الأخبار العاجلة

واشنطن.. ربحت الحرب وخسرت السلام في العراق؟

في الذكرى الثانية عشرة لسقوط الدكتاتورية

د. علي عبدالأمير علاوي

ليس هناك في تاريخ المنازعات والحروب إلا حالات قليلة تضاهي غزو العراق واحتلاله من حيث التعقيد في الدافع والغموض في الغرض . ثمة سلسلة لاتنتهي من الأحداث العرضية تم وضعها لشرح هذه المرحلة الأستثنائية جداً في الأزمان المعاصرة ولكن ليس هناك من بينها على مايبدو مايقدم جواباً مقنعاً وشاملاً لماذا رأت القوى العظمى الوحيدة في العالم أن من المناسب تجييش مواردها العسكرية والمالية الضخمة لكي تعبر المحيطات وتطيح بطاغية وبنظام حكمه الوحشي في خصم عداء دولي ساحق؟
إن الإطاحة بالنظام الذي كان يحكم العراق قد تحققت بزمن قياسي لايتجاوز بضعة اسابيع من القتال المتفرق . أما الابتهاج الذي صحب هذا النصر الذي تحقق بلا جهد يذكر قد تحول سريعاً إلى حيرة متزايدة بشأن ما العمل بهذه «الجائزة»، إذ صار المحتلون وجهاً لوجه أمام واقع العراق بعد صدام حسين وأمام الألغاز المحيطة بهذا القطر المعقد كل التعقيد. ما من شيء من الاشياء التي سبقت الحرب-لاسيما ما صدر عن المؤتمرات العديدة والبحوث الكثيرة التي نشرتها مراكز الدراسات والدراسات التي كتبها المعارضون العراقيون والعلماء الأكاديميون والدوائر الحكومية- كان لها أن تهيئ «الائتلاف» هذا المصطلح العويص الذي يعني الولايات المتحدة وحلفاءها لما وجده فعلياً على أرض الواقع . والظاهر أن قوة دفع شاملة كانت قد تطورت فدفعت الولايات المتحدة الأميريكية إلى الحرب ولكن وبعد بضعة أسابيع من الاحتلال تحولت تلك القوة إلى حيرة وإلى أرتباك سرعان مع تفاقم ليحل محل الجبهة التي كانت تنطوي على غرض معين وجرى تكوينها بعناية فائقة.
إن البحث عن أسلحة صدام للدمار الشامل ، وكانت أمراً محيراً وزعم أنها السبب المبرر للحرب ، قد نسيت سريعاً إذ أكتشف «الأئتلاف» أنها لاوجود لها. لم يكن هناك هتافات يطلقها الجمهور من أجل الديمقراطية ولم يكن هناك مايدل على أن هذا الشعب متعطش للحريات الغربية. كانت معظم المظاهر الشعبية التي انطلقت في البداية والخاصة بما يطمح إليه الجمهور تنطوي على مشاعر لامثيل لها في الغرب كما أن العالم لم يكن يتوقع حدوث النهب الواسع النطاق الذي لم يطل بغداد وحدها بل أمتد إلى المنشآت النفطية في خارجها وخطوط الكهرباء وقواعد الجيش العراقي . إن الهجمات البدائية على ممتلكات الحكومة والحرق الوحشي للوزارات والمكتبات وحتى للملاعب الرياضية وصور الغنائم المحمولة من الجماهير الغاضبة مصحوبة بكاميرات التلفيزيون لم تكن لتنسجم مع سلوك شعب عظيم جرى تحريره للتو من الاستبداد . إن هذا الانفصام المزعج بين الرؤية الدارجة عن العراق والعراقيين قبل الحرب وبين الحقائق الخشنة عن البلاد وشعبها قد غدا ثيمة متكررة في الأشهر والسنين التي اعقبت سقوط النظام الصدامي ولم يقتصر ذلك على مناصري الحرب وعلى الذين يبررونها . أما معارضو الحرب ، وعلى الأخص في العالم العربي، فقد كانت لديهم توقعات مختلفة وكانت كذلك مشوهة بشأن رد الفعل لدى الشعب العراقي عن غزو البلاد واحتلالها. إن الانهيار السريع للجيش العراقي (وبضمنه الحرس الجمهوري الذي جرى التبجح به كثيراً) خلال اسابيع، وتخلي نظام الحكم عن «المتطوعين» العرب الذين تدفقوا على بغداد لقتال الغزاة ورد الفعل لدى العراقي الاعتيادي الذي لم يبد عليه الغضب من جراء الانتهاك لسيادة البلاد ، إن هذه كلها لم تكن لتضاهي تنبؤات القائلين بالويل والثبور . كان بوسع أي فرد من المدافعين عن صدام ونظامه أن يقف فقط وقد علا وجهه الخجل أمام القبور الجماعية التي كان يكشف عنها يومياً بعد الحرب . إن بربرية دولة البعث أخذ يكشف عنها للناس بكل ما فيها من حقيقة عارية . وهكذا فإن العراق قد أذهل مرة أخرى أولئك الذين يقومون بتفسيره . إن اقتران القوى التي تجمعت لدفع أميريكا نحو الحرب مع الواقع المحير للبلاد التي غدت موضعاً لغزوها وحماستها الإصلاحية كان لها نتائج بعيدة المدى تجاوز صداها حدود العراق.
تولى جورج بوش الابن الرئاسة في كانون الثاني 2001 وبالنظر إلى وجود رهط من المحافظين الجدد كموظفين أو مستشارين في الحكومة وبتأثير من اليمين الديني على بوش شخصياً كان من المفترض أن السياسة الأميريكية نحو العراق ستتغير تغيراً جوهرياً فعلى الرغم من الانتقادات اللاذعة للنظام الصدامي فإنه لم تكن هناك في البداية تغييرات أساسية في السياسة المذكورة وقد أقتضى الأمر حدوث الهجمات على مركز التجارة العالمية ومبنى وزارة الدفاع في الحادي عشر من أيلول 2001 لإيجاد شق في السياسة نفذ من خلاله دعاة «الخطاب البديل» عندئذ فقط أخذت السياسة الخاصة بالشرق الاوسط ولاسيما السياسة نحو العراق تتغير تغيراً جوهرياً ينطوي على تعديل بعيد المدى.
كان هناك تيارات فكرية متعددة على هامش الدوائر التي تضع السياسة بشأن الأسلام والشرق الأوسط في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي في واشنطن ولكنها أخذت في مابعد باكتساب قوة دفع خطيرة في البيت الابيض لقد كتب الكثير عن تأثير المحافظين الجدد ولكن هؤلاء كانوا في واقع الأمر يمثلون تياراً واحداً فقط من تيارات مختلفة ومتضاربة في غالب الأحيان. من تلك التيارات تيار «الدوليين» المنادين بسياسة وودرو ويلسون وهو تيار يوصي بأن تكون الولايات المتحدة الأميريكية ذات دور فاعل في العالم لنشر الديمقراطية والحرية ومنها تيار اليمين المسيحي الذي يحمل رؤية مستقاة من «سفر الرؤيا» في الانجيل وتيار الدعاة المنادين بشكل قوي من أشكال القومية الأميريكية وهم يعتقدون بأن على أميريكا ألا تتراجع عن أستعمال قوتها العالمية العظيمة لخدمة مصالحها الضيقة.
ثمة عناصر كانت قلقة حقاً من ان العراق لديه أسلحة دمار شامل وهذا أمر يعد كما يزعم الأساس «الشرعي» الوحيد الذي تقوم عليه سياسة عدائية لتغيير النظام في العراق . هناك كذلك مصلحة الأمن القومي ، ليس فقط للولايات المتحدة وحدها بل كذلك لإسرائيل ، وقد لعبت دوراً كبيراً في التفكير الذي مهد لقرار غزو العراق . إن فئات أخرى كانت لديها أجندات مختلفة ومنها الأجندة التي تريد غرس المثل العليا للديمقراطية الليبرالية في الأرض الصخرية للعالم العربي بكون هذه الديمقراطية ترياقاً مضاداً للأسلام الأصولي.
وسيحتاج الأمر شيئاً من الخيال لجمع الخيوط المتفرقة التي ساقت الولايات المتحدة إلى اتخاذ القرار الفائق للمعتاد بغزو العراق وبأن تقلب سياستها الخارجية رأساً على عقب . يبد أن الدعامات الثقافية «للخطاب البديل» كانت تفعل فعلها بهدوء في أروقة الدوائر الأكاديمية والندوات الجامعية التي تعقد عن الفكر السياسي والتاريخ الاسلامي على مدى طويل من السنين . هذا ولئن كان للأفكار وكان لترجيح منظور معين بشأن الاحداث أن يلعب دوراً في أتخاذ القرارات ذات النتائج الكبرى ، فإن من الضروري النظر في تأثير ليو شتراوس وبرنارد لويس لعل هذين العالمين لم يلتقيا شخصياً قط ولكن أفكارهما قد تغلغلت في المشروع الاميريكي الخاص بتغير العراق وغيره من البلدان.
إن شتراوس هو فيلسوف في علم السياسة وهو يؤمن بدور النخبة الحكيمة التي تربت على المثل العليا الافلاطونية وتمارس السلطة على الجماهير وتحافظ على الأنسجام وتدعو بهدوء إلى مبادئ الدولة الفاضلة والمجتمع الفاضل . ويعمل أعضاء النخبة كمستشارين ومرشدين للحكام الملتزمين بالمثل العليا لمجتمعاتهم ويفضل أن يجري عملهم بتكتم وخفاء . أما الجماهير فينبغي أن توجه بصمت بطرق حاذقة لحمايتهم من غرائزهم السيئة ودوافعهم الرديئة ، وتحفظ لهم في الوقت عينه تمسكهم بالمبادئ والقيم الأساسية لمجتمعاتهم إن هشاشة الديمقراطية الليبرالية ، وماتعرضت له من تهديد دائم إما جراء عدم أكتراث الجمهور والموجود بشكل مفزع في المجتمعات الأستهلاكية الحديثة في الغرب واما بفعل خصم اعتدائي مستبد وذي تصميم ، كل هذه المفاهيم غدت ثيمة متكررة في كتابات ستراوش.
إن فكر ستراوش أخذ يتغلغل في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي. وقد تفشت افكاره في تفكير الفئة التي تريد القيام بهجوم مضاد وبرز ذلك خلال إدارة ريغان في ثمانينيات القرن الماضي ، وأتخذت تلك الأفكار شكل الدعامة العقائدية للتحول في السياسة التي استبعدت «الوفاق» وأحلت محله المواجهة مع الأتحاد السوفياتي . وعندما جرى تنظيم الإدارة في الولاية الثانية للرئيس بوش كان أنصار ستراوش ، الذين أعادوا تجميع أنفسهم وتقوية سياستهم وذلك بالعمل في مركز الابحاث والجامعات خلال استبعادهم في سنوات حكم الرئيس كلنتون ، على أستعداد لتولي أدوار قيادية في دوائر حكومية رئيسة منها وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي . إن التهديد لأمن أميريكا القومي من الإسلام الأصولي جاء ملائماً تماماً للهيكل الذي وضعه ستراوش بشأن الأمر الذي يكون خطراً فتاكاً على القيم الديمقراطية الغربية ، ما يتطلب أستجابة قوية واسعة النطاق على شكل الحرب على الإرهاب . إن أتباع ستراوش العاملين في مواقع حكومية مهمة قد وضعوا هيكلاً فلسفياً ومبرراً منطقياً للطريقة التي ينبغي أتباعها في شن الحرب على الإرهاب . إن هذا اندمج بالطبع في التيارات الأخرى التي صارت تسمى «مذهب المحافظين الجدد» وقد جرى التمهيد لكل هذا بأحداث الحادي عشر من أيلول 2001 وبأستعداد جورج بوش الأبن للقبول شخصياً بهذا التفكير والعمل بموجبه.
لم تكن هذه المعتقدات التي يحملها المحافظون الجدد ذات صلة بالشرق الأوسط بأي شكل من الأشكال ، الا بالمعنى الضيق الذي مفاده وجود تداخل بين اهتماماتها بالقوة الاميركية وبالامن القومي وبامن اسرائيل والدفاع عنها . مع هذا فإن كون تلك المجموعات قد تبنت منظور برنارد لويس عن الشرق الأوسط قد أتاح المجال لوضع سياسة تنطوي على كل العناصر الخاصة بخصوصية الشرق الاوسط وفي العراق على الأخص حيث أزف الوقت لتبرير الغزو/الاحتلال لهذا القطر.
إن برنارد لويس قد درس في «مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية» في لندن وتخصص بالتاريخ الأسلامي لقد طور لويس ميلاً معيناً عن مواجهة الإسلام للحداثة وهو مخالف للرأي الذي كان سائداً آنئذ . يقول ذلك الرأي بأن القمع السياسي والتفاوت الاجتماعي والتأخر الأقتصادي في الشرق الاوسط إنما ترجع إلى أرث الإمبريالية الغربية وتدخل الغرب المتواصل بشؤون المنطقة . بيد أن لويس أفترض أن مشاكل العالم الأسلامي هي مشاكلات من صنعه بالدرجة الأولى يسببها عجز فطري في الحضارة الاسلامية في التكيف مع وضعها المتردي في العالم وفي المقال الذي كتبه برنارد لويس بعنوان «جذور الغضب الإسلامي» ، ويعد الأن مقالاً كلاسيكياً يربط إخفاق الحضارة الإسلامية بأن تقبل بأنها قد أنزلت إلى الدرجة الثانية ، وذلك بفعل التفوق السياسي والثقافي للغرب . إن هذا هو أكثر إثارة للسخط ذلك أن هذا العالم الجديد تهيمن عليه المسيحية الند التاريخي للإسلام ومالم يتم الإقرار بذلك فإن المجتمعات الإسلامية لاتستطيع ان تجد نفسها وتتكيف مع الحداثة .
إن عصبة المعجبين بلويس قد أزدادت عدداً بنحو محسوس في العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي ، وقد انضمت عند ظهور إدارة بوش ، إلى الفصائل الأخرى «للخطاب البديل» لتهيمن على صنع السياسة عن الشرق الأوسط. وقد غدا «مذهب لويس» سياسة رسمية لاسيما وأن لويس كان داعية بحماسة للدعوة لاستعمال القوة لإجراء التغيير . إن غزو العراق قد أعطي الآن مسحة علمية برخصة من «مؤرخ الإسلام والشرق الأوسط الاكثر نفوذاً» كما دعاه أحد أتباعه من الأكاديميين. إن الخطة الكبرى الرامية إلى جر الشرق الأوسط بالإكراه إلى المستقبل الديمقراطي والعلماني الذي صممه له «أفضل العاملين وألمعهم» في واشنطن الجديدة ، هي خطة ستبدأ الآن بنحو جدي. والعراق هو في المكان الصحيح والوقت هو الوقت الصحيح للبدء بإعادة تكون المنطقة. كان لويس وستراوش كلاهما من ذوي التأثير العميق بطرق حاذقة على رابطة المستشارين وصناع السياسة والمخططين للحرب الذين دفعوا الولايات المتحدة لغزو العراق .

قراءة ميرتون لمخاطر
«العمل الهادف»
ولكن دعاة الحرب في توجههم غير الملائم نحو الحرب ، قد اغفلوا آراء أخرى أكثر تحفظاً ، هناك عالم الاجتماع الكبير روبيرت ميرتون الذي توفي في 23 شباط 2003 عن عمر ناهز الثانية والتسعين ، والذي كان قد كتب في عام 1936 ورقة ذات تأثير على التطورات والتي كان ينبغي على مخططي الحرب والمروجين لها قراءتها- ولعلها لم تقرأ- وكان عنوانها «النتائج غير المتوقعة من العمل الاجتماعي الهادف» والورقة تبين كيف أن أفعال الشعوب والحكومات ينتج عنها دائماً نتائج غير مقصودة، والتي قد تشوه أو تنفي الحصيلة المطلوبة ،ولكنها نادراً ماترفع من شأنها . حدد ميرتون خمسة عوامل مساعدة للنتائج غير المقصودة تستطيع مجتمعة أو منفردة أن تؤثر تأثيراً كبيراً في حصيلة العمل الجماعي اوالسياسة العامة . كانت المصادر الخمسة للنتائج غير المتوقعة هي الجهل بالظروف الحقيقية والخطأ بالاستنتاج وأولوية المصالح المباشرة والمعطى العقائدي (أو معطى «القيم الأساسية») على حد قوله والتنبؤ الذي يرضي الذات وهذه الجملة الاخيرة قد سكها ميرتون نفسه وكان المقصود هو أنه إذا لم يقم صناع السياسة بالتقليل من هذه العوامل فإن حصيلة مسار بعينه لفعل سياسي ستكون غير مرغوب بها ، او في الأقل غير متوقعة . وإذا جرى تجاهل المتغيرات الخمسة كلها فيفترض ان الحصيلة قد تكون كارثية . من منظور صانع السياسةان خيار بوش للحرب في العراق كان هذا بالتحديد: ترداد لنتائج غير مقصودة-بعضها مذهلة، وبعضها مستغربة،وبعضها غير مرحب بها ،ولكنها كلها كارثية.ان عوامل ميرتون الخمسة كلها قد جرى تجاهلها عن قصد أو عن غير قصد في قرار شن الحرب .ان العراق سيكون هو الضحية الاولى،ثم المنطقة، واخيراً أميريكا ذاتها.

الجهل بالظروف الحقيقية
ان الجهل بما كان يجري داخل العراق قبل الحرب كان جهلاً مطبقاً في واشنطن العاصمة.ما من أحد من دعاة الحرب ،وبضمنهم المحافظون الجدد ، وما من أحد في معاهد الابحاث ومراكز الدراسات التي قدمت المادة الفكرية لتبرير الحرب كانت لديه أية فكرة عن البلاد التي سيحتلونها .أما الاكاديميون والباحثون الذين تجمعوا حول مراكز الدراسات في واشنطن وحول مكتب نائب رئيس الجمهورية، والذين جعلوا من العراق مشروعهم المحبب فقد كانوا معصوبي الأعين بالمؤكدات الدوغماتية وتعصبهم الاعمى. كان هناك سوء فهم عميق بشأن طبيعة المجتمع العراقي وبالتأثيرات التي أصابته خلال عقود من الدكتاتورية. ان كل خصلة من خصل التفكير الاميريكية التي تجمعت لتوفير الاساس للغزو كانت منعزلة عن أي تماس مباشر، لا بل حتى عن أي تماس عرضي. ان وزارة الخارجية ،المفترض فيها أنها معقل التفكير الواقعي ، لم يكن لديها سوى القليل من الخبرة المباشرة بشأن البلاد، وكانت تعتمد بدلاً من ذلك على استنتاجات وعلى تفكير يقوم على القياس وذلك حيث تحاول طرح النتائج المحتملة في مرحلة ما بعد الحرب .ان الشيء المؤكد الوحيد هو الذي كانت تقدمه الهيئة العسكرية الاميريكية والتي كانت تعرف أن العراقيين لا يضاهون ما لديها من عدة حربية، كما كانت تعرف أيضاً انها تواجه جيشاً غير فعال ومثبط الهمة.
ولم يقتصر الامر على عدم وجود تحليلات أصولية تستند الى خزين من المعلومات والخبرة بشأن البلاد والتي يعزى اليها هذا الحال التعيس، كان الامر بالاحرى هو الاستمتاع عمداً بفضح الزيف في ما هو موجود من معرفة في العراق، كان العراق على مدى عقد من السنين هو المنتجع المألوف لبعثات الامم المتحدة وفرقها المتعددة.وهو لم يكن قط قطراً مغلقاً باحكام كما كان يفترض البعض، ثم ان السفارات ومكاتب العمل الاجنبية استمرت بالعمل طوال التسعينيات من القرن الماضي. ولكن المعرفة بظروف البلاد الداخلية التي يمكن الحصول عليها من تلك المصادر وغيرها لم تستخدم قط بنحو مفيد لتقرير النتائج المحتملة لغزو البلاد.كما أن المعارضة العراقية، أو في الاقل أولئك الذين كانت لهم صلة بالمسؤولين في واشنطن، لم تكن أفضل من ذلك، ان جماعات المعارضة في الخارج، وكل جماعة منها لها أجندة مختلفة، لم يكن بوسعها تزويد الولايات المتحدة الاميريكية بتقييم واضح ومعقول للظروف في العراق ،انها كانت اما ضيقة الافق في اهتماماتها أو أنها كانت تواقة جداً لتولى السطلة بعد أن تكون أميريكا قد أزاحت صدام عن الحكم.لم يكن لدى الجماعات مصلحة في زعزعة التصميم لدى أميريكا بأن تقوم بابراز المشكلات والهفوات.أما البريطانيون، والذين يفترض فيهم أنهم أكثر حكمة وتجربة من الشريك الاخر في التحالف الانغلو-اميريكي. فانهم كانوا متورطين بمسالة توازن القوى وهم يتخوفون من الاخلال «بالوضع الراهن» القائم في الشرق الاوسط. كان رئيس الوزراء توني بلير يعتقد أن على بريطانيا أن تظهر بمظهر الحليف القوى لاميريكا، وكان مهماً بنحو مفرط بأن يبقى على يمين الرئيس بوش ونزعته القتاليه ، بصرف النظر عما يكون عليه الوضع. لقد كان يرى نفسه أنه بمنزلة اللجام لحصان بوش الجامح، وفي حين أنه كان يسحب سحباً في أي اتجاه يسير فيه ذلك الحصان . ومهما كانت الشكوك التي كانت لدى البريطانيين فانها قد وضعت جانباً. ان القاعدة الاولى التي وضعتها ميرتون قد كسرت.فالجهل بالاحوال السائدة في العراق سيؤدي على أغلب احتمال الى سلسلة من النتائج غير المتوقعة.

الخطأ بالاستنتاج
القاعدة الثانية التي وضعها ميرتون هي الخطأ، سواء في تقدير الوضع أوفي اختيار السبيل المناسب للعمل أو في تنفيذه، وأن ارتكب هذا الخطأ سيؤثر تاثيراً عميقاً على نتيجة القرار المناسب السياسي. ان غزو العراق واحتلاله يؤلف مجموعة من الاخطاء سواء في الفعل أو عدم الفعل .ان غزو العراق واحتلاله يؤلف جدولاً لتلك الاخطاء، فهنالك الكثير منها ، انها تتضمن عدد القوات التي نشرت، ونمط الافراد الذين يديرون البلاد، والتغييرات في السياسية، والتسرع في اتخاذ القرارات المهمة ذات النتائج الخطيرة. ان سعة هذه الاخطاء وعددها وأثارها الخبيئة كانت مذهلة .ان ميرتون، عندما وصف هذا النمط من الخطاء قائلاً:(بأنه هاجس مرضي مستحوذ عندما يكون هناك رفض قاطع أو عدم قدرة على البحث في عناصر معينه من المشكلة)، كان كأنه يكتب عن عراق ما بعد الحرب. لقد حدث ذلك مراراً في العراق حيث يؤدي التعليق بمرحلة تاريخية معينة، أو الاصرار الحاسم على اتباع هدف متخيل، الى تشويه التقديري الموضوعي للظروف. ان الانجاز المتصور حسب الرغبات وليس حسب الوقائع كان جانباً مهماً من جوانب العمل لصناع القرار في العراق ومما كانوا يعلنونه. ان هذا ،كما قال ميرتون يتصل بشكل أوثق بادبيات التحليل النفسي.ان الاصرار على اتباع سياسات خاطئة اما خوفاً من انحراف المرء عن الرسالة المقصودة، أو خوفاً من تعرض مهنة المرء للخطر ، أو خوفاً من النتائج السياسية «لعدم الصواب»، او بسبب عدم الرغبة بتقديم بديل أو عدم القدرة على وضع هذا البديل ، ان كان هذا هو من سمات مرحلة ما بعد الحرب.

اولوية المصالح المباشرة
والقاعدة الثالثة من قواعد ميرتون هي «أولوية المصالح الملحة»، حيث أن الرغبة بالحصول على نتيجة ما هي من الشدة بحيث يحصل تجاهل متعمدة من اثارها.ان هذا يختلف بالطبع عن الجهل الذي يحدث من مجرد عدم المعرفة.لقد أجريت الانتخابات على الرغم من مقاطعة السنة، وقدمت مسودات للدساتير بسرعة فائقة ولو أنها كانت مشوية بعيوب فادحة يقتضي تصحيحها.لقد مضت شهور على انتخابات كانون الاول 2005 ولم تؤلف اللجان البرلمانية الموعودة التي تعيد النظر بالمواد الدستورية التي تثير الاستياء.وهناك قضية الفدرالية للجنوب ،والتي يتوقف عليها مستقبل العراق كدولة اتحادية، وقد جرى المرور عليها مر الكرام من دون مناقشة، ان الرغبة بانها العملية وفقاً لخطتها الاصلية كانت من الشدة بحيث أنها حجبت ، واستبعدت أي خط بديل أخر من خطوط التفكير ، ولو أن كتاب هذه حصيلة منافية للعقل أثرت سلباً على العملية بأسرها. وقد جرى عقد صفقات لم تستطع الوقوف بوجه اختبار العقل أو اختبار الزمن.

المعطى العقائدي الأساسي
والقاعدة الرابعة من قواعد ميرتون، والتي لم يلتفت اليها أحد، هي الاثر الذي يقع على صنع العراق والناجم عن أفعال تصدر عن اعتبارات أخلاقية أو عقائدية. ان هذا لا يفترض أن يحدث ضمن قواعد فن الدولة، حيث تأخذ مصالح الدولة على اعتبارات أخرى في صياغة السياسة، ان ادارة بوش قد جاءت الى السلطة عن طريق الانتقاد الشديد «لا خلاقية» الرئيس السابق ،فوعدت بعهد من حكومة ذات مبادى تسترشد ب»سلطة أعلى» .قال بوش :»ثمة أب أعلى أناشده» ان تدين بوش الشديد قد لون أعماله كلها ، وهذا التدين لعب بألتاكيد دوراً في قراره بغزو العراق .لقد كتب بوب وودورد في السرد المفصل لسير أميريكا نحو الحرب قائلاً في كتابه الصادر في عام 2004 المعنون»خطة هجوم» عن اتصال بوش بالله ان بوش «كان يصلي من أجل القوة لتنفيذ ارادة الله» .ولكن بوش في نفيه لذلك والاشبه بالاعتراف قال :»اني بالتأكيد لن أقوم بتبرير الحرب معتمداً على الله. افهموا ذلك . مع هذا ففي حالتي فاني أصلي لكي أكون رسولاً جيداً لارادته جهد الامكان».وعند وجود التأكد النابع من ايمان عميق-وهو ما لا يمكن للأوروبيين المتشككين أن يفهموه- لا يوجدج هناك مكان لكي يجلس المرء ويقيس النتائج التي تفرزها قرارات تتخذ بدافع الايمان.
أن حرب العراق كانت بمنزلة هدية من السماء- بالنسبة الى البعض بنحو حرفي-ذلك أنها ستتيح لهم ادخال نظرياتهم وأفكارهم الخيالية في عقل العراق الجديد الذي هو عقل غض لم يشبع بشيء بعد. ما من أحد منهم كان لديه الوقت أو الرغبة بالنظر في نتائج القرارات التي يقترحونها أو يدفعون أخرين لتبنيها. مثلاً ان اطاحة أميريكا بعدو ايران اللدود،وهو صدام، قد قوت كثيراً من نفوذ ايران في العراق ،لم تكن هذه هي النتيجة المقصودة التي أرادها أولئك الذين ابتغوا انشاء حصن ديمقراطي فيث العراق ليكون بمنزلة مهماز لايران التي يحكمها رجال دين. ينطبق هذا على الديمقراطية ذاتها. ان تصور عراق ليبرالي ،علماني ،يحكم من قبل مسؤولين منتخبين بواسطة مؤسسات تمثيلية قد ذهب هباًءأ عند الادراك بأن الديمقراطية قد تمكن تمامأً من تللك الجماعات بالذات التي تعد معادية جداً لها، أو تمكن تلك الفئات التي لا ترى في الديمقراطية سوى أنها تدعمها في السيطرة على جهاز الدولة.

التنبؤ المرضي للذات
أما القاعدة الخامسة والاخيرة من قواعد ميرتون والتي تم تجاهلها فهي التنبؤ المرضي للذات الذي كان يشغل بال مهندسي الحرب. ينطبق ذ1لك على الاخص على مسألة الحرب على الارهاب، وقيام بوش بحشد الشعب الاميريكي بعد هجمات الحادي عشر من أيلول. لقد غدا جمهور الامريكيين مقتنعاً بوجود علاقة ما بين نظام صدام والتهديد بهجمات ارهابية أخرى. وفي الحقيقة فان نظام صدام، وهو ذو سجل فظيع في الامور الاخرى، كان بعيداً عن أية صلة بأعمال ارهابية ضد الولايات المتحدة الاميريكية. ان الحجة القائمة على وجود أسلحة الدمار الشامل ربما انسجمت مع الحرب ضد الارهاب لو كانت هذه الأسلحة موجودة فعلا في عراق صدام. بيد أنه، وبعد التفتيش واسع استمر بضعة أشهر وقامت به «مجموعة مسح العراق» لم يعثر على أي شيء من تلك الاسلحة، كما لم يكن هناك أي دليل جرمي يربط نظام الحكم السابق لا بالقائمين بأحداث الحادي عشر من أيلول ولا بمنظمة القاعدة. الا أنه حدث شيء غير متوقع أذ غدا العراق مركزاً لارهابيي العالم من مجموعات الاسلامية المختلفة. ان الحرب ضد الارهاب في العراق ، حيث كان وجود الارهابيين الدوليين فيه عبارة عن فرضية صرف في السابق قد تحول الان الى حقيقة واقعة.ان مجيء الارهابيين الى العراق لم يكن فقط لمقاتلة أميريكا بل كذلك لمقاتلة مجموعات أخرى من الاعداء الذين لم يكونوا فيه قبل الحرب ،وهؤلاء هم بالدرجة الاولى الشيعة الذين أخذ امرهم بالتصاعد،والايرانيون.
ان قانون النتائج غير المقصودة قد تفجر بقوة في العراق لأن المخطيين للحرب تجاهلوا مخاطرة قراراتهم او قللوا من شأنها كثيراً.أما الاكثر حصافةً منهم فقد علموا بالغزيرة أن غزو العراق سيفتح الباب أمام الانشقاقات الكبرى في البلد ، وما سيترتب عليها من نتائج وخيمة اقليمية ودولية. كان أهم ما جرى تاريخياً هو ميل ميزان القوى لصالح الشيعة، وهذا أمر له مغزاه الكبير .ولعل الولايات المتحدة الاميريكية كانت ضحية لوصف شيعة العراق بأنهم قوة تنتظر أن تعبر عن نزعتها الديمقراطية وعن امتنانها للذين جاءوا لتحريرهم ،وهو وصف لا يخدم سوى المصلحة الذاتية لاميريكا. الا أن الذين حدث هو أن الغزو قد حقق لهم ما كانوا يظنونه مستحيلاً، ألا وهو ازاحة خصمهم اللعين بقوة خارجية لا تقاوم. يضاف الى هذا ألقوة الجديدة كانت توقاة للحصول على دعم مجتمعها وعلى القبول بنحو عام بالتوزيع العادل للسلطة الذي هو لصالح الشيعة بنحو واضح.لوكن الشيعة سيضلون يشعرون بالحساسية ،كما أن زعامتها ستضل مترددة بتقديم الولاء التام للأميريكيين،كما يفعل الاكراد على ما يبدو، وهو الكاسب الكبير الاخر.والحقيقة هي أن الشيعة ربما كانوا ممنين للأمريكيين بشكل عابر.فالشيعة، الذين تعلموا درساً من الخيار الخاطىء الذي اتخذه زعماؤهم في عام 1920، لن يقوموا بالتفريط بما أنعم عليهم هذه المرة لصالح عقيدة جهادية وهم في الوقت عينه غير مستعدين للتخلي عن حسهم الجمعي أو عن شعورهم بالمظلمة التاريخية من أجل حسن ظن الاجنبي.ان عبء الماضي كان عظيماً، والفرصة لقلب ما أصابهم به القدر كانت مغرية، الى درجة بحيث أنهم لن يخدعوا بوعد بعراق ليبرالي وغير طائفي.
ان الهوية الشيعية تتعلق ليس فقط بالارث الناجم عن كونها ضحايا الدول التي حكمت الممالك الاسلامية بل تتعلق كذلك بالاعتقاد القائل بأنهم مستودع الاسلام الحقيقي، ولكنهم ظلوا مسلمين بنحو واضح وبصورة جريئة. ان العداء للصهيونية، وللمخططات الامبريالية للبلاد الاسلامية ومواردها، وللأعراف والثقافات الغربية التي تتغلغل في المجتمع الاسلامي ،كل هذا هو جزء لا يتجزأ من هوية الشيعة بصفتهم القائمين على الحفاظ على الاسلام الحقيقي.
في بحر بضعة أسابيع من الغزو والاحتلال أخذ الفعل اللاارداي للعراقيين بالتململ بعد شحذه طوال أجيال من التعامل مع طغاة ومحتلين. بدأ الاميريكيون يجربون ازدواجية العراقيين بلبوسها المختلف ،وعدم امكانية سبر الغور لما يفكر به هؤلاء حقاً، وانطلاق العنف العفوي ، والاستمتاع بالحصول على ما هو الافضل من المحتلين. كذلك لم يجر التغاضي عن مد من المتطفلين على السياسة والمحتلين،ذلك المد الذي اجتاح بغداد كالجراد. ان اعادة تكوين البلاد تجري على ما يفترض ضمن هذا المشهد من الفوض والارتباك الذين يحدث ازاء خلفية من العنف المتزايد.لم يكن هناك صدام حضارات في العراق.ان الصورة الحقيقة كانت أشبه بفيلم عن الفوضى، وفيه ما فيه من أوغاد وأبطال ومشاهدين مكتئبين.لم تكن هذه هي رؤية المحافظين الجدد، أو الحالمين المفرطين بالتفاعل الذين أرادوا ان «يأتوا بديمقراطية للعرب»، أو لا بطال «الصدمة والرعب» الداخلين الخارجين سراعاً.
ان العراق هو أحد الاقطار الأكثر تعرضاً للغزو في تاريخ العالم، وقد اكتسبت شعبه على مدى طويل من الزمن مهارات البقاء بنحو مذهل للمحتلين.وليس هذا بالامر الغريب .فهناك الكثير من المؤشرات في تاريخ العراق الحديث التي تبين الاستجابة المحتملة عند العراقيين تجاه الخطة الشاملة النائشة عن احتلال مادي من قبل دول أجنبية، والاثار الناجمه عن النهاية العنيفة لعلاقات مستقرة على المكونات المختلفة للمجتمع العراقي . لقد حاولت الدكتاتوريات وأنظمة الحكم الفردي المطلق خلال نصف القرن الماضي ،ومن خلال فرض نوع من التوحد الذي يثير السخرية،أن تخمد الفهم الحقيقي لهوية البلاد المعقدة .كانت هذه هي سنة حكام العراق بشكل أو باخر على مدى مئات من السنين،ولكنها لم تؤثر الا قليلاً على نمط انتماءات الشعب.ففي عصر القوميات نجد أن توكيد الهوية الأساسية للبلاد ذات القومية العربية السائدة لم يلغ وجود جزء أخر كبير من السكان.كما أن تشخيص الدولة ذات المذاهب الاسلامية السائدة لم يلغ وجود جزء أخر كبير من السكان.كما أن تشخيص الدولة ذات المذاهب الاسلامية السائدة لم يغير شيئاً من الحقيقة التي مفادها أن الانتماء الطائفي لاغلبية السكان ، وهي دائما عامل جوهري في سياسات المنطقة يختلف عن الاغلبية في العالم الاسلامي. هذا وتبقى الحقيقة بأن الخصال الغربية المهمة التي تحكم التفكير بشأن العراق قبل الاحتلال وبعده انما هي مستمدة في جوهرها من مدارس تكون دراستها غريبة بنحو اساسي عن تجربة البلاد.
ان قدراً كبيراً من الالم والحيرة،والكتابة ايضاً، كان سيجري تجنبه لو أن العلماء والمسؤولين الذين كانوا يخططون للغزو وللنظام الذي سيتكون بعد الحرب كانوا قد انتبهوا لدروس علي الوردي وتحذيراته.
اذا كان هناك فرد واحد قد اقترب من حل أسرار الشخصية العراقية فهو علي الوردي (1913-1995) .إن كتبه عن علم النفس الاجتماعي للعراقيين وغوصه في التاريخ الاجتماعي للعراق قد جعله شخصية بارزة وجدلية في زمانه. كانت لديه احتكاكات مع السلطة الحاكمة ، لا سيما حين لم تتفق استنتاجاته مع الرأي الرسمي الخاص بتاريخ العراق. بيد ان كتبه قد أغفلت او حتى اهملت من قبل الأكاديميين والخبراء الغربيين المتخصصين بشؤون البلاد . إن كتاباته عن التاريخ الاجتماعي للعراق وإعماماته عن الامراض الاجتماعية للعراقيين لم يبلغ ، من نواح متعددة المستوى الغربي في البحث الأكاديمي ، ولكن ذلك لم يقلل بنحو جوهري من عمقها ومما فيها من حكمة . ما من احد من ذوي الشأن في الإدارة الأميريكية ، لا بل حتى في الدوائر حليفتها بريطانيا ، قد اطلع على ما أنفق علي الوردي عليه من سنين طويلة وهو يقوم بالتحليل والتقييم .إن بحوثه واسلوب كتاباته القائم على الحكايات ، والمفعم بالروايات عن أحداث هزيلة في تاريخ العراق الاجتماعي كان مصيرها التجاهل . إن كتاباته لا تدخل في طبقة من الطبقات التي تعد مقبولة فكرياً في الغرب ، لا بالنسبية إلى الذين يدعون الى الحرب لمصلحة إعمال ثمار الديمقراطية ولا بالنسبة الى الذين كانوا يصرون على الحفاظ على ميزان القوى ، أو الحفاظ على «الوضع الاستثنائي» العربي . لقد كان بدرجة من النشاز والانتقائية في طريقته بحيث لم يؤخذ مأخذاً جدياً كحجة عن العراق والعراقيين « والصفة العراقية».
ولد علي الوردي لأسرة معروفة من التجار وعلماء الدين في الكاظمية ، والحياة في الكاظمية تدور حول العتبتين المقدستين للإمامين السابع والتاسع من أئمة الشيعة ، واللتين يؤمهما الزوار من شتى انحاء العالم الاسلامي . والظاهر ان حياته في بواكير عمره كانت حياة شاقة عانى فيها الكثير من الحرمان بأشكاله المختلفة . مع ذلك فإنه استطاع في ما بعد الحصول على بعثة دراسية إلى الجامعة الأميريكية المرموقة في بيروت ، وبعدها اكمل دراسته في الولايات المتحدة فحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة تكساس في عام 1950 . عاد إلى العراق لينضم إلى الهيئة التدريسية في جامعة بغداد ، وتقدم فيها حتى بلغ مرتبة عليا في قسم تاريخ الاجتماع.
إن علي الوردي كاتب غزير ، واشهر كتبه يدور حول تاريخ الاجتماع للعراق الحديث ويقع بمجلدات متعددة بعنوان مضلل إلى حد ما هو « لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث». كما أنه أوجز نتائج بحثه في جذور المجتمع العراقي وعمل عليه طوال حياته في مجلد واحد بعنوان « دراسات في طبيعة المجتمع العراقي» . لقد رفض الوردي منهج البحث القائم على إلإحصائيات والذي يسير عليه علم الاجتماع الحديث، الأنغلو – أميريكي بالدرجة الأولى ، والذي وجده غير ملائم للظروف في العراق . بدلاً من ذلك كان منهج البحث الذي سار عليه الوردي يتبع منهج ماكس ويبر كما يقر بذلك هو شخصياً ، ولكنه كان قد تأثر كذلك بقراءته لأعظم فلاسفة التاريخ في العالم الإسلامي وهو ابن خلدون والذي يسميه « أفضل المراجع» . ولعله استوحى من ابن خلدون نظره العميق في طبيعة المجتمع العراقي ، المتمثلة بالازدواجية المتفشية بين المدينة ، التي تمثل القيم المتمدنة الحضرية ، والسهل ، التي تمثل شيوع القيم البدوية العشائرية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة