعاقبته بقسوة فيضطر للسفر والرجوع للعاصمة، ويتم هدم بيت كاليا ومصادرة الأرض، وينتهي الفيلم بمثل ما بدأ، بتصوير المكان الموحش والبحر الذي ترسو على ساحله حطام زوارق وهياكل عظمية لحيتان نافقة وسماء ملبدة بالغيوم.

المعالجة والأصداء
أثار فيلم “Leviathan” ضجة كبيرة، حيث وصفته صحيفة الغارديان اللندنية بأنه “تحفة جديدة من روسيا”. فقد قدم المخرج الروسي، “زفياغينتسيف” نسخة أخرى من مدرسة “اندريه تاركوفسكي”، ليثبت إخلاصه للسينما الشاعرية، وكان الفيلم بالرغم من مغازلته للواقع السياسي والبيروقراطي بنحو مباشر، إلا انه كان شاعرياً إلى حد كبير وترك نهاية مفتوحة، فهو عمل سينمائي رائع في تشكيله للمشاهد واعتماده على اللقطات العامة، وهو عمل نادر في عالم السينما المعاصرة، لكن الفيلم أثار جدلاً وظهرت آراء متباينة حوله في روسيا، المخرج لخص عمل دوائر تتحالف فيها سلطة رجال السياسة ورجال الأعمال ورجل الدين (ممثل الكنيسة)، لتمكن عمدة المدينة من الاستيلاء على بيت يطل على البحر واستعمال طرائق التهديد بإعطائه ثمناً بخساً للتنازل عن حقه، في هذه الحكاية هناك اتهام مباشر للحكومة مما حدا بوزير الثقافة الروسي فلاديمير ميدينسكي شخصياً أن ينتقد علناً المخرج ورؤيته عن روسيا، وذلك في مقابلة نشرتها صحيفة “ايزفيستيا”، إذ قال: “إن فيلم “Leviathan” يدخل المشاهد في جو من “اليأس الوجودي” واتهم مخرج الفيلم باستغلال المشاعر المعادية للروس لدى الغربيين بغية الفوز بجوائز، المتحدث باسم الكنيسة الأرثودكسية الروسية، من جانبه، انتقد الفيلم قائلاً: “من البديهي أن الفيلم موجه لجمهور غربي، أو بتعبير أدق للنخب الغربية، بما أنه يكرر طوعاً المعتقدات الخاطئة بشأن روسيا، لكن آراء أخرى مغايرة امتدحت الفيلم وان نقاداً كثيرين في روسيا أشادوا بالفيلم ورفضوا الاتهامات الموجهة له، المخرج المسرحي المشهور “كونستانتين بوغومولوف” موجهاً انتقاداً للسياسيين قال: “الفنانون ليسوا موجودين من أجل إظهار جمال الأشجار والحقول والبحيرات الروسية، هذا أمر عبثي”، في الواقع الفيلم كان جريئاً لقد تعرض لأمراض السلطات المعاصرة: الفساد، والتواطؤ بين السلطة السياسية والدينية والقضاء وعجز الإنسان الاعتيادي أمام تهديد المسؤولين للحصول على حقوقه. أظهر الممثلون إبداعاً مميزاً ولا سيما ألكسي سيريبرياكوف الذي أدى دور كاليا، وايلينا لايدوفا التي أدت دور ليليا.

فيلم Leviathan””، تمثيل: ألكسي سيريبرياكوف، ايلينا لايدوفا، إخراج : أندريه زفياغينتسيف.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة