كي لا نؤبِّن الحرس مجدداً

صادق الازرقي *

بعد مدة قصيرة من اسقاط النظام المباد في 2003، رأينا الناس يتحرقون شوقاً الى احداث التغيير في جميع مجالات الحياة، وألا يقتصر ذلك على الوضع الاقتصادي او المعيشي، بل تعداه الى التفاؤل بأي اجراء جرى العمل به على انقاض النظام السابق؛ وكان من ضمن المظاهر التي بدت واضحة للعيان في ذلك الوقت، بروز تشكيلات عسكرية ظهرت على ركام الجيش السابق، الذي تبددت قواته بصورة فعلية، بمجرد بدء العمليات العسكرية ضد نظام صدام حسين؛ ولقد ظهرت هذه التشكيلات بقيافات «ألبسة» جديدة لم يألفها المجتمع العراقي الذي تعود على ما سمي بالملابس الزيتونية او الملابس «الخاكية»، التي كان يرتديها الجيش السابق و ما سمي بالجيش الشعبي او «حزبيي» ذلك النظام.
لقد اكتسبت القوات الجديدة، التي تداول الشارع العراقي تسميتها بالحرس الوطني بمجرد ظهورها سمعة ايجابية مع اولى بوادر تشكلها، و لم يرق ذلك لبعض القوى السياسية العراقية التي تعاطفت مع تنظيم القاعدة في بداية ظهوره في العراق، التي كثيراً ما كانت تدعوه «الحرس الوثني» كجزء من الحملة المحمومة لتشويه سمعته، و برغم ان انبثاق ذلك التشكيل الذي كان رديفاً لقوات الجيش كان ولادة طبيعية، من رحم المآسي والكوارث وكانت هناك فرصة كبيرة لتطويره وتنظيم عملية التطوع فيه لاسيما انها حملت في بداياتها نمطاً غير طائفي كان من الواجب تنميته لتعزيز روح المواطنة؛ الا ان ذلك لم يحصل فعدنا الى التسمية القديمة للجيش العراقي، في حين تلاشت ظاهرة الحرس الوطني واصبحت طي النسيان المؤقت طبعاً، لتجدد الحاجة الى تأسيسه في هذه الايام اثر المعارك الاخيرة منذ حزيران الماضي.
وبرغم ان تشكيل قوة للحرس الوطني اصبح حاجة ملحة لتتحقق لنا مغادرة الحسابات الطائفية، وتوحيد المجتمع على اهداف مشتركة تمهيداً للانتقال الى بناء المجتمع السليم، فان هناك من السياسيين من يحاول كرة اخرى وضع العصي في عجلات تشكله لأهداف ترتبط بمصالح احزابهم، ولا تعني المجتمع العراقي المتطلع للخلاص من كوارثه.
لقد تجدد مطلب انشاء قوات حرس وطني فاعلة بعد الاخفاق الكبير الذي تعرضت له المؤسسة العسكرية، وقوات الشرطة المحلية، في المواجهة مع تنظيم «داعش» في صيف العام الماضي، وتمثل ذلك بتخليها عن مهمة الدفاع عن البلد.
ولقد تطرق كثير من المحللين الى عوامل الفساد الاداري والمالي وظاهرة الجنود «الفضائيين» بصفتها العوامل الابرز التي تسببت في تغييب الروح المهنية و الوطنية للجيش والقوى الامنية العراقية، فضلاً عن استخدام عناصر غير كفوءة وغير مختصة اسهمت بدورها في الانتكاسة التي حصلت فتصاعدت المطالب بانشاء الحرس الوطني، على اسس جديدة تغلب المشتركات الانسانية والوطنية بغض النظر عن الدين والعرق والطائفة، وهي الشروط المطلوبة في كل بلد لتحقيق النجاح في البناء.
وبرغم مشروعية المطالب بتأسيس الحرس الوطني العراقي اسوة بدول كثيرة، فان هناك من السياسيين من تصرف وصرح بما ينبئ بالخشية من ذلك اذ قال رئيس كتلة متنفذة محسوبة على التحالف الوطني الذي يقود السلطة، ان «تطوير نشاط الشرطة الاتحادية و انظمة عملها بما يكفل مطالب كل مكونات الشعب العراقي سيوفر بديلاً موضوعياً عن فكرة الحرس الوطني»، وذلك تصريح محبط للآمال لأنه بخلاف الحقيقة، التي اوضحت اخفاق الحكومة السابقة التي اتخمت الجيش بالسلاح و بأعداد المنتسبين المتكاثرة وبأفراد الشرطة المحلية، فلم ينفع كل ذلك بسبب الافتقار منذ البدء الى سياسة صحيحة في ما يتعلق بإنشاء الجيش واستقبال المتطوعين، كما اننا لسنا بغرض وضع الحرس الوطني بالضد من قوات الشرطة والجيش، ولنا في تجارب الدول امثلة على اساليب العمل السليمة في الدفاع عن دولها.
ينص دستور الولايات المتحدة في احدى فقراته، على ان الحرس الوطني الأميركي قوة عسكرية احتياطية تابع للقوات البرية و للقوات الجوية، ويعد الحرس الوطني الأميركي أهم قوة عسكرية احتياطية في البلاد من أهم مهامها مكافحة «التمرد المسلح» ويمارس معظم مجندي الحرس الوطني وظائف مدنية أغلب الوقت مع خدمتهم للحرس في جزء منه، بحسب الدستور.
اما الحرس الوطني الكويتي ووفقا لمرسوم خاص، فهو هيئة مستقلة عن الجيش والشرطة، ويكون الالتحاق به عن طريق التطوع من بين المواطنين ومهامه تتمثل في أن «يعاون» الحرس الوطني القوات المسلحة وهيئات الأمن العام كلما طلب إليه هذا العون ، و «يسهم في أغراض الدفاع الوطني» متعاوناً مع الهيئات المشكلة لهذا الغرض.
اما السعودية فأنشأت وزارة الحرس الوطني، وطبيعة عملها «مساندة القوات المسلحة في وزارة الدفاع في أثناء الحرب مع عدو خارجي ومساندة قوات الأمن الداخلي عند اختلال الامن الداخلي والسلم الاهلي ومكافحة الإرهاب والمنظمات الإرهابية «، بحسب ما ينص عليه قانونها.
ان تلاحم فئات الشعب العراقي، الذي برز بوضوح في مواجهة «داعش» والتنظيمات المسلحة، يمثل فرصة تاريخية لإعادة اصلاح الخلل المميت الذي عانت منه التجربة العراقية طيلة السنوات الماضية، واعادة احياء روح التلاحم بين ابناء الشعب العراقي على تنوعهم؛ وذلك عن طريق ابراز الهموم المشتركة التي هي هموم انسانية ووطنية بالدرجة الأساس، وتنحية الاختلاف العرقي والديني والطائفي بجعله سمة خاصة بالفرد، وليس بالنظام القضائي او التنفيذي اوالتشريعي، وتغليب عنصر المواطنة، وتفعيل الخدمات؛ ذلك وغيره سيدفع باتجاه توحد المجتمع وتآزره، وان احد التجليات الرئيسة لتلك الوحدة برأينا المسارعة الى اقرار قانون الحرس الوطني وتطبيقه بصورة عاجلة، واللجوء الى اساليب عصرية لتطوع الشباب بعيداً عن التخندقات الاثنية التي تسببت في مأسي العراق وكوارثه طيلة السنوات الماضية؛ ونحن الآن بأمس الحاجة للتخلص منها والشروع في بناء البلد واعماره وتحسين احوال الناس.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة