الأخبار العاجلة

السياسة الخارجية للعراق

أ.د. محمد الحاج حمود*

تعرض العراق في المدة السابقة الى عقوبات عديدة بسبب السياسة غير السليمة للنظام السابق. وهذه العقوبات ادت الى فرض حصار قاسي على الشعب والى مآسي ادت الى عزلة العراق عن جيرانه وعن المجتمع الدولي. وكان من نتيجة تلك السياسة صدور العديد من قرارات مجلس الامن الدولي التي تضمنت عقوبات اضرت بالشعب وبمكانة العراق الدولية وسببت تدهور الوضع الاقتصادي للعراقيين جعلت من العراق في المجتمع الدولي وكأنه جسم غريب مما ادى الى فرض القيود الكثيرة على نشاطه في المجتمع الدولي.
ومعلوم ان المقصود بالسياسة الخارجية هي انها ادارة العلاقات مع الدول الاخرى ومع المجتمع الدولي لما يصب في المصلحة الوطنية للدولة والدفاع عن مصالح الشعب.
ولابد لنجاح السياسة الخارجية من توفر عوامل معينة، من اهمها اولاً وجود وضع داخلي موحد ورصين. فالمفاوض الدولي لابد ان يكون مسنداً من نظام سياسي موحد وفعال ومن دون ذلك لايستطيع تحقيق الاهداف التي يتفاوض من اجلها. فالمماحكات والخلافات السياسية الداخلية تضعف المفاوض، وهذا مايجعل على عاتق جميع السياسيين ان يتجنبوا الخلافات الحزبية الضيقة ويتفقوا على سياسة وطنية موحدة. فهذه الوحدة الوطنية هي اساس القوة في تنفيذ السياسة الخارجية وبالتالي الدفاع عن المصالح الوطنية. ان الخلافات في المواقف السياسية هي صورة من صور الديمقراطية، الا ان المبالغة فيها يضعف الموقف السياسي الخارجي للدولة ويضعف موقف المفاوض العراقي. وثانياً، لابد لنجاح السياسة الخارجية من اتفاق المجتمع على خطوط عريضة لتحديد المصالح الوطنية العليا لتكون اهدافاً لنشاط السياسة الخارجية و في الدفاع عنها. فلا يجوز التفريط بالاقليم او بالحدود او بالمياه على سبيل المثال. والشرط الثالث لنجاح السياسة الخارجية هو الاستمرارية والمرونة. فعندما نضع سياسة خارجية ثابتة لمرحلة من المراحل ونسير على نهج تلك السياسة بنحو منظم وندافع عنها في كل الاوساط الدولية بصورة مستمرة نضمن بذلك نجاح تلك السياسة، وبخلاف ذلك تصبح مصالح البلاد عرضة للأهواء والتغيرات.
ولكن الاستمرارية والمرونة تعني ايضاً ضرورة مواكبة تطورات مواقف المجتمع الدولي من اية قضية مطروحة للبحث. فان طرأت احداث دولية معينة يقتضي الامر تغيير بعض فقرات تلك السياسة. ولابد ان تتكيف بعض جوانب السياسة مع تطور الوضع الجديد ولابد وان تنسجم السياسة الخارجية مع المنظور الاستراتيجي لعلاقاتنا مع الدول الاخرى المستمدة من مبادئ الدستور والقائمة على الاحترام المتبادل والسياسة السليمة وتبادل المصالح وعدم الخضوع للغير ولكن في الوقت نفسه عدم الانعزال التام عن الغير. هذا التبادل وهذه الرؤيا المرنة مع المجتمع الدولي هي من متطلبات السياسة الخارجية الناجحة.

مراجع السياسة الخارجية
اولاً: اول مرجع من مراجع السياسة الخارجية في الدولة هو الدستور. والدستور في العراق الحالي هو دستور عام 2005. والدستور هو القانون الاسمى ويمكن ان يوصف بانه ابو القوانين وهو قائد الدولة في كل شيء. والدستور العراقي الحالي قائم على ثلاثة اسس هي الديمقراطية والتعددية والفيدرالية. وقد جعل الدستور امور السياسة الخارجية من اختصاص السلطة المركزية او السلطة الاتحادية.
وقد حدد الدستور الخطوط الرئيسة للسياسة الخارجية. فالمادة الثالثة منه نصت على ان العراق( عضو مؤسس في الجامعة العربية وملتزم بميثاقها وجزء من العالم الاسلامي). ولهذا النص حل الدستور المسألة القومية كما اوجد حلاً لمسألة الدين الرسمي للدولة. وهكذا اصبحت السياسة الخارجية للدولة ملزمة بميثاق الجامعة العربية وبالعمل المشترك. كما انها ملزمة بالتضامن مع العالم الاسلامي.
وتعد المادة الثامنة من الدستور العمود الفقري للسياسة الخارجية للعراق. اذ انها تقضي بان العراق( يرعى مبادئ حسن الجوار ويلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى ويسعى لحل النزاعات بالوسائل السلمية ويقيم علاقاته على اساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل ويحترم التزاماته الدولية).
فمبدأ حسن الجوار هو من المبادئ الاساسية التي تقوم عليها العلاقات الدولية. وهذا المبدأ مقتبس من ميثاق الامم المتحدة ووارد في الكثير من دساتير الدول وهو من المبادئ المستقرة في القانون الدولي والعلاقات الدولية. كما ان مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية هو ايضاً من مبادئ ميثاق الامم المتحدة ومبدأ مستقر في العلاقات الدولية ولا يوجد دستور دولة من الدول يسمح لحكومتها التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
ونتيجة للحروب التي خاضها النظام السابق، فرض الدستور الجديد تسوية النزاعات بالطرق السلمية منعاً لتكرار المآسي التي مر بها العراق نتيجة تلك الحروب. ووسائل تسوية المنازعات سلمياً عديدة اشار اليها ميثاق الامم المتحدة في المادة(33). ولسنا هنا بصدد شرح هذه الوسائل. والمبدأ الاخر من مبادئ المادة الثامنة هو اقامة علاقات العراق مع الدول الاخرى على اساس المصالح المشتركة من دون التضحية بمصالحنا.
ومما تضمنته هذه المادة مبدأ احترام التزاماتنا الدولية. والمقصود بالتزاماتنا الدولية جميع المعاهدات والمواثيق مع جميع الدول الاخرى والمنظمات الدولية، بما في ذلك قرارات مجلس الامن الدولي.
وتلتزم المادة السابعة من الدستور بـــــ ( محاربة كل كيان او نهج يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير او التطهير الطائفي او التمهيد له او التحريض عليه). وبذلك اعد الدستور اية انتهاك لحقوق الانسان انتهاك للدستور ويستحق مرتكبه المسائلة القانونية.
وقد حرم الدستور استخدام اسلحة الدمار الشامل في علاقاتنا الدولية. وهذا الالتزام يتوافق مع التزامات العراق وفقا لاتفاقياتنا الدولية التي التزم بها تجاه المجتمع الدولي.
كما حرم الدستور استعمال الاراضي العراقية لتكون مقراً او ممراً او ساحة لنشاط الارهاب. ولم يغفل الدستور النص على حماية حقوق الانسان. ففي المواد 14-21 نص على حماية الحقوق المدنية والسياسية، وفي المادة 22-26 نص على حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ثانياً: المرجع الثاني للسياسة الخارجية هو البرنامج الحكومي المقدم الى مجلس النواب، وهذا البرنامج يتضمن عادة سياسة الحكومة في الشؤون الداخلية والشؤون الخارجية. فعند مراجعة البرنامج الحكومي نجد فيه فقرات مهمة تتعلق بالسياسة الخارجية على ان يكون متوافقاً مع احكام الدستور. وهذا البرنامج يكون ملزم لجميع وزارات واجهزة الدولة ومن ضمنها وزارة الخارجية.
والمرجع الثالث للسياسة الخارجية هو مايصدر عن مجلس الوزراء من قرارات تمس علاقات العراق بالدول الاخرى. وهذه القرارات لابد وان تكون ضمن احكام الدستور ايضاً. وميزة هذه القرارات انها تواكب التطورات على الساحة الدولية.
والمرجع الرابع للسياسة الخارجية هو نشاط وزارة الخارجية. فوزارة الخارجية تقوم بدورين في ميدان العلاقات الدولية. الاول هو دورها الاساس في تنفيذ السياسة الخارجية للدولة بصفتها الجهاز التنفيذي للسياسة الخارجية في كل الميادين. ولوزارة الخارجية دور اخر تمثل في تطوير وتغذية السياسة الخارجية بالمواقف المستجدة على الساحة الدولية، وتقدم الى مجلس الوزراء بمقترحات بهذا الخصوص. وهي بذلك تخلق او تسهم في خلق مواقف في السياسة الخارجية، ولكن دائماً ضمن حدود الدستور.
ويمكن ان نضيف مصدراً خامساً للسياسة الخارجية وهو الاتفاقيات الدولية، وخاصة الاتفاقيات الدولية العامة، اي الاتفاقيات التي تنطبق على المجتمع الدولي بصورة عامة كميثاق الامم المتحدة.

اهداف السياسة الخارجية
يمكن تلخيص اهداف السياسة االخارجية للعراق بما يلي:
اولاً: تحقيق امن البلاد.
ثانياً: الحفاظ على سيادة الدولة وسلامتها الاقليمية ككيان مستقل في المجتمع الدولي.
ثالثاً: الدفاع عن النظام الديمقراطي.
رابعاً: مكافحة الارهاب.
خامساً: حماية المصالح العراقية في الخارج.
سادساً: تحقيق الرفاه والتنمية.
سابعاً: الحفاظ على وحدة الصف الوطني.

منجزات السياسة الخارجية العراقية
عند الحديث عما تحقق من منجزات في ميدان السياسة الخارجية لابد من الاشارة الى ان هذه المنجزات لم تتحقق بجهود فردية او جهود جهاز واحد من اجهزة الدولة وانما هي حصيلة جملة من الجهود والممارسات، لجميع مؤسسات الدولة، اضافة الى اسهام الخيرين من ابناء العراق الذين شجعوا او اسهموا في بناء المواقف السياسية والعملية التي ادت الى تحقيق المنجزات في ميادين السياسة الخارجية.
لقد حدث التغير الكبير في حياة العراق والعراقيين عام 2003 نتيجة ظروف استثنائية داخلية ودولية كان من نتيجتها انهيار النظام السابق بعد اجتياز القوات الدولية الحدود العراقية متوغلة نحو العاصمة بغداد، مما ادى الى تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية في جميع مفاصل الحياة في العراق. فكان امام السياسة الخارجية العراقية الجديدة ان تشرع لتحقيق اهدافها في خضم تلك المصاعب نهجاً جديداً او تغييراً جذرياً لسياسة النظام السابق الذي وضع العراق بأكثر من مأزق دولي من خلال سياسته المنغلقة والعدائية وذلك عبر الانفتاح بهدف ضمان عودة العراق الى وضعه الطبيعي ومكانته المرموقة في المجتمع الدولي. فقد سارت السياسة الخارجية لتحقيق ذلك الهدف باتجاهين متزامنين تمثلا اولاً باستكمال تنفيذ التزامات العراق الدولية الضامنة للخروج من طائلة احكام الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، وثانياً توسيع الانفتاح الدبلوماسي للعراق حول العالم تأكيداً لتوجهاته السلمية الجديدة وتحقيقاً لمصالحه السياسية والاقتصادية.
ومما تتسم به السياسة الخارجية العراقية في هذه المرحلة الانتقال من مرحلة رد الفعل التي اتسمت بها المرحلة السابقة الى مرحلة الفعل تمهيداً للقيام بدور اوسع في رسم المعادلات في المنطقة خاصة وفي العالم بشكل عام. وكان من المؤمل لهذا التطور في نهج السياسة الخارجية ان يؤدي الى تحقيق الازدهار الاقتصادي والاجتماعي عبر المساهمة الفاعلة باستقدام الاستثمارات الاجنبية وتحقيق المزيد من التقدم على كافة الصعد وهذا يمثل جانباً مهما من جوانب نجاح الدبلوماسية العراقية. ولولا الصعوبات التي واجهت الوضع الجديد اقليمياً ودولياً لكان هذا النجاح قد بلغ اشواطاً بعيدة.
وبعد هذه المقدمة يمكن تقسيم جهود الدبلوماسية العراقية القائدة للعملية السياسية الخارجية في اربعة ميادين رئيسة:
-ميدان اعادة تنظيم وزارة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي.
– في الميدان العربي.
– دول الجوار غير العربية: تركيا وايران.
– العلاقات مع المجتمع الدولي.

الخاتمة:
لقد نجحت السياسة الخارجية العراقية في تحقيق عدد من المنجزات الهامة التي تتعلق بمكانة العراق في المجتمع الدولي عربياً واقليمياً ودولياً. مع الحرص دائماً على احترام مبادئ واحكام الدستور العراقي لعام 2005. ومع ذلك لاتزال منجزات هذه السياسة دون مستوى الطموح. فلاتزال هذه السياسة تعاني من عدد من المعوقات بسبب الفهم الخاطئ لدور السياسة الخارجية في تحقيق التقدم للعراق لبعض المتدخلين في نشاط وعمل مؤسسات السياسة الخارجية، اضافة الى عدم نضوج الوعي الديمقراطي لدى عدد من المساهمين في العملية السياسية وتأثرهم بالمواقف الطائفية والاقليمية والقومية على حساب الشعور الوطني الذي يتحتم على الجميع الالتزام به.

*المستشار الأقدم لوزير الخارجية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة