اعادة صياغة الادراك المكاني

كأننا نعيش ايام الحروب التقليدية سواء الحروب الصليبية او حروب البربر وصد هجماتها ، العالم يعاد تشكيله من جديد على وفق ادراكات مكانية ، يتم الاستفادة منها بطريقة او باخرى ، في محاولات واضحة للتمدد والتوسع وصنع مساحات نفوذ جديدة ، موجة الربيع العربي سهلت تنفيذ هذا النوع من السياسات التوسعية وليس فقط على اطراف الحدود التقليدية المعروفة بحدود سايكس وبيكو بل على اطراف المدن داخل البلد الواحد ، ويبدو ان كل القوى في العالم والمنطقة العربية والاسلامية تعيد هذه الايام ادراكها لامكانية مد نفوذها خارج حدودها لمواجهة قوى ودول اخرى تشاركها في نفوذ في بلد معين عبر نمط ثقافي او عشائري او مصلحي ، ويفكر الاميركيون ببناء جماعات سياسية واقتصادية واعلامية في المنطقة لترويج الرؤية الاميركية مما سيستتبع ذلك صناعة نمط ثقافي يقبل بالتدخل الاميركي الذي من المؤكد بأنه سيصنع نفوذاً عسكرياً واستخباراتياً تستفيد منه اميركا لتنمية وجود مقبول من الشعب باجمعه او خضوع هذا الشعب لرغبة امريكية قد تتفق مع التوجهات الشعبية الطامحة للتحرر من قوة متضرر منها هذا الشعب ، حكومات المنطقة هي ايضاً تلعب لعبتها في توجيه ادراكاتها لاهمية المكان ، فتستقطب المجموعات الاجتماعية المتفقة معها مذهبياً وفكرياً ولربما عشائرياً ، لترسم خارطة تدخلاتها المستقبلية على امل استفادتها من المكان الذي تمد تدخلها له كورقة ضغط لتدخل في لعبة التفاوضات الاقليمية او الدولية ، هذا الحال ينطبق على كلا من تركيا وايران فهما قوتان تتنافسان على مساحات واسعة في المنطقة، الا ان ايران تبدو اكثر قوة من تركيا لاسباب كثيرة منها مقبوليتها عند شركائها المذهبيين وتمتعها بثروات كالنفط تغطي حاجتها من السيولة المطلوبة للحركة داخل المجتمعات كما انها تمتلك برنامجاً نووياً سلمياً تناور في مفاوضاته بشكل مثالي يكسبها القوة والوقت والاقتراب اكثر من الاميركيين والاوروبيين لفهم توجهاتهم ، برغم ان تركيا تمتلك اسلوب تفكير جذاب اقنعت به بعض المنسجمين معها في الساحة العربية والاسلامية كما يعبر احمد داود اوغلو في كتابه (العمق الاستراتيجي) الذي يعطي فيه رؤية مستوعبة لاهمية ادراك المكان وتوظيفه في السياسات الخارجية ، وفي ظل هذه اللعبة التي تعيد طريقة الحروب القديمة في السيطرة على المكان بوصفه مركز قوة يبرز دور المجموعات الارهابية التي تجيد هذا النوع من الحروب لذلك نرى تنظيم داعش يرسل رسائل واضحة لاهمية سيطرته على مناطق سنية ويعدها حقاً له لادارتها وهذا التفكير ينسجم مع اعادة صياغة الادراك المكاني ، وهذا النوع من الاستراتيجيات الحربية والتدخلات الخارجية يجعل مهمة التكنولوجيا صعبة ولا تحسم المعارك ميدانيا بنحو سريع.
د.محمد نعناع

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة