حين يتهاوى العقل على قدمي امرأة

When Nietzsche Wept

عبد السادة جبار

العقل ..العاطفة .. والجسد.. هذه الثلاثية التي تشكل الدافع الذي يؤجج الصراع الأزلي بين الذات والموضوع في الوجود الإنساني، ولقد لعب العلم والفكر أدواراً متعددة سلباً وإيجاباً في تفسير عناصر تلك الثلاثية باستنباط نتائج غيرت مجرى التاريخ البشري لتتحول تلك النتائج أسلحة مهمة في إدامة ذلك الصراع لصالح أطراف متعددة ذات أهداف متعددة ولكن من دون أن يحسم النصر واقعياً ونهائياً لصالح طرف من دون طرف آخر حتى تستقر النهايات على نسق محدد مسلم به، إلا إن ما أفرزته تلك النتائج هو أعلام وشخصيات أخرجت للإنسانية أفكاراً نشّطت الجدل الفكري، لتخرجه من حضانة التخلف والزيف والشعوذة والسفسطة إلى عالم واسع من الحقائق النسبية، التي أسهمت بتنشيط الوعي والسلوك المدني، على الرغم من أنها من جانب آخر أشاعت روح الحرية التي لم تكن منضبطة في جوانب كثيرة تحت ذريعة التخلص من قيد الالتزام المسلم به، مسبقاً بتعاليم سماوية أو عرفية أو وضعية، ومنح العنصر البشري التفرد واستغلال الطاقات الذاتية لإخضاع المسالمين والمخدوعين لهيمنته، وقد أسهمت الفنون والآداب في تجسيد ذلك التفاعل والصراع مرة في محاكاته وأخرى في المشاركة المباشرة فيه كوقود لزيادة اشتعاله، المخرج “بينشاس بيري” يقدم فيلم ” When Nietzsche Wept حين بكى نيتشه” مشتغلاً على رواية شهيرة للكاتب الأميركي “ايفرن بالوم” تحمل العنوان نفسه صدرت عام 1992 تتناول جانباً مهماً من حياة المفكر الألماني “فردريك نيتشه ” قبيل الربع الأخير من القرن التاسع عشر 1872، وهي المرحلة التي سبقت إصدار كتابه المهم “هكذا تكلم زاردشت”، إذ يلتقي أربع شخصيات مهمة من ذلك العصر في فيينا (فردريك نيتشه، ودكتور جوزيف بيريور، والشاعرة لويس فان سلومي، والعالم النفسي سيجسموند فرويد).

سيناريو الفيلم
يتسلم الدكتور “جوزيف بيريور” ( بن كروس ) رسالة من امرأة لا يعرفها تطلب منه مقابلة ضرورية مسالة حياة أو موت في كازينو وحين يلتقي المرأة ” لويس فان سلومي” (كاترين وينيك ) توضح له إنها تطلب منه معالجة الفيلسوف “فردريك نيتشه ” ( أرمان أسانتي ) الذي تجد انه في حالة يأس شديد قد يؤدي به إلى الانتحار بسبب حبه الشديد لها وإنها حريصة على هذا المفكر الكبير وترجوه أن يساعده بتجاوز هذه المحنة، وحين يعتذر بحجة انه ليس بدكتور نفساني تطلب منه المحاولة بحجة شفائه من صداع دائم يعاني منه حينها سيقتنع بالعلاج، وحين يجدد رفضه تعطيه كتب نيتشه وتطلب منه أن يطلع على آرائه ليعرف مقدار أهمية هذا الرجل، دكتور جوزيف له تجربه قاسية مع إحدى مريضاته تجربة حب حاول أن يهرب منها “برتا” ( ميشال ياناي) بسبب ارتباطه بعائلته حيث زوجته التي تحبه وأطفاله الثلاثة، حين يلتقي نيتشه يعجب بشخصيته ويتحقق التأثير المتبادل يتفق الاثنان على أن يعالج كل منهما الآخر، الفكرة اخترعها جوزيف ليقنع نيتشه بالعلاج بعد أن استعان بصديقة الدكتور الشاب الموهوب “سيجسموند فرويد ” (جامي ألمان) الذي يقنعه بالعلاج عن طريق الكلام، يأخذ نيتشه الموضوع على محمل الجد لتتحول الجلسات العلاجية إلى غوص في الأعماق النفسية والفكرية والجسدية والعاطفية ويتبادل الاثنان الاعترافات في حياتهما الخاصة، حياة نيتشه وعلاقاته المضطربة مع النساء وأصدقاؤه فاجتر سولومي كوزيما.. حياة جوزيف مع مرضاه وعائلته ووالده ومريضته برتا ويدخل فرويد على تلك الجلسات في مقابلات خارجية مع جوزيف، لكن نيتشه يقلب حياة دكتور جوزيف حيث تتحول فكرة تبادل العلاج إلى حقيقة يتأثر بها الأخير ويسعى إلى التحرر من عائلته ويسكنه هذا الهاجس بقوة بعد أن يجد مبتغاه في أفكار نيتشه عن الحرية وعدم الانصياع إلى تقاليد ومسلمات حددها الواقع.. وفي مرحلة لاحقة نجد إن جوزيف يودع عائلته ويشد حقيبته حيث يقصد المصح الذي ترقد به مرتا ويبرر ذلك لزوجته إن عليهما إن يبدءا من جديد، لكنه يكتشف إن برتا تعترف للطبيب الشاب الذي يعالجها بأنها لا تحب سواه ويتبادل الاثنان القبلات على مرأى من جوزيف ليصدم ويعود مسرعاً ويقرر أن يحلق لحيته ويعمل نادلاً في الكازينو، إلا أن فرويد يتعرف عليه فيهرب ليلقي نفسه في النهر فينقذه صديقه لنكتشف إن كل ذلك كان أوهاماً عاشها جوزيف وهو تحت تأثير التنويم المغناطيسي بين يدي فرويد، غير إن ذلك يشفيه ويعود لعائلته ويقيم احتفالاً يحضره فرويد ويطلب من زوجته إن يخوضا بداية من جديد، وحين يلتقي نيتشه بجوزيف لقاء أخيراً يعترف له الدكتور إن فكرة العلاج المتبادل كانت فكرة من أجل الحفاظ على حياته، وان سلومي مهتمة به ولكن ليس إلى حد الارتباط وهي حريصة على إنقاذه من حالة اليأس، وهنا يبكي نيتشه بحرقة من أجل سلومي ويعترف بأنه لم يبكِ مثلما بكى اليوم.. ويسأله جوزيف هل إن الدموع يمكن أن تقول شيئاً؟.. يسافر نيتشه إلى ايطاليا ليلتقي الفيلسوف الهندي زرادشت لينجز كتابه “هكذا تكلم زرادشت”.

المعالجة
عالج المخرج وقائع الرواية بتسلسل سهل هادئ من دون تعقيد فكري ولم يلج في الفلسفة والأفكار كثيراً إلا ما يتعلق بتلك الروابط المهمة المتعلقة بالعاطفة والتجارب الشخصية، وإن حرصه على إبراز تلك الحوارات المهمة بين دكتور بيريور وبين نيتشه والتي تتعلق بالحرية والذات والوجود الإنساني والمرأة، إلا انه صورها بتفاعل ممتع منسجم مع السياق القصصي للفيلم، وعلى الرغم من عدم وجود أحداث مشوقة، إلا انه تمكن من خلال تصوير الأحلام وأحلام اليقظة ومشاهد (الفلاش باك) أن يقدم مشاهد تقترب من التعبيرية وأحياناً السوريالية ليحقق متعة قصصية مثيرة تدعم العمود الفقري للوقائع، كما استفاد من المرحلة التاريخية ليوظف الموسيقى الكلاسيكية والأوبرات وعلى الخصوص فالس (الدانوب الأزرق) لشتراوس ليحقق متعة تعبيرية وتأثيرية مهمة لموضوع الفيلم، كما أدار الممثلين بنحو جيد وبتوازن رائع على الخصوص ذلك الأداء المتقابل لكل من الممثل أرماند أسانتي والذي أدى دور نيتشه، وبين كروس الذي مثل شخصية الدكتور جوزيف برويير، وعلى الرغم من الدور القصير الذي أدته الممثلة ميشال ياناي في دور برتا، مع ذلك هي وفقت في التعبير عن شخصية مصابة ذهنياً حتى في المشهد الختامي، ولكن الممثل جيمي إلمان لم يكن موفقاً في أداء دور سيجسموند فرويد ربما بسبب رسم الشخصية أو قصر الدور إذ لم يكن مؤثراً.

فيلم “”When Nietzsche Wept، تمثيل : أرمان أسانتي ، كاترين وينيك ، بن كروس
أخراج : بينشاس بيري، عن رواية : ايفرن بالوم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة