الأخبار العاجلة

في ذكرى التغيير: دروس واسئلة

سلام مكي *

برغم كل الكوارث والمحن التي مني العراق بها بعد سقوط النظام في 2003، مازال بعض المثقفين العراقيين منشغلين بإثبات ان ما جرى هو تحرير والبعض الآخر يحاول اثبات انه احتلال! ما نفع القول بأن انهيار دولة بأكملها واستمرارها بدفع ثمن باهظ منذ اكثر من عقد لأجل التخلص من هم كبير وهو الحاكم الطاغية. ثم ان التوصيف القانوني لما جرى هو احتلال دولة لأخرى، كون العمل العسكري الذي ادى الى سقوط النظام هو خارج سياقات المنظمة الدولية. كلا الامرين نابعان من قناعات قائمة على اسس عاطفية او انفعالية. ثم ان التسمية لا تهم ازاء ما جرى، وبدلا من الانهماك في اثبات ان ما جرى احتلال او تحرير، يجب القيام بما هو اهم واعمق من الالفاظ. في هذه الايام، تم انهاء دولة بأكملها، والبدء من الصفر. فكان الاولى على المثقفين والجمهور اعادة قراءة ما جرى، وعمل دراسات وبحوث واستطلاعات للرأي العام، لمعرفة الموقف الشعبي ازاء السلطة التي تشكلت على انقاض الدكتاتورية. على المواطن نفسه ان يعيد تقييم الاحزاب التي هبطت فجأة على سمائه، وتحولت من كيانات مطاردة، الى آمرة ناهية، تتحكم بمقدرات البلد بأكمله. على المواطن ان يستذكر الشعارات التي رفعتها تلك الاحزاب في الايام الاولى لسقوط النظام، وما جرى بعدها. على المواطن ان يدرس تلك الاحزاب، ويستخلص المشروع الحقيقي الذي جاءت من اجله، وليس المشروع المثبت داخل البوسترات وما يقال على السنة المسؤولين. على المواطن ان يبحث عن الوطن في فكر الاحزاب المتنفذة، وفي تطبيقها على ارض الواقع. ما يحتاجه الوطن هو رجل دولة، بغض النظر عن انتمائه وخلفيته المذهبية او الدينية. المواطن يحتاج الى ضامن لحقوقه السياسية والاجتماعية والمدنية. ولا يحتاج الى ضامن لعواطفه الدينية والطائفية، لا يحتاج الى من يعزف على وتره الديني. اذا لم يستغل المواطن فرصة الانتخابات للتغيير واختيار الاصلح، فربما تكون مناسبة التغيير فرصة اخرى، لمراجعة نفسه، ومراجعة حساباته ومواقفه ازاء السلطة بكل تشكيلاتها. ما يمر به العراق اليوم هو خراب بكل المقاييس، فبعد 12 سنة على سقوط الدكتاتورية، وبزوغ شمس الحرية، مازال البلد متخلفاً في كل شيء. والمشكلات التي يعاني منها في اليوم الاول للسقوط، تضاعفت بدرجة كبيرة، بل ظهرت مشكلات آخر، ولا احد من السياسيين استطاع طوال تلك المدة ان يجد حلا لها. حتى لو اضطر الى التعاقد مع خبراء في حل المشكلات المتمثلة بالامن والفساد وغيرها. كان يمكن استغلال الخبرات الدولية في مكافحة الارهاب، ويمكن استقطاب شركات متخصصة في مكافحة الفساد، بدلا من استحداث اجهزة حكومية فاشلة تكلف الدولة ملايين الدنانير سنوياً من دون ان تقدم اي فائدة تذكر. ما يمكن ان يتوصل اليه اي انسان بسيط، لو قرر مراجعة الاحداث التي مرت خلال السنين ال12 الماضية لأكتشف بسهولة ان مشروع الاحزاب الحالية المتنفذة في الدولة هو مشروع فردي فئوي، قائم على مصالح آنية، بعيدة كل البعد عن الوطن. الاحزاب العراقية، حولت فرصة بناء الدولة بعد التغيير لصالح احزابها، فهي لم تبن الدولة بل بنت احزابها، ورممت الخراب الذي ورثته في الحقبة الماضية ولكن على حساب خراب الوطن طبعاً. تلك الاحزاب والكتل السياسية، برغم انكشاف نواياها ومشاريعها امام الشعب منذ انتهاء اول دورة انتخابية، بقيت تحظى بثقة جمهورها!! وبقي المواطن العراقي ينتخب الكتل ذاتها الذي يعرف جيداً، انها لم تأت لأجله ولا لأجل وطنه! ولابد ان الكل متفق على ان ما يجري داخل البلد هو الخراب بعينه. وهذا الخراب له مسببات، فهل يتجرأ احد، ويقول للمتسبب: قف؟ هل من يقول للناس، انتخبوا الاصلح لكم؟ هل يتجرأ الناس وأن يتخلوا عن عواطفهم ويتحرروا من قيود الطائفة والقومية الى رحاب الوطنية الفسيح؟ من حق المواطن العراقي ان يحظى بوزير كفوء جاءت به خبرته ومهنيته لا حزبه وطائفته! على الشعب العراقي ان كان واعياً فعلا ان يفرز الجيد من الرديء وان يفكر منذ الان في اختيار من يمثله في السلطة، ذلك ان التضحيات التي مازال يقدمها منذ سقوط النظام والى اليوم، لابد ان تثمر حياة كريمة له، بدلا من البقاء على قيد الموت اليومي والفساد الذي سرق منه قوته وحلمه. في ذكرى التغيير علينا ان نتعلم العبر والدروس منه وان يكون نقطة تحول في فهم النظام الذي جاء به هذا التغيير. وبما ان الشعب هو مصدر السلطات، فعلى الشعب ان يكون سبباً في تقدم وازدهار الوطن لا خرابه. على الشعب ان ينتج حكومة مؤسسات لا حكومة احزاب. المشكلة ان الارهاب اصبح ثقافة والفساد ثقافة، وغياب القانون والانتقائية في تطبيقه ثقافة، كل شيء اصبح ثقافة خصوصاً الظواهر السلبية، ولكن: هناك امور ايجابية او مسؤول يظهر تفانياً في عمله، يصبح اعجوبة للعراقيين، وبالتالي يتحول الى ظاهرة شاذة عن المألوف والسائد. علينا ان نسعى جاهدين لأن يكون الفساد امراً فردياً، شاذاً، لا فعلا جماعيا.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة