ثورة هادئة في الصين مع بطء في نمو الاقتصاد

بدء الاصلاحات بعد 10 سنوات من التردد

الايكونومست*

في الصين، الحكمة التي يتحدث عنها البعض أمر يخص المتشائمين. لقد كشفت أرقام هذا الاسبوع ان النمو تباطأ بشكل حاد ومرحلة الانكماش بدأت، في وقت اصبح الاقتصاد مثقلا بسبب هبوط اسعار الممتلكات وتراجع إنتاج المصانع الذي بات في أضعف حالاته منذ الأيام المظلمة من الأزمة المالية العالمية. وفي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2015، نما الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 7٪ «فقط» في العام على اساس سنوى. ومعدل النمو في عام 2015 ربما يكون الأضعف منذ 25 عاما.
والمخاوف تتزايد أنه وبعد ثلاثة عقود من الارتفاع في النمو، اصبحت الصين على وشك أن تنهار. وسيكون ذلك كارثة. فالصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم وهي القوة الصاعدة البارزة في آسيا. لكن ولحسن الحظ، فإن المتشائمين على ما يبدو نسوا امراً يتمثل في ان الصين ليست قوة اقتصادية فقط مثلما حسبوا، ولكنها تقوم بثورة مالية غير معلن عنها ومرحب بها.
ومتانة وقوة الصين تقوم على عدة ركائز: فمعظم ديونها محلية، وماتزال الحكومة الصينية تملك نفوذا كافيا بمقدوره ان يمنع المدينين والدائنين من الوصول الى حالة من الذعر.
وقد حول البلد معياره من الاستثمار صوب الاستهلاك، وهو ما سيضع الاقتصاد على ارضية أكثر استقرارا. وبفضل طفرة في تقديم الخدمات تمكنت الصين من خلق 13 مليون فرصة عمل بلدية ( حضرية) جديدة في العام الماضي، وهذا الرقم القياسي يجعل التباطؤ في النمو مقبولا. ونظرا لضخامة الاقتصاد الصيني فان النمو المتوقع هذا العام والبالغ نسبته 7 بالمئة سيسهم في دعم الاقتصاد العالمي بنسبة 14 بالمئة مثلما فعل ذلك في عام 2007.
ومع ذلك، فإن السبب الحقيقي للشك بما يقوله المتشائمون هو الإصلاحات الصينية. فبعد عشر سنوات من التردد، راحت الحكومة تعمل في ثلاثة مجالات حيوية. أولا: في مجال التمويل، قامت الحكومة بالتخفيف من سيطرتها على أسعار الفائدة وعلى تدفق رؤوس الأموال من خارج الحدود. وكانت تكلفة الائتمان منذ مدة طويلة منخفضة بشكل مصطنع، وكانت تسحق العوائد المتاحة للمدخرين وفي الوقت نفسه تحمي الشركات الحكومية غير الفعالة، وتزيد الاستثمارات. وغطاء أسعار الفائدة على الودائع أصبح أقل أهمية، وذلك بفضل انفجار بدائل الحسابات البنكية التي تجذب الآن ما يقرب من ثلث مدخرات الأسر. وقال تشو شياو تشوان، محافظ البنك المركزي الصيني، ان هناك «احتمالا كبيرا» بتحرير معدل سعر الفائدة بالكامل بحلول نهاية هذا العام.
وأصبحت الصين أكثر تسامحا أيضا بشأن التدفقات النقدية عبر الحدود. واصبح اليوان (عملة الصين) ، أكثر مرونة شيئا فشيئا. وبات بمقدور الشركات متعددة الجنسيات نقل الإيرادات الى الخارج بسهولة اكبر من ذي قبل. وتصميم الحكومة على جعل صندوق النقد الدولي يعترف باليوان عملةً قابلةً للتحويل قبل نهاية عام 2015 ينبغي أن يمهد الطريق لخطوات أكثر جرأة.
المنطقة الثانية كانت مالية، فقد منحت الإصلاحات في بداية التسعينات الحكومات المحلية مسؤولية أكبر في الإنفاق مع القليل من مصادر الايرادات. وتنبع مشكلة الصين المتمثلة في كثرة الاستثمارات في جزء كبير من ذلك الخطأ الناتج عن التمسك بقاعدة ضريبية واهية، فقد اعتمدت المدن على مبيعات الأراضي لتمويل عملياتها، وانخرطت في الاقتراض المتهور من دون تسجيله في السجلات المالية الرسمية للعمل.
وتقول وزارة المالية الآن انها ستقوم بفرز هذه الحالات واصلاحها بحلول عام 2020. وستقوم الحكومة المركزية بتحويل الأموال إلى المحافظات، وخاصة المتعلقة بالأولويات الاجتماعية، في حين ستتلقى الحكومات المحلية المزيد من العائدات الضريبية. وتم إطلاق برنامج تجريبي لحل مشكلة ديون الحكومات المحلية. وكذلك وضع اسس سندات السوق البلدية على الرغم من مخاطره، وهذا أفضل من التمويل المبهم للمحافظات والمدن المعتمد هذه الايام.
والمنطقة الثالثة للإصلاح هي الاصلاح الاداري: ففي أوائل عام 2013، وفي بداية فترة ولايته كرئيس للوزراء، تعهد لي كه تشيانغ بخفض الروتين وجعل الحياة أسهل بالنسبة للشركات الخاصة. وبشأن هذه النقطة فمن حقك ان تسخر، فبرغم كل شيء كانت هناك طفرة في تسجيل الشركات الخاصة حيث تم إنشاء نحو ثلاثة ملايين و600 ألف شركة خاصة في السنة الماضية اي ضعف الشركات المسجلة عام 2012.
وفي الوقت المناسب، ستؤدي هذه الإصلاحات إلى ان يتخصص رأس المال بنحو أكثر كفاءة. وسيتمكن من يقدمون القروض بحساب المخاطر بشكل أكثر دقة، و أكثر الشركات المستحقة ستعرف اين تعثر على اموال المدخرين وتحصل على عوائد لائقة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن النمو الصيني سيتباطأ- وكيف لا يحدث ذلك؟-ولكنه يتباطأ تدريجيا ومن دون تحطيم النظام. ويمكننا ان نلقي نظرة مفصلة على ما وراء التباطؤ.
ومع ذلك ما تزال هناك مخاطر. فالتحرير يعرض الاستقرار الموجود للخطر. وعندما فككت الدول من تايلاند الى كوريا الجنوبية ضوابط رأس المال ارتفعت أسعار الأصول والديون الخارجية، ما أدى في نهاية المطاف إلى أزمات مصرفية. لكن الصين لديها دفاعات أقوى برغم ان اقتراضها الأجنبي آخذ في الارتفاع والبورصة ارتفعت بمقدار ثلاثة أرباع في غضون ستة أشهر.
وبعدها تأتي السياسة. فالإصلاحات الاقتصادية تحظى بدعم رفيع المستوى. وحتى الان أبقت حملة مكافحة الفساد التي قام بها الرئيس شيء جين بينغ المسؤولين يعيشون في خوف من تعرضهم للتحقيق والمساءلة. والكثير من المسؤولين لا يجرؤون على الدخول في اختبارات محلية جريئة خوفا من إغضاب شخص قوي.
وكل ذلك له اهميته لأن الاصلاح في نهاية المطاف يتطلب وضع حد لنظام الهوكو( تسجيل كل المعلومات عن الاسرة وكأنه نظام طبقي) المزري، والذي يجعل قسما من الـ300 مليون شخص من الذين هاجروا إلى المدن من الريف مواطنين من الدرجة الثانية ويعوق قدرتهم على ان يصبحوا مستهلكين متمكنين. وبالمثل، يحتاج الفلاحون والمزارعون السابقون الى منحهم الحق في بيع منازلهم وأراضيهم، أو أنهم لن يكونوا قادرين على المشاركة في تحول الصين.
وفي تعبير يبرهن على ولعه بالتشبيهات يقول رئيس الوزراء لي كه تشيانغ ان الاصلاحات الاقتصادية تشبه شعور الجندي بالألم عند قطع ذراعه التي تسممت من أجل ان يستمر بالقتال. ويضيف «التضحية الحقيقية مطلوبة» . ان ثورة الصين الهادئة قطعت قسما من الدرب. ولكن السيد لي كان محقا حين قال : هناك الكثير من الألم ينتظرنا.

*الايكونومست لا تذكر اسماء كتابها
ترجمة عبد علي سلمان
عن الايكونومست

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة