عَومٌ.. في بحر العلوم

يا سيد العلم والاخلاق.. هل أقول إنك استعجلت الرحيل عن محبيك.. وتركت الوطن الذي حملته في قلبك عاشقاً.. وهناً على وهن لعقود طويلة من الزمن.. هذاالوطن الذي يئن بجراحات الفرقة والأرهاب.. تائهاً.. وسط بحر متلاطم الأمواج.. بحر هائج لا مستقر له ولا ثبات !
هل أقول إنك استعجلت الرحيل عنا.. واخترت مصاحبة «القدر» .. ليخطفك منا على عجالة.. ويأخذك الى الفردوس الأعلى.. ويجعل دار الأنس بعدك موحشة !
في خيمة العزاء.. في مضيفك الذي اخترته لأن يكون وسط بحر من العلوم والمعرفة.. من ركب موجها نجا.. ومن تخلّف عنها خاب وشقي.. كنت عنواناً للسلام والمحبة والاعتدال.. كنت أتامل المكان الذي كان يعج ويضيق بمحبيك.. لم أشعر للحظة أنك قد فارقتهم أو فارقتنا.. كنتَ هناك بيننا.. هذا ما كنتُ أشعر به وأراه.. بينما نظراتي تتنقل في فناء المكان وأروقته… وجدتك في ذلك اليوم «الموحش» قريبا من أحبتك.. حريصاً على أن تكون بينهم… واقفاً على باب مضيفك شامخاً بتاريخك وعلمك وأخلاقك.. حتى لا تفوّت فرصة استقبال ضيوفك ومحبيك.. كعادتك دائماً، مضيافاً.. كريماً.. حنوناً.
قد تكون غادرتنا عن هذه الحياة وعن هذا المكان جسداً.. لكن روحك كانت تحلّق في أرجائه.. صوتك كان يتردد في فضائه.. ابتسامتك كانت ترتسم على أبوابه وجدرانه.
وجدتك تضرب بعصاك على الأرض.. وأنت تتنقل وتمشي في أرجاء المكان الذي أطلقت عليهم «العلمين».. مزهواً والغبطة تملأ قلبك المتيم بحب العراق.
لم ترغب يوماً في مفارقة أحبتك أو الابتعاد عنهم ولو لمدة وجيزة.. قلبك الكبير كان يتسع لمحبي هذا الوطن جميعاً.. كنت قريباً منهم.. واليوم تلتصق بهم أكثر… حين تغادرهم..!
في خيمة مجلس العزاء.. كنت تتنقل بين صفوف الجالسين من أحبّتك.. تربت على كتف هذا وتمازح ذاك همساً، تجلس الى جوار بعضهم، تمسح الدموع عن عينيّ من حزن لفراقك.. ويفتقدك اليوم.
قد يحار المرء من أين يبدأ والى أين ينتهي عندما يختار الكتابة عن قامة عراقية كبيرة أصلها ثابت في أرض الأنبياء والأولياء والصالحين والعلماء والأدباء.
«بحر العلوم» هو أحد العناوين والعلامات البارزة في تاريخ السِفر الجهادي لهذا الوطن.. مهما كتبنا عنه ستبقى هذه الحروف والكلمات «نقطة» في بحر العلوم.. ومهما حاولت «العوم» في نهر من الكلام.. فإنها لن تفي هذا العالم الجليل حقه .. وتعجز الكلمات والحروف عن «العوم» في بحر من العلوم.. الذي اختار أن يعوم في حب الوطن.. يعيش أوجاعه.. آلامه وجراحاته.. يغوص في أعماقه.. بحثاً عن مستقبل أفضل لوطنه وشعبه.
يا سيد الأخلاق.. يا بحر العلوم.. .يا من كنت تتوظأ بماء الفرات وتشرب من ماء دجلة.. تركت لنا إرثاً كبيراً.. نهراً من العطاء.. من العلوم والمعرفة.. ستبقى أحد رجالات العراق الذين عُرفوا بجهادهم وتضحياتهم وعلمهم فضلا عن حلمهم وعقلانيتهم.. واحداً ممّن طبعوا بصمتهم على خارطة الوطن في أدق وأعقد فترة انتقالية بين زمنين مثلت مفترق طرق.. لمستقبل وطن وشعب عانى الكثير.
على المستوى الشخصي والمهني كنت محظوظاً وفخوراً في أن أكون الى جانب هذه الشخصية الوطنية التي حملت الهمّ الوطني في حلها وترحالها.. محطات كثيرة.. رحلة اتسمت بالجهاد، النضال، التحدي، الحزم، الرحمة، الشجاعة، المعارضة، الوسطية، الاعتدال، الحكمة،الحلم ،الصبر، الثقافة ، التضحية، الجهاد، الثقافة ، الاداب.
قلبك الكبير.. كان ينبض بحب العراق، يحمل الوجع العراقي.. كنت كغيمة بيضاء.. تتنقل في أرجاء الوطن تحمل المطر والبَرَد.. كيف لا وأنت سليل عائلة حفرت في أرض الجهاد طويلا.. منحت الوطن بحراً من الدم حتى فازت ببحر من العلوم !
فقدناك أبا.. عالماً.. شيخاً.. مثقفاً.. شاعراً.. سياسياً.. كنت أنيق المظهر.. والأخلاق والكلام.. حملت الوطن في سِفرك.. الجهادي الطويل.. حملته وهناً على وهن وفصاله سنوات من التضحية.. دفعت وعائلتك القرابين قافلة من الشهداء.. على طريق استعادة حرية وكرامة الوطن التي سُلبت منه في غفلة من الزمن… ساهمتم في كسر قيد أسر الوطن الجريح .
هل كان قدرك.. أم قدرنا أم قدر محبيك أن تغادرنا.. ونحن في أمس الحاجةإليك اليوم أكثر من الأمس ونحن في مواجهة التحديات الجسام.. كم نحن بحاجة الى كلماتك، نصائحك، مداخلاتك..؟ كنت أمينا على مصالح هذا الوطن.. وها أنت تغادرنا الى الرفيق الأعلى.. نقياً.. طيباً.. صالحاً.. تاركاً وراءك إرثا من العلم والأخلاق.. والتجربة والنضال.. كنت خير ناصح وسند ومعلّم… سلاماً عليك.. يا من نهلت من علوم النبي وأهل بيته الكرام.. سلاماً عليك وعلى كل رجالات العراق المخلصين.

* المستشار الإعلامي لرئيس مجلس الحكم الأسبق السيد محمد بحر العلوم
عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة