اقتصاد النفط.. والاستثمار النفطي في العراق

دكتور احمد بريهي
اعداد: نجلاء صلاح الدين

يتناول هذا الكتاب التحليل الاقتصادي لإنتاج النفط وسلوك الاسعار والطلب ويراجع الادبيات المتداولة بشأن الاقتصاد الريعي . ويدرس الاستثمار النفطي في العراق ونتائجه المحتملة في المالية العامة واف5اق النمو الاقتصادي ،وامكانات تعويض الاضرار الاقتصادية التي تكبدها العراق من ايقاف تطوير وتصدير النفط الخام لثلاثة عقود ،بل وتدهورت القدرات التي كان عليها نهاية السبعينات ومن الطبيعي ان يسعى العراق الى زيادة صادراته النفطية بما يتناسب مع احتياطاته واحتياجاته الانية الى المواد وتطلعاته التنموية المشروعة .
ان المجتمع يتطلع الى توظيف موارد النفط بكفاءة وحكمة لخدمة الرفاه العائلي والسلم الاهلي والعدالة الاجتماعية ولتحويل العراق في نهاية المطاف الى دولة متقدمة وعلى نحو شامل في كافة ميادين الحضارة المعاصرة .
وشهد الاقتصاد العراقي منذ مطلع خمسينات القرن الماضي ، والى الآن ، تحولات في نظامه واتجاهاته وأدائه وتعرض إلى انقطاعات وصدمات . ولكن مع ذلك أمكن حتى نهاية السبعينات انجاز قدر من التنمية ساعد على تحقيقه مورد النفط . فكان العراق عام 1975 ضمن فئة البلدان النامية متوسطة الدخل ، وفي الشريحة الوسطى منها ، و يقارن مع كوريا الجنوبية واليونان والبرتغال وليس بعيدا” عن اسبانيا في متوسط الدخل للفرد .
وكان من المتوقع دخوله فئة البلدان عالية الدخل في عقدين ، مع إحداث تقدم صناعي وعمراني جوهري ، في النفط الخام قاربت طاقته الإنتاجية 3.8 مليون برميل يوميا” وصادراته 3.2 مليون برميـل يوميا” عام 1980 . واتخذت تدابير أولية لزيادة طاقة إنتاج النفط الخام إلى 5.5 مليون برميل يوميا”. وأنجزت طائفة واسعة من مشاريع التصنيع ،إضافة على تقدم ملموس في إنتاج الكهرباء ، مع تحرك باتجاه إزالة الاختناقات في البناء التحتي والخدمات . وكانت مستويات التعليم والصحة تتناسب مع مجموع إمكاناته الاقتصادية . بيد إن بلدنا يحمل بذور خرابه في بنائه السياسي الذي كان مأزوما” على الدوام . إذ بقيت السلطة محورا” للتوتر الدائم والرعب ونوبات سفك الدماء ، في أجواء من النزاع الإقليمي الظاهر والمستتر ، وتنافس الأيديولوجيات وطموحات الهيمنة ، ومفاعيل الثنائية القطبية .
وقد تم توظيف العناصر الهدامة في الثقافة الموروثة والسائدة لإذكاء النزاعات و الحروب عبر إعادة إنتاج الكراهية . والتي فشل المجتمع العراقي ، وعلى نحو مخيف ، في التخلص منها . كما أخفقت النخب ، المؤثرة في وعيه ، وبجميع أجنحتها ، أيما إخفاق ، في مهمتها التاريخية والأخلاقية نحو إعادة صياغة أساليب التفكير وأنماط السلوك الثقافي والسياسي على وفق متطلبات السلام الأهلي والتقدم والعدالة .
تلك العوامل السياسية والثقافية تفسر ما جرى للعراق منذ بدء الحرب العراقية الإيرانية مرورا” بغزو الكويت وحرب الخليج الأولى وانتفاضة آذار والمجازر الجماعية التي ارتكبت لقمعها ، والانتقام من الأهالي بأساليب تمثل ذروة القسوة والانحطاط الأخلاقي ، وتواطؤ دول المنطقة مع تلك المجازر، ووحشية الحصار ، والاجتياح العسكري الأمريكي عام 2003 والحرب الطائفية فيما بعد ، ووقائع القتل المستمر لحد الآن . وهيأت عوامل النزاع السياسي – ألاثني – الثقافي بيئة ملائمة وأغطية ومبررات لمختلف ألوان الشراهة وأطماع الأشخاص والمجموعات الصغيرة ، والفساد الإداري والمالي وسحق القيم واستشراء الانتهازية والارتزاق على حساب مصالح الشعب المشروعة في الأمن والعدالة والرفاه . والمستقبل الأفضل للعراق رهن باستعدادنا لمواجهة الحقائق والمكاشفة والتغيير الذي لايطال ، فقط ما اتفقنا عليه فيما يسمى برامج الإصلاح الإداري والسياسي ، بل ، وهذا هو الأهم ، إن يشمل التغيير الكثير مما نعتقد أنها حقائق مطلقة ومبادئ ينبغي الدفاع عنها .
دخل العراق الحرب مع إيران بفوائض نفطية تقارب 40 مليار دولار وهو مبلغ ضخم في وقته وقد استنفد عند نهاية عام 1983 وتوقف الجهد التنموي تقريبا عند نهاية ذلك العام وتزايد اعتماد العراق على القروض الأجنبية حتى وصلت 82 مليار دولار نهاية الحرب عام 1988 . ولنفس السبب ، عدم كفاية إيرادات النفط ، بدأ الاعتماد على الاقتراض من البنك المركزي لتمويل الإنفاق الداخلي ، والذي أصبح المصدر الوحيد تقريبا” في سنوات الحصار . بين نهاية الحرب مع إيران وقرار الحصار في آب 1990 جرت محاولات جادة لاستئناف التنمية التي توقفت . وقد بوشر بالعديد من مشاريع التطوير الصناعي وتوليد الكهرباء وغيرها وضاعت تلك الجهود أيضا” ودمرت حرب عام 1991 أغلب الأصول الحيوية التي تراكمت عبر العقود الماضية ولم تستأنف التنمية الصناعية لحد ألان . لقد نخرت أوضاع الحصار الاقتصاد العراقي ونظامه ومؤسسات إدارته وهو ما يفسر انهياره المذهل عام 2003 بحيث استطاعت الإدارة الأجنبية وخلال سنة واحدة إعادة ترتيبه بالكيفية التي أرادت والتي لم يزل عليها . ومن ابرز المستحدثات في نظام الحياة الاقتصادية حرية التجارة الخارجية دون أية قيود تعرفيه أو كمية ، وهذا النشاط يزاوله القطاع الخاص دون منافسة من الدولة . وقد أصبح العرض غير المحدود للمستوردات من ابرز سمات هذه المرحلة . وتوافق ذلك مع تزايد الإنفاق الحكومي وارتفاع الرواتب الأمر الذي جعل تلك السلع في متناول الأكثرية وان بدرجات متفاوتة . وكذلك سوق الصرف الحرة وإزالة السيطرة على التحويل الخارجي والذي أصبح امرأ واقعا”. ولم يشهد القطاع الخاص وفرة في العملة الأجنبية ، كما أصبحت عليه هذه السنوات . ولكن سوق الصرف ، بحكم طبيعة الاقتصاد النفطي ، ليس مستقلا” عن الدولة لأنها المصدر الأساسي للعملة الأجنبية . ولذلك يبقى جانب العرض في سوق الصرف حكوميا والذي جعل من السهل اعتماد سعر الصرف الثابت أسوة بدول النفط في الخليج . ومن المستجدات الانفتاح على الاستثمار الأجنبي وتشجيعه . والى جانب تلك الإجراءات تجميد المنشآت الاقتصادية العامة باستثناء الشركات النفطية ، والمصارف الحكومية . والتي انكفأت إلى الداخل ، ولم تمارس في سوق الصرف دورا” يتناسب مع حجمها مع تعطيل وظائفها في صيرفة التجارة الخارجية ، والمدفوعات الدولية ، التي أحيلت إلى المصرف العراقي للتجارة TBI الذي أسس لهذا الغرض ، وبطريقة تتسم بالخصوصية والاستثناء .
لقد تأثر الاقتصاد العراقي وإدارته بالتدويل بدءا” من القرار 661 عام 1990 واللجنة التي أنشأها لتقييد التجارة الخارجية للعراق وحصرها في المتطلبات الإنسانية والتي كرسها برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء فبما بعد . واستمر التدويل والتدخل بأشكال تنتقص من سيادة العراق ، واستقلاله ، في نظام الصندوق العراقي للتنمية DFI وتعويضات الحرب وبرنامج إعادة هيكلة المديونية والمشروطات المرتبطة بها ، ومن بينها رفع أسعار المنتجات النفطية والتي كانت من ابرز أسباب موجات التضخم ، وذلك كونها من السلع الأساسية عموما والتي تحدد تكاليف النقل والإنتاج الخاص للكهرباء .ﹰ وتلك الصيغ من التدخل أضعفت الدوائر المعنية ورسخت ثقافة لا تساعد في إعادة بناء الدولة على الوجه الصحيح .
ويشير الكتاب المذكور عن المعدل اليومي لصادرات النفط الخام 1.85 مليون برميل عام 2010 ، وهو دون المستوى المتوقع ، لعدم التمكن من اضافة طاقة إنتاجية جديدة وتعويض التدهور في امكانات الانتاج القائمة . إضافة على انقطاعات التصدير بسبب طوارئ المناخ والعنف .
لكن ارتفاع سعر النفط الذي وصل بالمعدل 74 دولار للبرميل قد عوض نقص التصدير ، فوصلت الايرادات حوالي 50 مليار دولار . وكانت عام 2008 قد بلغت 63 مليار دولار وانخفضت عام 2009 إلى 39 مليار دولار . الا ان مستوى الانفاق الحكومي لم يتأثر. ﺇذ غطت الفوائض الفعلية من موازنة 2008 عجز الايرادات لعام 2009 ، ولم يتحقق العجز المتوقع عام 2010 بل انتهت السنة برصيد موجب للحكومة في الصندوق العراقي للتنمية ، مع ارصدة ديناريه كبيرة في المصارف العراقية . وبموجب التقديرات غير النهائية حقق الناتج المحلي غير الفعلي زيادة واضحة عام 2008 استجابة للإنفاق العام مع استمرار الركود في قسم الإنتاج السلعي ، وخاصة الصناعة التحويلية ، واستمر الانتعاش عام 2010 وبنفس النمط . وانخفضت البطالة الظاهرة إلى حوالي 15% ، ومثلها تقريبا عمالة ناقصة ، واخرى مقاربة لها ، حجماً ، بطالة مقنعة في الجهاز الحكومي المدني والعسكري . ويزدحم النشيطون اقتصادياً في فروع الانتاج غير السلعي الحكومي والخاص مع غلبة الانشطة الصغيرة وغير المنظمة في الميادين غير الحكومية .
ولو جاز لنا ، نظرياً ، تقسيم سكان العراق إلى مجتمعين : الاول بكتسب دخلاﹰ من الدولة ، بشكل أو بآخر ، والثاني لا يكتسب منها ابداً وبضمنهم مستلمي رواتب الرعاية الاجتماعية ، لظهر إن توزيع الثروة والدخل في المجتمع الثاني شديد التفاوت إضافة على الفارق الجوهري في متوسط الدخل بين المجتمعين .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة