شيخوخة المشاعر تحت صقيع العلاقات

Winter Sleep
عبد السادة جبار

التطور النوعي للسينما التركية بعد التسعينيات استند كثيراً الى تجارب رائدة قد سبقتها حيث لعب الرواد دوراً كبيراً في ذلك التأسيس الجديد، ولعل من أشهر تلك الأسماء هو” لطفي عقاد ” و “متين أركصان” صاحب فيلم “الصيف القاحل” و “يلماز كوني” مخرج فيلم “الطريق” و”ثريا دورو” و”زكي أوكتان” و”شريف غوران”… وغيرهم.. وقد تفوقت السينما التركية خلال السنوات القليلة الماضية بنحو واضح لتدخل المهرجانات العالمية وتحصد الجوائز، إضافة إلى منافستها الأعمال العربية على شاشات الفضائيات العربية بموضوعاتها المفتوحة وجرأتها في تصوير العلاقات العاطفية، إذ تلمس أن هناك نوعين من الأعمال، البعض للاستثمار والاستهلاك محاكية الطريقة الهوليودية ونوع يحمل رسالة ثقافية وفكرية مميزة يصنع سينما مؤلف تركية تخرج عن طوق الصناعة السينمائية لتطرح تساؤلات، نبؤات، رؤى مثيرة للاهتمام ومنها أعمال “سميح أوغلو” مخرج ثلاثية “بيض حليب عسل” و”نوري جيلان” الذي خطف السعفة الذهبية عن فيلم “السبات الشتوي Winter Sleep” في مهرجان كان 2014، وعلى الرغم من أن فيلم جيلان الأخير هو بأسلوب برجمان الشاعري والنفسي، إلا إننا نرى بنحو واضح تلك الواقعية الرائعة التي جسدها المخرج الكبير يلماز كوني، وجيلان مخرج ومصور وكاتب سيناريو وممثل بدأ العمل بعمر 35 سنة وكان أول أعماله فيلم “بُعد” (2002) الذي حصل على جائزتي التحكيم الكبرى وأفضل ممثل. وفي العام 2006 منحه الاتحاد الدولي لنقاد السينما “فيبريسي” حائزة عن فيلمه “مناخات”، وفي دورة 2008 نال جائزة الإخراج عن فيلمه “ثلاثة قرود”. أما فيلمه “حدث ذات مرة في الأناضول” فحصل عنها عام 2011 على جائزة لجنة التحكيم الكبرى، واتسمت مشاركة بلجي جيلان في المهرجان بطابع سياسي منذ حضوره عرض فيلمه حيث صعد فريق العمل درج قصر المهرجانات حاملين على بدلاتهم شارة الحداد على عمال المناجم الذين قضوا في حادثة هزت تركيا في العام نفسه، تاريخ هذا المخرج التركي مؤلف من سبعة أفلام روائية طويلة وفيلم قصير واحد، كان دائماً مثيراً للاهتمام لرسمه عوالم شخصياته وأحداثه في أجواء حزينة، في هذا الفيلم لا يمنحك فرصة لتعتقد بوجود نهاية سعيدة على الرغم من عدم حدوث فعل مأسوي، لكن تلك الرتابة وسوء التفاهم واختلاف الرؤى هي الأسباب التي تشكل عائقاً في التعايش الإنساني، وعلى الرغم من طول الفيلم أكثر من ثلاث ساعات إلا أن الملل لا يتسرب إلى المشاهد وهو يتابع تلك الحوارات المتقنة.

سيناريو الفيلم
“آيدين” (الممثل هالوك بلجينر). ممثل مسرحي سابق في منتصف العمر يعيش في قرية مع زوجته التي تصغره كثيراً في السن، “نيهال” ( الممثلة ميليسا سوزن) وأخته المطلقة حديثاً، “نجلاء” (الممثلة ديمت أكباج)، ورث عدداً من البيوت التي استأجرها منه فقراء القرية إضافة لفندق مميز كأنه منحوت في جبل في منطقة في الأناضول الجبلية. يأتيه عدد قليل من النزلاء في الشتاء، ” ايدين ” غير منسجم مع سكان القرية إلا فقط ما يتعلق بمن يحتاجهم سائقه وصديق واحد ويجامل سكنة الفندق القليلين جداً، يزاول كتابة المقالات لإحدى الصحف المحلية غير المعروفة، تتعرض سيارته إلى حجر يلقيه أحد الأطفال فيكسر زجاجها، إذ يمسكه السائق ويسلمه إلى ذويه نكتشف انه ابن أحد المؤجرين الذي تعرض إلى اهانة نتيجة عدم دفعه الإيجار ويتعهد العم بأن يدفع الغرامة والإيجار عن قريب في الوقت الذي يتشاجر الأب مع السائق، ” آيدين ” لا يتدخل في ما يدور كأن الأمر لا يعنيه، وحين يتوسله العم يكشف عن صلابة مشاعره وان عليه أن لا يقدم الاعتذار بل أن يتفاهم مع السائق بشأن الغرامة ما يكشف لنا أنه يتعامل مع الآخرين بتعالٍ، نكتشف أيضاً إن الأزمة التي تمر بها أخته “نجلاء” وهي مطلقة، لاتهمه، فقط يسألها عن مقالاته فلا تبدي اهتماماً يرضيه، زوجته ” نيهال ” تحاول أن تشغل نفسها باشتراكها بجمعية لمساعدة الفقراء عن طريق جمع التبرعات، غير انه يتدخل أيضاً ويشكك بالمجموعة التي تشتغل معهم ويطلب منها أن يتابع هو عملها، إلا إنها تضجر من ذلك وتتهمه بالحقد والتشكيك بالآخرين وإنها قد خسرت حياتها حين ربطت مصيرها به، فيقرر السفر إلى اسطنبول لمدة ليمنحها حرية أوسع ويكسب رضاها بالتبرع إلى جمعيتها بمبلغ كبير، لكن بدل أن يسافر يختبئ في بيت أحد الأصدقاء، تحاول نهيال أن تعوض أسرة الطفل عن الضرر الذي أصابهم من زوجها فتدفع لعم الطفل مبلغاً كبيراً ليعالجوا فقرهم، إلا أن الأخ إسماعيل يحضر وفي نوبة من الألم والغضب والحماقة يأخذ المبلغ ويلقي به في النار، وفي الوقت نفسه يتناول “ايدين” شراباً في بيت صديقه مع شخص ثالث ويسكر الجميع ليكشف كل منهم للآخر عن أفكاره التي يفسرها الآخر انها توبيخ أو نقد له فيصاب الثلاثة بالإرهاق ليبيتوا عند صديقهم، وفي الصباح يقرر ” ايدين ” العودة إلى زوجته بدلاً من السفر ويطلب منها أن يعيشا بسلام مثلما ارتبطا أول العمر وانه لن يتدخل بشؤونها على أن تبقى بجانبه، ينتهي الفيلم وهو يبدأ بمشروعه عبر تأليف كتاب عن تاريخ المسرح التركي.

المعالجة
تمكن جيلان وهو المصور البارع في توظيف الطبيعة وإدراكه للعلاقات الإنسانية ليقدم لنا شريحة فيلمية تمثل صوراً ساحرة لطبيعة القرية ولشتائها الأبيض المليء بالثلوج وبرودة العلاقات الإنسانية، فقد أغنت الفيلم بلقطات بانورامية عامة طويلة ومن ارتفاعات مناسبة، كما تمكن وهو كاتب الفيلم أن يصوغ حوارات جدلية عن الحياة والمجتمع أدارها البطل مع شقيقته وزوجته و أصدقائه ليتركنا نستنتج ما نراه من دون حكم مسبق، وبقدر ما كانت حوارات طويلة إلا إنها كانت مقنعة لم تسمح للملل أن يتسرب الى المشاهد، وقد جسد جيلان ذلك البرود في العلاقات عبر تصوير ذلك السكون وعدم التفاعل والتصحر في حميمية العلاقات في بيت آيدين بينه وبين زوجته وشقيقته، كما نجح التصوير المتقن للأجساد في حركتها البطيئة، وللوجوه في تفاصيلها المتعبة، وقد نجح الممثلون بتجسيد تلك الشخصيات بكل صدق ودقة وكانت سبباً مهماً في نجاح الفيلم، ما قدمه جيلان في فيلم “السبات الشتوي” هو ذلك الاختلاف المختبئ خلف واقعاً معاشاً بنحو إجباري تفرضه الضغوطات الاقتصادية والبيئية حيث يتم التجاهل للعلاقات الإنسانية، وقد أمسك المخرج بروح الموضوع وإيقاع الفيلم بالرغم من طول زمنه وصنع لوحات فنية للعلاقات الإنسانية وللطبيعة الموحشة على الرغم من جمالية تشكيلها.

* فيلم ” Winter Sleep”، تمثيل: هالوك بلجينر، ميليسا سوزن، تأليف وإخراج: نوري بلجي جيلان.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة