الأخبار العاجلة

تأملات طائفية

يدرك الشعب العراقي بشكل غريزي إنه شعب غير طائفي؛ هذا الإدراك الشعبي ناتج عن معايير اجتماعية طويلة الأمد بحيث أنها شكلت ما يشبه الرسوخ في طبيعة المجتمع العراقي المعروف حاليا. بيد أن الجرثومة الطائفية كامنة في جسد هذا المجتمع، وخصوصا في مرافق الدولة العليا وأجهزة المخابرات العالمية التي تهتم بالعراق وتطوره بطرق سلبية تحد في الوقت المحدد من تطور ونضوج هذا البلد العريق الذي يهم العالم بأسره اقتصاديا وحضاريا وسياسيا. العراق دولة مركزية بالشرق الأوسط ويجب السيطرة على جميع المجريات الخطيرة التي تحصل فيه من ثورات وتحولات ضمن دينامكية التطورات الاجتماعية الداخلية بالدرجة الأولى.
هذه الورقة «الجرثومة» نائمة بالجسد الاجتماعي العراقي المتعدد الطوائف والمذاهب والأديان والإثنيات والقوميات. من يمتلك التلاعب بهذه الورقة هم اللاعبون الكبار. اللاعبون الكبار هم كما يظن البعض الحكومات العراقية، بيد أن الحقيقية التي لا تقبل الشك هي أجهزة مخابرات الدول الكبرى ذات المصلحة القوية الثابتة في العراق. وهي بالتحديد المخابرات البريطانية والمخابرات الفرنسية ووريثتها الولايات المتحدة الأميركية التي أدارت مجزرة شباط 1963 واستحوذت على العراق وجعلته بفضل حكامه العملاء إلى مستعمرة مستترة يقودها سياسيون عراقيون متخاذلون وخائنون للوطن جاءوا للسلطة بمساعدة أميريكة واضحة للعيان واعترف حينها البعثيون ذاتهم بحقيقتها.
لم يلعب الديكتاتور الجاهل لعبة الطائفية بالمجتمع العراقي لأن الوقت لم يسمح له بذلك، ولم تستدع الظروف للعب هذه الورقة الخطيرة. وعمد صدام إلى فكرة صهر المجتمع العراقي في سبيكة واحدة يوحدها الجيش والقوات المسلحة. هي فكرة هتلرية وستالينية وليست فكرة مبتكرة. وبالفعل وزّع صدام ظلمه على الجميع، فقتل وزير الدفاع ابن خاله العسكري المخضرم عدنان خير الله ومشى في جنازته، ومن ثم قتل بأبشع الطرق الدكتور راجي التكرتي وقتل اللواء الطيار محمد مظلوم الدليمي، والقائمة تطول، ذلك بعد تصفيات القيادات العليا لحزب البعث. هذا لم يمنع رجل سلطة مأفون من الصف الثالث من أمثال عزة الدوري من القول في خضّم الحرب العراقية الإيرانية من التصريح العلني: «نهد كلابهم عليهم»، أي هو يعد الجيش العراقي جسم شيعي يحارب شيعة إيران مثلما تتقاتل الكلاب مع بعضها. لم يتسن الوقت الكافي لصدام للعب الورقة الطائفية كما يلعبها أتباعه اليوم من «أبو بكر البغدادي» وتنظيم القاعدة لأنه كان مسيطرا ومتحكما بمقاليد الأمور. اليوم نشهد أتباع صدام المقبور وهم يلعبون في هذا الملعب الخطير بغير دراية ولا فهم. إنهم مجرد أدوات رخيصة ومستهلكة تلعب بهم دول الجوار للحصول على أموال وثروات العراق مقابل عضمة الكلب التي يرميها السيد للعبد. الطائفية موجودة بالعراق لكن الذي يؤجج نارها سوف يحترق بها حتما.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة