عندما يباع العَلم

في طريقي الى عملي شاهدته وهو ينوء تحت ثقل حمله.. شاب يبدو عليه إنه معدم، كمعظم الباعة المنتشرين على الارصفة يبيعون العلكة و السكائر وكارتات الموبايل واموراً اخرى كثيرة مما يعينهم في قوت يومهم. أما هذا الشاب، فاختار أن يبيع علم العراق، ولاأعلم إن كان العلم يصلح ليكون مادة للتجارة! نظرت الى ألوانه التي تغنّينا بها في طفولتنا، فهل مازالت وقائعنا سود و مرابعنا خضر ومواضينا حمر وصنائعنا بيض؟ نعم.. مازالت ألوان العلم كما هي، لكن المعاني تغيرت كثيرا، أجدبت مرابعنا وتشبعت بالدماء ولم ترتوِ، وساد الأسود على بقية الألوان حتى صار الأهم في الاسواق. أما صنائعنا ووقائعنا فالى من ستنسب؟ فالكل يقاتل، ولكل مقاتل سبب ووجهة، ولكل محافظة لون وهوية، حتى (تاهت) ولم نعد نميز بين القاتل والضحية، المناضل والمتآمر. ربما على الشاعر صفي الدين الحلي، لو كان حياً، أن يعيد النظر في ترتيب عجلة الألوان وفقا لأهواء عشرات الاحزاب والفصائل والميليشيات ومئات السياسيين.
وأنا أنظر الى العلم، عادت بي الذاكرة الى أيام شبيهة بهذه، عندما أُنزلوه بنجماته الثلاث، مكبلا بجرم لم يرتكبه، وأصبح سبباً لمعضلة دارت حولها النقاشات واختلفت الآراء، فقد كان (القائد الضرورة) من الذكاء ليترك كلمة (الله أكبر) شوكة في عين من يتجرأ على تغيير العلم، وبما إن الدولة في حالة ولادة ويجب أن ترتدي كل ماهو جديد، كان يجب قطع كل الصلات التي تربطها برحم الماضي. وانتقلت مشكلة العلم المستعصية لتطرح على مكاتب مجلس الحكم وتنافس الدستور في اهميتها، فكيف ستحل مشكلة يريد فيها الاكراد والعرب والسنة والشيعة والتركمان والمسيح تمثيلهم في العلم، وان يكون فيه مايدل على وجودهم ومشاركتهم في اقتسام الحكم. وكأحزاب ترفع الاسلام شعارا، ولا يجوز لها المساس ب(الله أكبر)، وبعد سنوات طويلة وتصاميم عديدة، اكتفى الجميع بحذف نجماته الثلاث ليقنعوا أنفسهم إنهم إستطاعوا تحدي (الريس) بشئ ما وهذا (أضعف الإيمان)، لكنهم لم يحسبوا حسابا ليوم يصبح فيه هذا العلم مصدراً للرزق، وتتعاظم أهميته فقط في أوقات مباريات كرة القدم ليكون مادة مناسبة لكسب الرزق.
شهدت الدولة الجديدة تغيرات كثيرة، بعضها ايجابي واغلبها سلبي، وشهدت الجاهلية بيع الآلهة في الاسواق، كما نشاهد في الافلام العربية القديمة، ولأول مرة نشهد بيع العلم على الارصفة، فكم مرة يباع علمنا يومياً، ام إن أهمية العلم تتضاءل أمام بيع الوطن؟ أم يكفيه فخراً إنه أصبح سببا لإطعام عائلة تنتظر بائع الرصيف ليعود حاملا لقمة ملفوفة بعلم لم يستطع (تصريفه)؟
برغم إن هذا العلم الذي تشهق الروح لمرآه، ماعاد عملة نادرة، الا انه من غطى أجساد الاف الضحايا في زمن النظام السابق، وهو الذي يلف الآن إخوتهم.
بشرى الهلالي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة