مهنة الندافة.. تراث شعبي عبث به المستورد

يتوارثها الأبناء عن الآباء

بغداد ـ كوكب السياب:

كثيرٌ من المهن العراقية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتراث، وتحمل معها عبق الماضي الآفل، وذكرياته وشخوصه.
وكان الزبائن والمتبضعون دائماً ما يبحثون عن المنتجات المصنوعة يدوياً، ويحرصون على اقتنائها ويفضّلونها على غيرها من المنتجات لما تحمله من خصوصية، فضلاً عن اتقانها بشكل دقيق.
مهنة الندافة واحدة من تلك المهن التـي بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة، على الرغم من أنها تعد مهنة يتلصق بها التراث، ويرتبط بها ارتباطاً وثيقاً.
ومع دخول البضائع المستوردة، من المفروشات والأقمشة، لا سيما التركية والإيرانية والصينية، التي غطت احتياجات السوق، صار الطلب للمنتجات المحلية أقل كثيراً مما كان عليه في السابق.
تراجع المهنة
يقول حسين جاسم، أبو حيدر، صاحب معمل لبيع القطن والمكائن الخاصة بالندافة، في منطقة «الطوبجي»، إن «الطلب على المكائن انخفض بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية، بعد إن كنا نعتمد على بيعها بشكل كبير».
ويضيف: «كذلك الحال على القطن، بشتى أنواعه، فأغلب أصحاب محال الندافة تركوا مهنتهم وامتهنوا أعمالاً أخرى، بسبب كثرة المستورد من المفروشات التي تأتي من مناشئ كثيرة، كأيران وتركيا والصين وغيرها، وتغطيتها لاحتياجات المواطنين الذين بدورهم استغنوا عن نتاج النداف العراقي».

«اللوكه»
ويصف أبو حيدر، القطن العراقي بأنه «أكثر أنواع القطن جودةً»، لكنه عاد ليشكوا انتشار القطن المستورد وتوفره بأسعار أقل بكثير من القطن المنتج محلياً، ما أثرّ بشكل كبير عليه».
أما حسين عوده، ندّاف يعمل في هذه المهنة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، يؤكد إن «الندافة في السابق كانت تدر عليه أموالاً وفيرة تسد احتياجاته وتوّفر له العيش الكريم»، مشيراً إلى أن «المهنة بدأت تتراجع مع دخول المنتج الخارجي الأقل سعراً».
وأضاف: «الشباب المتزوجون حديثاً يفضلّون تجهيز غرفهم بالمفروشات من الاسفنج الجاهز، بسبب ارتفاع اسعار القطن (اللوكه)، (واللوكه تعني بالكردي القطن، وهو من أجود أنواع القطن العراقي)»، متابعاً: «تركت المهنة في أكثر من مناسبة لكني سرعان ما عدت اليها بسبب فشل المشاريع الأخرى، وبسبب حبي لها».

ذكريات
ويستذكر الحاج سلمان غالي، نداف في منطقة الوزيرية، ايام عمله في السابق: «كنا نستخدم طريقة بدائية لحلج القطن باستخدام آلة خشبية (دولاب يدوي) يقوم بعزل الشعيرات عن البذور القطنية فنستعمل الشعيرات وتسمى قطن (لوكه)، أما البذور فيستعمل قسم منها علفاً للجاموس».
ويضيف: «كانت هذه العملية تقوم بها النساء الريفيات في البيوت، والآن انقرضت هذه الآلة بعد دخول مكائن الحلج الحديثة إلى العراق في الستينيات»، مشيراً إلى أن «أدوات العمل عبارة عن (أبرة، كشتبان، شمع العسل، والخيوط)»، منوهاً إلى أن «شهري محرم الحرام وصفر أقل الشهور عملاً للندافين، بسبب عدم وجود الأعراس فيه».
ويتابع غالي قوله: «مهنة الندافة من المهن التي يتوارثها الأبناء عن الآباء، فالكثير من الندافين الحاليين كان آباؤهم يعملون في هذه المهنة»، مشيراُ إلى أنه «تعلم المهنة من أخيه الأكبر الذي تركها منذ سنين».

عزوف
وترى المواطنة أم محمد، ان «مادة الاسفنج فرضت نفسها علينا كونها سهلة العمل والتنظيف فضلا عن البطانيات التي حلت بديلاً عن (اللحاف)»، مضيفةً: «كل هذا أسهم في اقبال المواطنين على الافرشة والعزوف عن الندافة».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة