الأخبار العاجلة

رؤية في مشروع «المتناهي ما بعد الشعر»

من الكتابة إلى الفعل

مازن المعموري

أتساءل مقدماً عن ماهية الشعرية اليوم؟ في ظل هذا الخراب الكبير الذي يلف انسانيتنا المغيبة, وسط قلق وجودي ضخم, ينماز تاريخياً بقسوته, بحيث أصبح الجسد العراقي هو الثيمة الأساسية للصراع في المنطقة, والغريب ان هذا الجسد ككائن بشري لم يستعمله الشعراء لحد الآن, لا لشيء الا لأنهم في حقيقة الأمر يرزحون تحت سلطة العرف الاجتماعي والديني برغم ان الأكثرية تمارس الخطاب الحداثي من الخارج, وأقصد خارج الذات المدحورة والمتعبة من التكرار النمطي للقول الشعري السائد.
وأنا هنا, لا أريد أن أميز علمياً أو فلسفياً بين الانفعال والجسد, فلكل منهما حضوره الخاص, لكنهما في الوقت ذاته يرتبطان جوهرياً في حيازة المكان الوجودي للذات, وهو ما جعلنا في تجربة التماهي ما بعد الشعر نكرس الارتباط ذاته لفعل الجسد الممتد مع اللغة ككيان مستقل, بمعنى ان (الانفعال يشارك استراتيجيات التكيف التي تسمح للأجسام الحية بان تحل تلقائياً المسائل الأساسية التي واجهتها في محيطها) بما هو ارتماء في اللحظة الحرجة للكتابة وانتقالها من الشكل إلى الفعل (الجسد).
تزداد حدة الكلمة سواداً على بياض الورقة كلما تنامى الألم في تجاويف ستائر مجازاتها أو ما أسميه الانفعال الشعري, بما يتيح للألم مهاداً مضاعفاً للتشارك مع ذلك الانفعال لدرجة ان الجسد يعمل على صناعة جديدة للجملة الشعرية ويشترك في خلق معنى آخر للسياق, حضور الجسد يتبدى في أطروحة نشاطه المختلف في الأداء التعبيري للغيظ من المكان, وهو ما يسهم في تصاعد حدة العلاقة المتوترة بين المكان/ الجسد – الكلمة / الفعل.
أشير هنا, إلى ان الانفعال هو في حقيقته نتاج ثقافي, قريب من وسطه الاجتماعي والسياسي, وربما يتحول إلى هوية بسبب استمرار ظاهرة العنف التي نعيشها كل يوم, سواء كان رمزياً أو مادياً, وهو ما وسم الشخصية العراقية المضطربة التي عانت من ويلات الحروب والقمع حتى الآن, فهل يمكن استعمال الاليات التعبيرية اللغوية ذاتها المحملة بارثها البلاغي العتيق؟ هذا السؤال يحتاج الى توقف عند حدود المنجز الشعري الجمالي لتاريخ الشعر العربي الذي بقي مطابقاً لخطاب السلطة/ العرف الاجتماعي/ التابو.
تقدم لنا الرؤية مفتاحاً للتعامل مع النص خارج المكتوب, يشترك فيها المكان والجسد والحركة والصورة, كدال لكينونة كلية الحضور, انطلاقاً من لحظة الغيظ الذي يشكله الواقع تجاه الجسد, صورة العنف, الاغتصاب الرمزي لارادة الضد, لوجود ناقص يبحث عن كماله في الصراخ بوجه الفراغ, في استدعاء الموت لمقابر الناس واحتضان الغياب, في استدعاء بقايا المفخخات التي أكلت لحومنا من دون أن ندري, اللعب في حقول الألغام والتوجس من لحظة الانفجار من قنبلة دارسة تحت التراب, انها أفعال الجسد الذي يحركه الانفعال وليس التعقل أو المنطق العملي للحدث, كما لو اننا نتجسد كأمثولة عاطفية لتكون محور نزعتنا الأدائية في الشعر.
يجسد التواصل مع المجموعة غياب الفردانية المؤقت, برغم ان حضور كل شخص يمثل وجوده الشخصي من دون تحييد لارادة الفرد في الفعل الحر, حيث يسجل كل شاعر مهمته في التعامل مع اللحظة الشعرية مفرداً وحده في بيئة استعارية تنتقل من الجغرافيا إلى الكتابة, فالمكان بحد ذاته يشكل دالاً موضوعياً للخطاب الشعري, وبالتالي فان البحث عن الأمكنة هو محاولة للقبض على نقاط القوة التي استباحت المكان أو المرموزات الثاوية تحته, بما فيها طبيعة الطقس الملازم له, مثل المقابر والألغام والمفخخات وغيرها, الأماكن تعيد انتاج الممارسة الانسانية للآليات السلطة والقمع, وهي بهذا تنتج دوالها الآنية لحظة الممارسة الشعرية.
الفعل الشعري يخص الذاتية المحض, اذ لا تشترط القراءة سماع الآخرين لما يقوله الشاعر, انه وحده في فضاء المكان مع الاستعانة بتفاصيل العلامات من أجل مواجهة الصورة التي تلتقط لحظة زمانية مبتكرة تسهم في اضفاء مصداقية الحدث وتمكين الجسد من المشاركة الحية للتوقف عبر الصورة, كما لو انها تسرق الدال من مكانه, وتحظى بانفلات شعري يستبدل الكلمة بالصورة, وبالتالي فان أي مشاركة للآخر ستؤدي الى نكوص الفعل بالكامل.
سنكون أمام مهمة جديدة للشاعر, وعليّ أن أفرق بين الأداء المسرحي وصناعة دال علاماتي مفترض, يقترب من الازاحة الاجناسية للشكل ويتداخل مع آليات الفنون الأخرى بما يشبه الاستعارات؛ لأن ما يتبقى من كل ذلك هو الصورة وعلاقتها بآليات التواصل السريع والفضاء الافتراضي الالكتروني المعاصر, لأن صيغ وجودنا أصبحت مجرد افتراضات قابلة للمحو والتزييف والنفي, حيث كل شيء قلق ومتغير يستجيب لعوامل الضغط المجاورة بسرعة مثل الصوت والضوء والحركة وحتى تعليقات الأصدقاء ومن يتسائل عما يحدث (هل هناك شيء؟, ماذا يحدث؟, من هؤلاء ؟ كيف حدث ذلك؟ الخ) بمعنى ان الشاعر هنا ينتقل من لحظة التلقين عبر المنبر الكلاسيكي أو منصة القراءة التقليدية إلى لحظة الحوار مع الخطاب الذي تحمله الصورة (المكان /الفعل / الجسد / الذات).
نحاول هنا استدراج الشعر إلى ما بعده, أي التملص من الهوية الى الهجانة الثقافية للشعر, حيث يصبح كل شيء متاحاً للعبور من الماضي إلى العيش في الحاضر وهو جوهر الحداثة الفائقة, وما أريد قوله هو ان الشاعر مازال يعيش لحظة الماضي ولحظة التأسيس للانفلات من تفاصيل الوهم الجمالي لارثه الشعري على حساب الثقافي للخطاب الذي يشكل جوهر الشعرية المعاصرة, عسى أن نكون قد بنينا خطوة ثالثة مازالت قيد التكوين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة