تداعيات الوجع العراقي في «ضفاف الجسد المهمل»

إياد خضير

صدرت عن دار الجواهري مجموعة قصص للقاص حسين السلمان في 140 صفحة من القطع المتوسط، قصص تحمل في طياتها الأحداث المريرة التي عاشها الكاتب، لها مدلولات للأوضاع والصراعات التي عاشها العراق، إذ نتلمس بوضوح سريان روح وأشكال ولغة الفنون الأخرى، كالسينما والرسم والشعر، ونجد وحدة التركيب البنائي لشتى هذه العناصر والتأثيرات المتداخلة بوحدة الطريقة السردية ووحدة الموضوع منسجمة بينها وأصبحت كتلة واحدة فائقة الحساسية لحركة العصر..
ينقل لنا صورة جميلة عن مدينته الناصرية وعشقه لها والمرارة التي عاشها برحيله عنها، الناصرية هي ابنة الصخب، أي إنها مرتبطة بوجدٍ شديد وعاطفة جياشة، إذ احتوى ذكرى حبه لهذه المدينة انصهار الذات للقاص بالمكان عبر اللقطات المعبر عنها بطريقة قائمة على التماهي، وهذا ما يضفي على القصة بعداً درامياً يعززه العنوان “ضفاف الجسد المهمل”، ومن هنا فأن قصة (أحبك) هي حنين لفقدٍ ما في الأقل هو حنين إلى ذكريات قديمة باتت العودة إليها بفعل الزمن مستحيلة؛ لأنها لم تعد إلا ذكريات، والذكريات تعيش في مخيلة القاص حسين السلمان ولا تحدث إلا أسى على زمن جميل مضى.
“كل مدن بلادي معشوقات، إلا الناصرية فهي سلطان العشق، فآلهة سومر خلقوا أور كي تلد الناصرية، إنها مدينة تنشر سلطانها على وجوه ناسها، مدينة تأخذك دوماً برقة شاعر، إلى الحب، إلى العشق، تمنحك الغرام بأبهى صوره.. إلخ” ص7
القاص حسين السلمان يناجي الناصرية وينقل لنا صورة معبرة عن معاناتها، مدينة تأخذ الأحزان والعذاب والألم وتعطيك، تمنحك كل شيء جميل، إنها تشبه الأم الحنون، مدينة العشق والجمال، تغفو على نهر الفرات يمشط شعرها بأمواجه، فهي مدينة لها جذور عميقة في التاريخ، تمنحها زقورة أور الأصالة والتراث.
حمل السرد طاقة إيحائية تذكرك بأشياء جميلة وحزينة.. ذكرتني عندما تشتد الحالة النفسية بي اذهب إلى نهر الفرات ألقمه حجراً أشاهد دوائره الصغيرة تكبر وتكبر وتتلاشى ذاهبةً بآلامي وأحزاني فتزيل كربي، عجباً لهذا النهر تلقمه حجراً تعتدي عليه وبالمقابل يزيل عنك الهموم ويريحك، فما حال المدينة وهذا نهرها الكريم..
“هناك مدن تتفاعل بثرواتها.. مدن تسمو بتاريخها.. مدن تتآلف بثقافتها.. مدن تعشق جنونها.. الناصرية تألفت وجمعت هذا كله، مضافاً إنها العنقاء في مدن النسيان، فالموت يمازحها بعشقه التدميري، لكنه لم يستطع أن يفقدها عذريتها الدائمة الخضرة..” ص11
قصة “صراخ بلون الموت” القصة عملية إبداعية.. والعمل الإبداعي خليط من الواقع والحلم والطموح والإسقاط الداخلي والخارجي، القاص الناجح الذي يجسد في قصصه هموم الناس يزداد التعامل معها حين ما يجد القارئ همومه ولغته فيها، تكون أكثر إبداعاً عندما تتخلى القصص عن الحشو الزائد..
“و…هربت الكلمات من رأس أم مفيد.. لملمت جسدها النحيل الغارق في الثوب الأسود وعادت تجلس قرب زوجها الذي يتابعها بعينين غائرتين تحتبس فيهما منذ دهر. ضغط الأب بيد مرتعشة على ذراع الأم وتدحرجت الحروف متحشرجة من فمه” ص44.
قصة “نقرات في جوف مظلم” تحمل في طياتها كلمات شعبية، حوار بالعامية وهي ليست عيباً في الأدب فهي تعبير تلقائي للأحداث والحوار، (النخلة والجيران) لغائب طعمة فرمان أكثر من نصفها بالعامية وهي رواية أخذت موقعها المتصدر في الدول العربية وكذلك نجيب محفوظ أغلب كتاباته كتبت بالعامية..
“- لك مو هيج .. مخبل
– اسكت .. انت ما تفتهم
– يمعود روح
– متوهم .. أحسن واحد حسوني
– أبو أذان الجبيرة حسوني” ص77
قصة “لقطتان لموت واحد” تميز القاص حسين السلمان من مشاعره العميقة وهواجسه وتطلعاته الفردية.. بتفكير منظم موزون أو هو تعبير بالكلمات عن لغة اللسان وقلبه فيه غصة من حسرة، فالشر في الحياة الذي جلب البؤس والشقاء والحروب والحقد ينبع ليس من قلوب الناس وإنما من الحكام الطغاة ومن النظم الاجتماعية الشريرة.. تميزت قصته بسرد ولغة بسيطة وغنى الحوار وقوته التعبيرية بوصفه مجريات الحياة من تناقضات حقيقية وواقعية حية كان يترجمها بأسلوبه الخاص.
“اللقطة الأولى.. كنت مشاركاً فعلياً في صنع الساتر الترابي، سواء كنت حاملاً مكوناته أو منظماً له. فالحصيلة العلمية هي أنني لا أحفر قبري بل أبنيه” ص70.
“اللقطة الثانية.. كنت في خدمتي العسكرية السادسة أو السابعة أحلم أن أرى هذه المرة العدو بشكل مباشر، على الرغم من شعوري بأنه يحاصرني من كل الجهات..” ص 72.
يقول الناقد جوناثان كولر في كتابه “نظرية الأدب”: “السرد هو السبيل الذي نعقل به الأشياء”.
لكل منا على الصعيد الفردي سردياته الخاصة لكي تمكنه من بناء ما هو عليه وما يتجه إليه.. وعلى طريقة سرد الأشخاص للأحداث تفهم القضايا والأفكار والتوجيهات..
في قصة “ما تبقى من الخوف” يصف لنا القاص حسين السلمان المشهد العراقي اليومي من انفجارات في شتى مناطق بغداد واحتراق الأنبوب الاستراتيجي لتصدير نفط العراق للمرة العاشرة، والقتل في محافظة تكريت والرمادي للعديد من الشرطة والحرس الوطني وتأجج النعرة الطائفية، وينقل لنا الحديث المتداول والصخب في مقهى “الشابندر” التي يجلس فيها الأدباء وتكون يوم الجمعة مزدحمة جداً بالرواد.
“نظر إلى سقف المقهى المشيدة بالشيلمان والطابوق، فشعر أن هذا الثقل سيهبط يوماً على رؤوسهم ويدمرهم تدميراً كاملاً.. سيصفونهم في تابوت واحد كبير وستعلق لافتة سوداء تنعى شهداء الكلمة صادرة من اتحاد الأدباء أو منظمة ثقافية حديثة” ص90.
عندما يصل النقاش إلى أشده والعصبية تكون حاضرة وبحرقة الأعصاب يطلق بعض الأدباء زفرة يزيح عن جسده بعض الهم والحسرة المتكدسة في الصدور.. “نحن بناة حضارة، أية حضارة صنعتم. لقد ظلت حضارتنا غارقة في ترابها، فلم نتوصل معها.. تفو.. تفو.. العاهرة أفضل منكم لأنها في الأقل تعرف أنها عاهرة..” ص92.
من العنوان تفضح المجموعة القصصية أسرارها، مدينة الناصرية المعطاء التي أنجبت الكثير من المثقفين والأدباء والفنانين والسياسيين، تعاني الإهمال حالها حال المدن العراقية الأخرى، المجموعة تحمل الوجع العراقي، حيث الانفجارات في الشوارع والأسواق والبيوت، وكان نصيب العاصمة الحبيبة بغداد الأكبر منها. مشاهد يومية ينقلها لنا القاص بوصف دقيق وبحرقة قلب مثقل بالهموم، كان السرد مغمساً بمقاطع نثر يحكي الانهيار الجسدي والخطف والقتل على الهوية، كما أن أغلب القصص يغلب عليها السهل الممتنع وهو الأسلوب الأدبي السهل لدرجة أن كل شخص يعتقد انه يقدر أن يأتي بمثله ولكن هيهات ذلك..
الارهاصات التي أصابت الجسد العراقي، أصابت العقول، عقول المثقفين والأدباء منهم من يتحدث بعصبية والآخر يتحسر وآخر يشتم بلا استثناء حالة لم تكن مألوفة سابقاً يوم كان الصمت مطبقاً خوفاً من بطش السلطة الطاغية، شارع المتنبي هو الآخر مكتظ بالناس الغارقين في نقاش حاد كما في المقهى..
“ضفاف الجسد المهمل”، قصص واقعية اجتماعية، تحكي الحالة الإنسانية التي يمر بها العراق لمجمل القضايا التي لم تعد وصفاً سردياً لموقف واضح بقدر ما هي تصوير حالة معقدة وعنيفة وقاسية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة