الأخبار العاجلة

الرحيل إلى المعنى

رحيل الفنان خليل شوقي يستفزُ الروح كثيراً، ليس لأنه رحلَ بغتةً في منفاه، أو لأن أجيال ما بعد المحنة لم تره، ولم تتعلم من عفوية وعيه ودرسه الدرامي مناهل ما كان يغدقُ، بقدر ما يعني لنا هذا الرحيل غياباً للذاكرة وشهودها وردماً لثقوبها ومحواً لأثرها..
كنّا صغاراً ومهووسين بالمسرح، وكان الذهاب إلى العروض المسرحية لفرقة الفن الحديث يعني الكثير لطفولتنا ولوعينا المبكر بالأدب والسياسة، فضلاً عن ما يعني من إحساس بالكبرياء الثقافي الذي عادة ما يتلبّس الأدباء الشباب، وأحسب أن مشاهدة خليل شوقي على المسرح تحمل معها هاجس الوقوف أمام فنان ومعلم كبير، مثلما تحفزنا واقعيته وعفويته في التمثيل والإخراج على إدراك أهمية صناعة الرسالة الثقافية، بمواجهة الجمهور، أو بالتعلّم والتدرّب للتمكّن من أدائها بموضوعية ومسؤولية ومهنية، فكنّا نجد أنفسنا أكثر امتلاء وإحساساً بأهمية شحن هذا الوعي بالمعنى الواقعي للأشياء الممسرحة، بدءاً من ماهو شعري إلى ماهو سياسي وأيديولوجي، لاسيما ونحن كنّا من أصحاب الأحلام التطهيرية، تلك التي شحنتنا بها قراءاتنا المفرطة للأدب الماركسي وللواقعيات الروسية والفرنسية واللاتينية..
خليل شوقي وجه ساطع من جيل ملأ المخيلة الثقافية بأسئلة كثيرة، جعلتنا ننحاز الى المسرح في مستوياته الواقعية وحتى التجريبية، وإذا كان مع يوسف العاني وابراهيم جلال وجعفر السعدي وزينب وناهدة الرماح وقاسم محمد وغيرهم يمثلون المرحلة (الوردية) لثقافوية المسرح العراقي، فإنهم كانوا أيضاً الأكثر جدّة في فهم وظيفة المسرح في صناعة رأي عام ثقافي، ووعي اجتماعي فاعل، ورسالة مواجهة مع مظاهر التخلف والاستبداد، مثلما كان لهم الحضور المميز في تأصيل أخلاقية تلك الرسالة، ولتنمية التقاليد المهنية في صناعة الممثل والنص والمشهد..
وحتى في أدواره المميزة في الدراما التلفزيونية والسينمائية كان مثالاً للمعلم، وللبطل الذي لا يؤمن بمقولة الدور الكبير والدور الصغير، قدر إيمانه بوجود الممثل الكبير والممثل الصغير.. هذا الإحساس والحضور يجعلنا دائماً ندرك أهمية أن يكون الممثل مشبعاً بدوره، وأن يسهم المشهد التمثيلي- الذي يؤديه- في صناعة الوجدان والذائقة والوعي، ولا أحسب أن مسلسلين رائدين مثل «الذئب وعيون المدينة» و»النسر وعيون المدينة»، إلا مثالين لمهارة خليل شوقي في صناعة المشهد، وفي صناعة الشخصية وفي التعاطي مع ذاكرة المدينة، إذ تنطوي هذه الصناعة على قدرة عالية من المهارة والوعي من جانب، وحرص مسؤول على الأداء وعلى الحرفية، وعلى تمثل جميع الدروس التي تعلّمها لتكون مصدره في التألق والإضافة والحيوية..
صورة خليل شوقي في الذاكرة المستفزَة تعيدنا أيضاً الى شخصية المثقف المديني، وطبيعة دوره الاجتماعي والسياسي في إنضاج محتوى الرسالة الثقافية، وقناتها وقراءة مزاج جمهورها المستهدف.. ولعل هذه الخصوصية أضفت على حضوره وجاهة كبيرة، جعلته أنموذجاً للمثقف العارف، والمثقف المؤمن بالمسؤولية التربوية والأخلاقية للرسالة الثقافية التي يقدمها الممثل، والفن بنحو عام، فهو جزء من جيلٍ علمونا أن الفن جمال وأخلاق وإيمان، إذ ملأوا نفوسنا بعمق ما تركوه من أثرٍ طيب وفاعل، ومن قيمة مازالت تشفع لنا في لحظتنا المعاصرة ونحن نواجه خراباً وإرهاباً ورعباً وتكفيراً مسّ كل شجون حياتنا ووعينا ورؤيتنا المخنوقة للجمال والفكر والمعرفة…
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة