«شواهد صامتة».. ثنائية النصب والأحداث السياسية في العراق

كاظم مرشد السلوم

واحد من الأفلام الوثائقية المهمة التي عرضت في أيام السينما العراقية، هو فيلم المخرج حيدر موسى دفار “شواهد صامتة”، أهمية هذا الفيلم تأتي من خلال استعراضه لمجموعة من النصب والتماثيل الموجودة في بغداد، مبيناً كذلك تاريخ وحكاية وضعها في شوارع بغداد وساحاتها والأحداث السياسية التي جرت بالقرب منها.

العنوان والحكاية
يشكل عنوان الفيلم روائياً كان أم وثائقياً مدخلاً للولوج إلى المتن الحكائي له عبر وسطية التعبير “الصورة” واختيار عنوان “شواهد صامتة” يحيل المتلقي إلى الربط بين النصب والتماثيل والأحداث التي مرت بالعراق، سياسية واقتصادية واجتماعية، فنصب الحرية لجواد سليم، كان شاهداً على الكثير من الأحداث التي جرت في ساحة التحرير، الساحة التي يرتفع النصب فيها. مثل تعليق الجواسيس الذين تم إعدامهم بتهمة العمالة للصهيونية، كذلك رمي الجدارية بالرصاص من قبل الحرس القومي يعدّ جواد سليم شيوعي وانه صمم النصب من أجل عبد الكريم قاسم كما يقولون، فهل وفق حيدر دفار، في إبراز هذه الثنائية أو العلاقة بين النصب والتماثيل وبين الأحداث التي جرت؟
ابراز العلاقة بين النصب والأحداث يحتاج إلى بحث تاريخي، يحقق ذلك، الفيلم اشتغل على هذا، لكن ليس بالتفصيل الكامل والمركز وأعني هنا، الاختزال المكثف، لكن النص الذي كتب للفيلم، واضح انه مأخوذ من الانترنيت وبنحو مستعجل، بدليل إغفال الكثير من الأحداث التي مرت بالقرب من النصب البغدادية والتي كانت شاهدة عليها، وبذلك ابتعد عن الثيمة التي اشتغل عليها الفيلم بدلالة عنوانه “شواهد صامتة”.
حيدر اشتغل على موضوع ازالة بعض النصب المهمة في بغداد، بسبب تغير الأنظمة السياسية، وركز على إزالة نصب المسيرة في ساحة علاوي الحلة، وفاته أن يذكر حادثة إزالة نصب الجندي المجهول السابق الذي كان موجوداً في ساحة الفردوس والذي أزاله النظام السابق واستبدله بنصب فخم لخالد الرحال في كرخ بغداد على حافات متنزه الزوراء، المرور على هذه الحادثة مهم، خصوصاً وان النحات رفعت الجادرجي قد أيقظ من نومه لكي يشاهد بعينه إزالة نصبه بعد أن شاهده يرتفع قبل سنين مضت والسبب هو ان هذا النصب قد أنجز في مدة عبد الكريم قاسم بعد ثورة تموز 1958، ذكر الحادثتين كان يمكن أن يوفر توازناً للفيلم، حتى لا يحسب على مخرجه الانحياز وهو ليس كذلك بالتأكيد.
لا أدري لماذا جعل حيدر دفار الفيلم يذهب باتجاه آخر، لا علاقة له به، وهو سؤال بعض الأشخاص البسطاء عن معرفتهم ببعض النصب وبعض الشخصيات بطريقة كوميدية، كان يمكن أن تكون حكاية مستقلة لوحدها.

الاشتغال
حيدر دفار مصور محترف، يجيد تحريك كاميرته بنحو جميل، وهذا ما فعله في فيلمه، الملاكات كانت محسوبة بدقة، ولو إن تأثيث بعض الأماكن لم يكن بالمستوى المطلوب، حتى لو كان الفيلم وثائقياً، فبالإمكان الاعتناء بالملاك، وهذا واضح في حديث بائع الصحف عن جدارية فائق حسن.
في المقابل فقد رسم حيدر كوادره بدقة وجمالية عالية خصوصاً في المقابلات التي أجراها مع عدد من أهم التشكيليين العراقيين، حيث استفاد من جمالية نصب الشهيد والفضاء الذي يحتويه، لكن لا أدري لماذا أصر على أن يعرض لقاء بعد لقاء من دون الرجوع إلى موضوع الفيلم واستعراض النصب؛ لإتاحة فرصة للمشاهد أن يستوعب ما يقوله المتحدث، وبعض منظري السينما الوثائقية، يعدون عرض لقاء بعد آخر مباشرة، خطأ فني كبير، كذلك ثمة اشتغال مهم في مثل هذه اللقاءات وهو دخول الصوت قبل الصورة، أي نستمع إلى صوت الضيف قبل القطع بمعنى مع المشهد الذي يسبقه وما زلنا فيه، وننتقل كذلك من الضيف الى المشهد الذي يليه مع بقاء صوت الضيف، الأمر الذي يخلق نوعاً من الإنسانية الإخراجية الجمالية.
“السينما الوثائقية أكثر قدرة على تزييف الواقع من الأفلام الروائية” هذا ما ذكرته في كتابي “سينما الواقع دراسة تحليلية في السينما الوثائقية”؛ لأن بالإمكان التلاعب بالوثيقة على وفق الإسقاط الفكري والأيديولوجي لجهتى إنتاج الفيلم أو مخرجه. وهنا تكمن خطورة السينما الوثائقية.
حيدر دفار كان يمكن أن يمرر الكثير من الأفكار أو الرسائل، الشفرات التي يريد، لكن هذا لم يحدث في الفيلم، بل جاء الفيلم محايداً واشتغل على قدر ما يعنيه عنوانه “شواهد صامتة”، وبالتأكيد ليست جميع الرسائل أو الأفكار سيئة، فالإهمال وعدم الاهتمام، وربما رفع بعض النصب في بعض مدن العراق بعد التغيير، تحتاج إلى أن نمر عليها من خلال فيلم حيدر دفار أو غيره.
شواهد صامتة، فيلم مهم ضمن سجل الأفلام الوثائقية العراقية، يثبت إن مخرجه حيدر موسى دفار، يمكن أن يتخصص في إخراج هذا النوع من الأفلام، في حال توافره على ملاك عمل بحثي وفني يسهم في تقديم أفلام تؤرخ للكثير من الأحداث التي مرت وتمر في العراق كل يوم.

عن الفيلم: الإخراج: حيدر موسى دفار، كتابة النص: فاضل محسن، قراءة النص: رائد محسن، موسيقى: أنور أبو دراغ، إضاءة: حيدر زهراوي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة