الأخبار العاجلة

السياب، صِلة قُربى..

كمال سبتي*

كلما فكرت في الكتابة عن بدر أشعر بالسعادة.
فبيني وبينه، وهذا ادعاء، صلة قربى.
كان الناس في مدينة الناصرية يسمونني السياب، عندما كنت شاباً يافعاً.
كنتُ أمتلك مجموعات بدر الشعرية منفردَةً.
وعندما وصلتْ إحدى مكتبات المدينة نسخ قليلة من الأعمال الكاملة فكرتُ في شرائها فوراً. لكن ثمنها كان باهظاً على شاب في مقتبل العمر يأخذُ مصروفه اليومي من والده.
فقررت السرقة.
كان أبي يقضي قيلولته وقت الظهر نائماً بعد عودته من العمل.
دسست يدي في جيب سترته أو قميصه المعلَّقيْن على شماعة الملابس، وأخذت مبلغاً كان كافياً لشراء الأعمال الكاملة.
واشتريتُها.
ومشيت بها في شارع سوق المدينة فرحاً، فرآني الشاعر كاظم جهاد أحملها وكان لايملكها ويأخذ مصروفه اليومي من والده أيضاً.
قال: كيف اشتريتَها؟
قلت: سرقتُ أبي.
فاحتجّ عليَّ.
بعد سنوات طويلة، وفي بغداد، أخذ السارق يدعو- مع آخرينَ – إلى كتابة شعرية أخرى، سمِّيتْ: الكتابة الجديدة، أو الحداثة الشعرية العراقيّة.
لكنّني كنت أكتبُ كل عام، منذ أواخر السبعينيات، في ذكرى موت السياب مقالاً، وفي الوقت نفسه أنشر كتاباتي الأخرى عن حداثتنا العراقية في الشعر.
بل أنني أكاد أكون أوّلَ من كتب عن أهمية قصيدتِه الرائعة: في الليل. وأقول، أكاد، لأنني في ذلك الوقت: أواخر السبعينيات لم أكن قرأتُ مقالاً واحداً عنها بل ربما لم أقرأ إشارة واحدة. وأذكر أنني تناقشت حول ما كتبتُ، مع صديقي اليوميِّ، آنذاك، الشاعر حسب الشيخ جعفر، في بار القصر الفضي، في شارع أبي نؤاس. وكنا نذهب إليه بعد أن أغلِقَ اتحاد الأدباء بقرار من منظمة الجيش الشعبي في المنطقة، لضياع رشاشة نادل النادي في الاتحاد.
وحين كنت طالباً في كلية الفلسفة والآداب بجامعة مدريد المستقلة كتبت بحثاً عن القصيدة ذاتها، كما قمت بترجمتها إلى اللغة الإسبانية وأرفقت الترجمة مع البحث، وهو موجود، حسبَ ما أعلم، في مكتبة الكلية.
لقد انتبهت، في بغداد، لبعضٍ من الشعراء ينحو منحىً لغوياً لا بلْ تجريدياً في الشعر، وانتبهت لتأثرِ عدد من شبان الجيل اللاحق به، فخفت على إرثنا الشعري.
كنت أجلس مع الشاعر المتأثر بالمنحى التجريدي حزيناً فأسأله عن قراءاته، وحين لا يقول شيئاً عن بدر، أحزن أكثر، وأتذكر سرقتي أبي واحتجاج كاظم جهاد.
كتبت مرة: السياب أبي.
ودفعت المقال إلى النشر في ذكرى لموته.
لم أشر في المقال إلى السرقة. فأخلاق الكتابة في جريدة تملكها دولة، كما تلك الدولة، هي غيرها في جريدة أخرى. وقد احتج عليّ بعد نشره عدد من المتأثرين بالمنحى التجريدي في الشعر، أحدهم صرخ: أحقاً أنت كمال سبتي ؟ قلت نعم، وسوف ترى في المستقبل أكثرَ من هذا.
وأخذنا، كلنا بعد ذلك، نخوض سجالات بيننا، أو بيننا وبين آخرين، لتوضيح حداثتنا الشعرية العراقية، حتى لاتُؤخَذُ بجريرة أفكار لا تتبناها فعلاً.
وبدأنا في مقهى حسن عجمي، نسأل الشاب القادم من الكلية وقت الظهر، ماذا قرأت البارحة، وماذا تحمل اليوم من كتب، أينَ بدر؟
بلْ أن بعضنا سمى السؤال الأخير: سؤال اليوم. والشيء نفسه كنا نفعله في اتحاد الأدباء.
في ما بعد، عثرت في شارع السراي على ترجمة عربية قديمة لكتيب لأراغون الفرنسي عن فيكتور هوغو.
يقول أراغون فيه إن الشعراء السرياليين اجتمعوا ذات مرة في ذكرى لهوغو. وإنه وبريتون وزعا قصاصاتِ ورقٍ على الحاضرين طالبيْن من كلّ واحد منهم: اعطاء درجةٍ مّا لهوغو.
وكانت المفاجأة: الجميع كتبَ: درجة َ صفر.
ويقول أراغون إنه وبريتون لم تعجبهما النتيجة فقررا قراءة كل هوغو حتى الصبح، ليعطياه في النهاية درجة مائة.
حين قرأت هذا في كتاب أراغون ضحكت.
الآن، أعني قبل أن أكتبَ الكلمة الأولى من هذه الكتابة سمعتُ أغنية Johnny Ray :Just walking in the rain. فتذكرت نفسي عندما كنت بين الرابعةِ عَشْرةَ والخامسةِ عشرة من عمري، أمشي ذات مرة تحـت المطر في سوق مدينتي ذاهباً إلى المقهى، فرآني بعضهم، فاعتقدَ أنني أحب المشي تحت المطر، فسمّاني السياب، لاعتقاده أن السياب كان يحب المشي تحتَ المطر، بسبب شهرة قصيدته أنشودة المطر، فاشتهرت التسمية عليَّ.
ووفاءً لما كنته وما أنا عليه الآن، وفاء لتلك الأيام في مدينتي، وفاءً لأبي الفعلي الراحل سبتي، وأبي الشعري بدر، أكتب هذه الكلمات..

* تنشر ثقافة «الصباح الجديد» هذا المقال للشاعر الراحل (1954- 2006)، صاحب ديوان «بريد عاجل للموتى»، بمناسبة ذكرى رحيله التاسعة التي مرّت قبل أيّام.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة