مستقبل العراق السياسي وبناء الدولة

د. محمد نعناع
بغداد ـ الصباح الجديد:

يرى الدكتور محمد نعناع في شبه مقدمته بكتابه الموسوم «مستقبل العراق السياسي وبناء الدولة « ان الوطنية وحب العراق تفرض علينا البحث بشكل معمق عن أسباب المشاكل والأزمات التي تعيق تقدم البلاد.
ويشير الكتاب أن الباحثين والمثقفين الملتزمين برسالة بناء الدولة في العراق الجديد التي تضمن الحرية والكرامة يتحتم عليهم إيجاد الحلول المناسبة لدفع العملية السياسية الى الأمام لإنتاج دولة عصرية دستورية قادرة وذات هيبة تغيض العدو وتصد عدوانه وتسر الصديق وترضي عنفوانه.
وتحدث الدكتور محمد النعناع في هذا البحث وبحسب قوله ،»بجرأة عن الأسباب الحقيقية لمشاكل العراق وأزماته التي تؤثر على مستقبله السياسي ومن ثم تؤثر بالضرورة على باقي الميادين الحياتية والوظيفية وحتى الثقافية والفكرية .
تناول المبحث الاول من الفصل الاول من الكتاب ،»الاسباب الحقيقية لمشاكل العراق «وشخَّص الدكتور محمد النعناع اهم هذه الاسباب والاجراءات الكفيلة في حلها منها مشاكل بناء الدولة العراقية الحديثة وطريقة تشكيل معادلة السلطة المضرة بمستقبل العراق.
ويرى الكاتب ان هذه المشكلة يمكن تجاوزها ببناء جديد للدولة يقوم على الديمقراطية والدستورية، اما السبب الثاني يعكس التأثير الاستعماري والمخططات الدولة التي لعبت دورا كبيرا في تشتيت كلمة العراقيين وعدم توحدي موقفهم.
وهنا ينصح الكاتب باتباع اسلوب دبلوماسي وسياسي مستقل، وتأتي سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة بعدم انتاج استراتيجية عراقية قائمة على الثوابت الوطنية والواقعية السياسية.
ويعتبر الدكتور النعناع ان تجاوز الخلل الذي وقت فيه الحكومات السابقة من خلال التنظيم العالي للإجراءات التي تقوم بها الحكومات الحالية، أضافة السلوكيات الطائشة لحكومة البعث وبالتحديد في مرحلة صدام حسين والاساليب التي استخدمها مع الشعب العراقي وتعميق الاختلافات المذهبية والمنطقية. ويجد ان الحل هو الابتعاد عن اعادة هذه السلوكيات للواقع من جديد، والتحريض الطائفي الذي يمارسه المتطرفون والذي سبب مشاكل كثيرة للمجتمع العراقي بعد التغيير عام 2003.
ولحل كما يضعه النعناع هو في اتباع ثقافة اجتماعية مسالمة وتقييد التصرفات الطائفية بقيود قانونية وفتاوى دينية وضوابط اجتماعية ،فضلا على اعتماد امريكا اسقاط النظام من قبل امريكا واعلان بوش العراق ساحة مركزية لمحاربة الارهاب، وقرارات الحاكم المدني بريمر ومنها قرارات المحاصصة والخلل الاقتصادي والمالي الذي احدثه نتيجة افساد وضياع الثروة العراقية، ويرى ان حلها يكون في الغاء هذه القرارات وملئ الفراغ بقرارات مناسبة وممارسات السياسيين العراقيين وخصوصا في بداية العملية السياسية.
وهنا يشدد الكاتب على تجاوز هذه الممارسات والتأكيد على الوطنية .
يؤكد الدكتور النعناع الى الاسراع المنتج لبناء الاجهزة الامنية بشكل متقن. وقلة التشريعات التي تصنع الاسس القانونية لديمومة العملية السياسية للإسراع ببناء الدولة .الحل هو ايجاد نظام عمل وظيفي يسهل العمل. والبطيء المدمر في عمل الوزارات والمؤسسات التي تقدم الخدمة للمواطن العراقي. والحل كما يرى الكاتب هو ايجاد نظام وظيفي يسهل العمل.
ويسرد الكاتب على انتشار الفساد الاداري والمالي الذي اصبح كارثة بحق الدولة والمجتمع.
وبهذا الخصوص فان الكاتب يعتبر تنشيط عمل المؤسسات المعنية وخصوصا هيئة النزاهة .هو الحل في تجاوز هذه المشكلة، أضافة الى المحسوبية التي تسببت بتغييب الكفاءات وتعيين السيئين وبالتالي وقوع خلل في عملية لخدمة العامة .
يرى الكاتب تفعيل العمل بقوانين المؤسسات وتنشيط لوائح السلوك المهني.
ومن مجمل المشكلات ايضا في العراق عدم مراعاة الاولويات في السياسات العامة للحكومة.
ويأتي الحل هو الاهتمام بالأولويات عبر برنامج عمل شامل، وعدم ممارسة «فن التجمع «وانشغال الواجهات السياسية بالمصالح الخاصة والحكومة بالخلافات السياسية.
وتجاوز هذه المشكلة كما يشخصها النعناع هو في بناء ثقافة سياسية تدعو لفنون التجمع والقبول بالأخر وتغييب ثقافة اولوية مواجهة العامل الخارجي بتقوية الوحدة الداخلية. أضافة الى دعم الاعلام الوطني وتوجيه الاعلام الحر، واخيرا عدم توظيف المفاهيم الإسلامية الخاصة بالتعايش وبناء مجتمع مسالم. يرى هنا ان تجاوز ذه المشكلة تكمن في تثوير النص الديني الضامن للسلمية والعدالة.
وفي المبحث الثاني ،عرض الدكتور محمد النعناع «رؤية وصفية للواقع العراقي «ويرى ،ان اغلب اسباب الخلل في الواقع العراقي ومنا الاسباب التاريخية مازالت دون معالجة او توضيح لفهمها ومن ثم الاجهاز عليها وانهائها بالطرق المناسبة وكلا حسب الطريقة الملائمة لمعالجته.
ويقول «فبملاحظة تأثير المقولات التاريخية بين السنة والشيعة لم يعمل السياسيون بل وحتى رجال الدين عل تحييدها وتجمدي تأثيرها بل بعضهم اتخذها سبيلا اساسيا للاستقطاب.
وبخصوص طريقة التعامل مع البعث ورموزه وعمقه الاجتماعي والطائفي ،يرى النعناع انها كانت طريقة خاطئة بامتياز ،ولكنه يستدرك بالقول «لانقصد ما صدر بحقهم من قوانين وضوابط ،ولكن نقصد هنا العمال النفسي وخصوصا ما يسوق في الاعلام «.مبينا أن «البعض كان يحرضهم من حيث لا يعرف او انه يعرف ولكنه لا يجيد فن الالقاء والتعبير وخصوصا في ظل التأويل الخطابي والتحريف الاعلامي».
ونوه الدكتور النعناع الى ان «المحاصصة ادخلت نوعا من الصراع للعراق «واصفا من ابتكر هذه الطريقة لحكم العراق بأنه «اراد ان يشعل فتيل الازمة الطائفية».
ويرى بهذا الخصوص ان الذي كرس للطائفية وشجع على بناء معادلة السلطة بطريقة طائفية هي «لقاءات القادة الامريكان وخصوصا بريمر الذي كان يلتقي سياسيين ورجال دين ورؤساء عشائر وحتى النخب العلمية والثقافية بعناوينهم الطائفية».
ويضيف «في ظل هذا التمحور والتخندق الطائفي هناك من اعجبته اللعبة واندفع معها ليبحث عن مصالحه بين ثناياها».
ولان السنة كما يقول الدكتور النعناع ،»لم يرق هذا البديل الجديد لهم لأنهم سيكونون اقلية اجتماعية وسياسية ولا يستطيعون العودة مرة أخرى لحكم العراق وسيتم إنهاء نفوذهم في الدولة بالتدريج اذا استمر الحال في البناء والتشكيل الديموقراطي بهذا الشكل «بحسب وصفه.
وعلى هذا لابد ان «يحصل الصدام بين من يمثل هاتين الطائفتين ،وهنا استخدمت كل الإمكانات المادية والمعنوية بما فيها المقولات التاريخية للدخول في حرب تخضع فيها النخب الحاكمة لضغوط هائلة تجبرها على إعادة التفكير بتشكيل الدولة العراقية».
ويختتم المبحث الثاني القول «وهذا هو العراق حتى هذه اللحظة».
وفي المبحث الثالث (رؤية نقدية للحراك السياسي) يرى الكاتب ان جميع آراء الخبراء والمحللين اتفقت على أنَّ «الحراك السياسي في العراق غير مقنع ،ويصفه بأنه «يهبط الى مستويات خطيرة في بعض الاحيان». ويضيف «ولان هذا الحراك غير منسجم ولايتمحور حول طريقة واحدة لبناء الدولة او مشروع واحد لإدارة السلطة فانه عادة ما ينهار ويخلف اثناء انهياره موجة من التصريحات التي تزلزل ثقة العراقيين بممثليهم في المؤسسات الدستورية».
ويعد الدكتور محمد النعناع ان مجمل الحراك السياسي «عبارة عن عملية التمحور حول الشخصية والعقيدة وليس حول البرنامج او المشروع».
ويشير الى ان «المحاصصة اصبحت هي سيد الموقف الى ان تبلور وعي شعبي وآخر سياسي لكسر حاجز المحاصصة فبدل السياسيون التسمية لتصبح التوافق».
ولان «السياسيين لديهم اكثر من طريقة لخداع الشعب «بحسب الدكتور النعناع.
وهنا يتساءل الدكتور محمد النعاع «هل اصبح الحراك السياسي المتقن والمقنع والمنتج من المحاولات الذاتية ،بمعنى ان السياسيين الذين يصنعون المشهد السياسي العراقي ويقدمونه للداخل ويسوقونه كخطاب سياسي خارجي عجزوا ذاتيا عن ايجاد حل للمشاكل العراقية ؟!!».
ويختتم المبحث القول «هذا هو حال الحراك السياسي في العراق وان لم تعمل الكتل السياسية على ترتيب حراكها السياسي في اطار الدستور والقوانين والحوار المنتج سيستمر الهبوط السياسي الذي يخلف مشاكل كثيرة».
وفي الفصل الثاني «المشاكل والازمات» اضاءة واقعية ،اعتبر الدكتور محمد النعناع ان المشكلة الحقيقية التي تواجه العراق بشكل عام والمستقبل السياسي تحديدا هي «عدم وجود دولة حقيقية ،واستمرار فشل بناء الدولة بسبب ممارسات سياسيو المكونات الثلاثة الكبرى (الشيعة والسنة والكرد)».
فقد اعتبر الكاتب ان سبب فشل بناء الدولة العراقية الجديدة واكتمال مؤسساتها هو «فساد الشيعة» و»ارهاب السنة» و «انتفاعية الكرد». مضيفا «ففساد الشيعة وسوء ادارتهم سبب مباشر في تردي الخدمات وضعف المؤسسات ،وارهاب السنة وتحريضهم سبب مباشر في تهديم مؤسسات الدولة وتناحر المجتمع، وانتفاعية الكرد وانتهازيهم سبب مباشر في استمرار الصفات السلبية والمحاباة بين القوى المشكلة لمعادلة السلطة».
و يرى الدكتور النعناع ،ان الخلل في بناء الدولة العراقية الحديثة يمكن تجاوزها بـ»بناء جديد للدولة يقوم على الديموقراطية والدستورية».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة