أنا وعبد الحسين فرج

حسين علي يونس

عبد الحسين فرج الذي خرج من السجن بعد خمس عشرة سنة، كان يحلم بعراق مزهر تسوده العدالة وبزمن من الذهب سوف يعيد بريقه كما سلف في الأيام الخوالي عندما كان في العدم أو وهو يسبح في بطن أمه تغلفه مشيمة رائعة، لكن السالف من الأيام، لم يكن ليأتي أبداً كان ثمة عواصف وحيوات مترنحة في الماضي والمستقبل وفي جوف اللانهاية ذلك كان يسحن روحه الرقيقة.
وجدته ظهر ذلك اليوم وهو يشغل مزراب عينيه اللؤلؤية باحثاً عن عمل وظن انه وجده، كان السيد رئيس الوزراء مسؤوله الحزبي يوم ضمه إلى صفوف الحزب الذي كسر ظهره طوال هذه السنين، عندما دخل في مقر مسؤول خليته السابق استقبله الحراس بنوع من عنجهية غير مسبوق كان يبدو آت من كوكب آخر ذكره بفيلم ستانلي كوبريك (أوديسة الفضاء)، حيث كل شيء هناك مختلفاً حقاً، لكن ما أدهشه تلك النسوة ذوات المؤخرات الثقيلة والعريضة التي عملت في مكتب السيد رئيس الوزراء وكن سكرتيرات رائعات حقاً.
– أهلاً عزيزنا عبد الحسين
أطلق السيد رئيس الوزراء هذه الجملة حالما رأى، عبد الحسين بعد كل تلك السنوات العجاف حين شاهده يمرق عبر ممر طويل، اعتقد انه سيدوم إلى الأبد.
-هبياض
قال عبد الحسين
– كلشي ماكو على الحديدة والعمر خلص
اعتقد عبد الحسين انه بهذه الجملة التلقائية سيختصر الأمور كما انه حاول أن يقرب ذلك الماضي الذي لم يكن سحيقاً.
لكن السيد رئيس الوزراء، لم تعجبه هذه الجملة الجلفية التي عول على مثيلاتها حينما كان يتقرب إلى الناس من أجل ضمهم إلى حزبه، الحزب الذي كسر ظهورهم، كان جاداً ورزناً إلى درجة الكارثة حتى فيما لا يستدعي ذلك، اعتقد عبد الحسين أن السيد رئيس الوزراء سيعينه في حمايته أو في مكتبه فهو لطالما عده ابناً له، لكن الرجل بدا حاداً أدخله إلى صالة طويلة عريضة، عبارة عن مطبخ على الطراز الأوروبي. امتدت أمامه لخمسين متراً تلك المائدة العامرة وأمره أن يتناول ما يشاء منها.
كان منظر الأكل غريباً، لم يره في حياته كلها، وتوقف أمام صنف غريب أخبره الرئيس
إن هذا لحم، لكن عبد الحسين لم يكن متأكداً.
طلب وظيفة كان يعتقد انه سيحصل عليها وأنها ممكنة، لكن السيد رئيس الوزراء اعتذر عن تقديم أي شيء من ذلك.
ولم يكلف نفسه ولو بتقديم مبلغ ضئيل من أجل تلك الأيام السوالف عندما كانا يقتسمان رغيفاً واحداً من الخبز ويتحدثان عن الظلم والعدالة التي لم تكن.
لكن الزمن تغير وما حصل كان تبادل الأدوار لكن مسؤوله الحزبي السابق، أسمعه قصيدة مثلما كان صدام يريد أن يكون روائياً.
لقد تغير الشخوص لكن العدالة لم تكن من جوهر هذا العالم.
– الظلم مازال فعالاً ورافعاً قرنيه
قال عبد الحسين هذه الجملة داخل روحه المعطوبة وصرخ بها (عبد الحسين) الذي اعتقد انه كان يناضل من أجل مستقبل تسوده العدالة، وانه سيجني ثمن تضحياته، لكن السيد رئيس الوزراء أخبره بما لا يدع مجالاً لشك، انه كان يناضل في سبيل القوة الميتافيزيقية، كان ذلك بالطبع ضربة شرسة لهذا المناضل الذي دحرج سنوات شبابه في حفرة وأهال عليها التراب.
بعد نصف ساعة كان في حجرة التواليت يمسح دموعه على تلك السنوات الضائعة، كان من الواضح ان السيد رئيس الوزراء ناضل من أجل الأموال الطائلة والمؤخرات بالغة القوة والجمال، وان عزيزنا عبد الحسين فرج ناضل من أجل اللاشيء.
وختم تقريره بهذه الجملة المريرة
(السيد أسمعه خطبة رائعة، كان يتحدث بنحو رائع، لكن أفكاره كانت بالغة الرداءة)

فصل الطائرات
– أخيراً هبطت الطائرات المريشة طائرات النقل الثلاث.
قال السيد وزير النقل أبو رأس، كان ذلك يستدعي احتفالات وطنية لا تنتهي من منشأ ممتاز، جلب السيد الوزير تلك الطائرات العجيبة التي دفع مقابلها جبالاً من الذهب. دم وعرق جبين الناس المساكين دفع لتك الدولة التي صدرت لنا هذه “الحدايد”، أو ماكنة السفر البراقة مثلما كان يقول السيد وزير النقل الذي كان قد فرغ لتوه من قراءة روايته المفضلة آلة الزمن.
الشعب برمته خرج من خرائبه المتداعية التي كانت تنام في قلب الريح ليمتع نظره بمرأى تلك الطائرات المريشة، أبو رأس لم ينم تلك الليلة، أمضى يومه وهو يقيس عرض المطار وطوله وكنس بيديه الخشنتين بعض أركانه. الفرحة عمت أركان الدولة حتى أن السيد وزير الدفاع، ترك شغله بإدارة الجيش لصالح زيارة مهدي عتبات مزار الجخماني، ليتولى قيادة الجيش من اجل مطاردة الأوغاد الذين كانوا يبطشون بالناس بحثاً عن غداء مع الرسول بالقنابل الفسفورية وبالأحزمة الناسفة التي كانت تأتيهم من البلدان المجاورة. “الحدايد” الثلاث جرت البلاد إلى الكارثة السيد رئيس الجمهورية لم يكن يعرف كيف حدث هذا. السيد رئيس الوزراء كان يغط بالنوم وشخيره يجيب التايه، كان متعباً بمحاربة البارات والنوادي الليلية، والسيد وزير النقل كان مأخوذاً بإنجازه الفريد من نوعه. فبدلاً من عربات النقل القديمة التي أكل الدهر عليها وشرب، من مثل دك النجف وسفن الصحراء وهلم جرا، كان يتأمل طائرات الوطن التي اشتراها بزبالة الدولارات، ولأجل ذلك جمع كل خراف الوطن وذبحها بملحمة، لم يكن يعوزها التراجيديا منذ بدء القرون، من أجل صفائح تلك الطائرات المريشة ولم يكتف بذلك، إذ لطخ يديه بدم خراف نحرت نحر الأبد وبدم بارد مئات الآلاف منها، جلبت الى المطار كان هنالك آلاف الذباحين عملوا ليلاً نهاراً، من أجل خدمة الوطن. كانت ليلة مباركة لا تنسى، حتى أن السيد الوزير من فرط سعادته لم يحس، بحجم الكارثة التي خلفها للوطن، لقد أسهم بتدمير ثروة الوطن الحيوانية، على ثلاث حدايد معطوبة. وعندما أراد السيد رئيس الوزراء، أن يقيم وليمة لأحد ضيوفه لم يجد خروفاً واحداً ليذبحه، عندها أرسل رسالة إلى السيد وزير الزراعة ليسأله عن حقيقة أزمة الخراف التي عصفت بالبلد، لكن السيد وزير الزراعة لم يكن لديه الشجاعة ليخبره بحقيقة ما حصل لذا اتهم البلدان المجاورة بافتعال تلك الأزمة، في محاولة يائسة لتدمير الشعب.
وسرعان ما انتشرت تلك الفضيحة الخارقة للعادة، وعمت العالم كله. السيدة كاترين دينوف العجوز الجميلة اعترضت بشدة على حكومة بلدها لبيعها تلك “الحدايد” المريشة، التي أدت إلى الكارثة.
وجاءت عناوين الصحف الكبرى حادة في الواشنطن بوست والفيكارو وديرشبيغل واللومانتيه.
(انقراض الخراف في بلاد الرافدين)، و(حماقة وزير تطيح بثروة بلد)، و(ثلاث حدايد تطيح بالثروة الحيوانية فيما بين النهرين) (القاتل يدحرج ثروة بلاده بدم بارد إلى الدمار).
وأبرزت صور أيدي وزير النقل الملطخة بالدم وبصمات أصابعه على جسد تلك الحدايد، كذلك بكت كيت ونسلت الرقيقة كدمعة أبدية، بكت بمرارة حزناً على تلك الخراف الذهبية التي أرسلتها يد الجزار إلى العدم. وكالات الأنباء العالمية لم يغمض لها جفن مثل كل مرة، لأن الكارثة كانت كبيرة، ستيفن سبلبيرغ وترنتوري الذي كتب كل هذه المدونات وسكورسيزيزي فكروا أن يصنعوا فيلماً عن هذه القضية غير الاعتيادية.
الاتحاد الأوروبي على الرغم من مشاغله بعملية ترقيع برامجه، وتخبطه ومعاناته التي لا تنتهي جراء انهياره تحت وطأة التناقضات احتج بدوره، وأرسل مذكرة احتجاج شديدة اللهجة الى رئيس الحكومة الذي كان واقعاً في حيص بيص، هل سيطعم ضيفه الفلافل لقد حلت الكارثة أخيراً، وثمة شعب على شفير الهاوية يجب إطعامه، فيه من اختص بالنبش في القمامة، في وقت يمشي على أرض من الذهب والاخوة الشركاء في ادارة الحكم منشغلين ببناء الجوامع والمزيد من الجوامع في وقت ينام الناس في العراء والخرائب، والمدارس تتهاوى على رؤوس أبنائنا.

*تنشر صفحة “نصوص الثلاثاء” بالتتابع فصول الرواية الجديدة للكاتب التي ستطبع قريباً تحت عنوان “مهد الأبدية”، إذ وضع في مقدّمتها المؤلف بأنّها “رواية ذات رأسين” وأهداها إلى “الهامش الحيّ”، وثبت هذه الملاحظة: “جميع شخصيات الرواية من نسيج الخيال وإذا حدث أي تشابه مع أي اسم لشخص في الواقع فهذا بفعل المصادفة لا أكثر”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة