الأخبار العاجلة

قناع المثقف العربي

لبعض المثقفين العرب أقنعة عديدة، يلبسون إحداها متى ما شاؤوا، ويخلعون غيرها متى شاؤوا. وهذه واحدة من الاشكالات والمثالب الكبيرة في فهم علاقة المثقف بالثقافة، أولاً كمنتج فكري إنساني يشتغل بحقول كثيرة ومختلفة ترفد الناس بغذائها الروحي والفكري، وبصلته مع الواقع والمتغيرات والرأي الآخر ثانياً. لكن مع كل هذا يبقى للمثقف دوره وفعاليته المحورية في تبادل الآراء والقناعات وترسيخها لدى جمهوره، ليس لأنه خالق أفكار فحسب، بل لأنه محرك وفاعل في التغيير ورج الواقع الساكن، فمهمة المثقف ليس كما هي مهمة السياسي حتماً، لأن السياسي غايته المثلى الوصول إلى السلطة وتطبيق مبادئه وأفكاره مباشرة عبر استعماله أدوات السلطة والأحزاب والإعلام.
نعود لتلك الأقنعة القابعة في خزانة هؤلاء، وكيف تعود بالسلب على متلقيهم ومريديهم وجمهورهم، فحين يشتغل الكاتب عبر سنين طوال على تنمية أفكاره العصرية الحداثية، ويتغنى بالمبادئ الإنسانية التي تدعو لإزالة الفوارق الطبقية والدينية والمذهبية والعرقية، لكننا نراها في لحظة الامتحان (الواقعي) تتهاوى وتسقط تحت مطرقة تلك الصفات والفوارق التي كان ينبذها ويحذر من مخاطرها، حينها يكون السؤال الصعب، كيف ولماذا تغيرت القناعات والأفكار في اللحظة الحاسمة التي ينتظر منه جمهوره سماعها؟
شهدت المتغيرات والأحداث والهزات الاجتماعية والثورات، في أغلب الدول التي أنتج مفكروها ومثقفوها، الأفكار والنظريات الأدبية والفنية التي يعمل عليها مثقفونا الآن، وقوف أولئك المفكرين مع طموحات شعوبهم، في الانعتاق من الظلم والتخلف والعبودية والحروب، وكشف ألاعيب السياسيين المتاجرين بمصائر شعوبهم والتحريض ضدها. وبرغم أننا تلقفنا تلك الأفكار والنظريات من دون تعب أو إجهاد الفكر في الاجتهاد، نرى الآن وللأسف الشديد نكوص الكثير عن تلك المبادئ، بل نجد أن هناك من يبث أفكار الفرقة والتنافر وإشاعة الكراهية.
بعد كل المآسي التي تحملتها الشعوب العربية من لدن حكامها الطغاة والحروب الأهلية والمذهبية المصطنعة في العراق وسوريا ولبنان واليمن التي تجاوزت فيها الجرائم حداً لا يمكن السكوت عنه، إذ تعد جرائم إبادة ودمار، وكذلك جرائم الاحتلال الاسرائيلي المهين والمدمر كل يوم للشعب الفلسطيني، نرى ونسمع ونقرأ لبعضهم (الكثير) من هؤلاء، حيث يدير ظهره لآلام الناس والضحايا ويبرر بنحو ساذج ويلوي الحقائق عن مسببي تلك الحروب، بل يذهبون إلى أبعد حد في محاربة وعزل كل من يطلق نداء لإعلاء صوت الحق ضد داعمي وممولي هذه الحروب والأحداث القاهرة، مثال على ذلك تأييد الكثير من المثقفين الليبراليين السعوديين والخليجيين والعرب الذين تعج بهم الصحف والقنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، للحرب التي تشنها المملكة العربية السعودية ضد اليمن، أو السكوت عن جرائم (داعش) التي فاقت جميع التصورات، بحجة محاربة التدخل الإيراني، الحجة ذاتها التي وقفوا بها مع صدام حسين في محاربة إيران، وانتهت بنهاية مأساوية على الشعب العراقي والايراني. حين صرح الكاتب والمؤرخ محمد حسنين هيكل ضد التدخل السعودي في اليمن، انقلبت عليه جميع وسائل الاعلام المصري والعربي، وعدّوه فارسياً ومستشاراً سابقاً للخميني، ونسوا أن الرجل من أكبر مثقفيهم القوميين.
كريم النجار

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة