الأخبار العاجلة

المعارضة الوطنية المثقفة

قبل أيام قليلة كنت في دمشق؛ دمشق التي أحببتها وأحبها دوما لأنني سكنتها وعملت فيها لأعوام طويلة وتزوجت ورزقت بأطفالي، وضمتني أكثر أحيائها شعبية وقدما في التاريخ من باب توما مرورا بمساكن برزة وركن الدين حتى جرمانا والشابندر. لأسباب كثيرة وعظيمة أحب دمشق كما أحب بغداد. وربما تختلط الأمور عليّ في الأحلام فأرى شوارع بغداد تختلط بشوارع دمشق. ما يميز دمشق عن بغداد مستوى العناية والخدمات والنظافة بشكل عام. بقية الأمور الاجتماعية تأخذ الطابع الحضاري المشترك بين الحاضرتين العملاقتين في التاريخ والجغرافيا.
وبينما كنت أعيش بدمشق فأنني كهوية يسارية صار لي أصدقاء من اليسار السوري. الطيور على أشكالها تقع كما يقول المثل العربي الشهير. لذا وجدت أن غالبية الأصدقاء السوريين والفلسطينيين الذين تعرفت بهم ونسجت العلاقات الشخصية معهم كانوا ينتمون لليسار العربي بشكل عام حتى بألوانهم القومية. لذا كنا نعمل بمجلة فلسطينية يعمل فيها العراقيون الشيوعيون أمثال الفنان التشكيلي الفذ مكي حسين والفنان المسرحي رياض محمد والشاعر عبد الكريم كاصد والشاعر جليل حيدر ومن السوريين الشاعر الراحل ممدوح عدوان والكاتب الجاد موفق محادين، وكان الملتقى الليلي ببيت الشاعر السوري المبدع بندر عبد الحميد الذي كنت أسهر معه بذات المكان قبل أيام والحديث كان يدور عن الشعر أكثر منه عن الحرب، فقرأت قصيدة طويلة له بصوت عال وكانت تجسد المأساة الجارية بجميع أبعادها. لا زلت أتذكر الكثير من هذه النخب اليسارية الرائعة، وكان يسود بيننا إنسجام كبير وجلي كوننا نتمتع بذات المفاهيم العامة. كنت أعجب من تساهل النظام معنا إلى هذه الدرجة التي تختلف بفارق كبير عن نظام البعث الصدامي بالعراق. عندما ينتاب المرء هذا الشعور بالطمأنينة فهو مدعو للتفكير والإنتاج والإبداع، وهكذا حصل بالفعل.
أصدرت كتابي الأول «المشي في الحلم» عام 1987 وكان يتضمن النقد الأدبي السياسي الهادف للنظام السوري والعراقي وهو مجاز عن وزارة الثقافة ومن قبل اتحاد الأدباء العرب والسوريين.
اليوم وفي هذه الأوقات العسيرة زرت دمشق لأن المكان يسحبني مثل مغناطيس روحي لا يمكنني الفكاك منه. لكنني وقعت كما تقع الطيور على بعضها أي «المعارضة السورية المثقفة» في ملتقى «زينون» بباب توما بدعوة كريمة. إنهم مثقفون مدنيون، شعراء وأطباء ومهندسون وبناة مدن وحضارة من رجال مثقفين ونساء رائعات في أبهى الحلل والأناقة والجمال. خرجت منتشيا بهذه الثقافة الاجتماعية الراقية التي تصون بلدها كما يصونها جندي مجهول. الوقت القادم للناس والجماهير ورواد الحب والجمال والخير..
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة