الحشد الشعبي فـي دائرة الاتهام

سلام مكي *

الاسبوع الفائت كان خاتمة احداث بدأت منذ عدة سنين، احداث مؤثرة في المنطقة والعالم الى حد بعيد. منها من شاركت القوى الدولية والاقليمية في صنعها ومنها من شارك العراقيون فيها. ومن اهم الاحداث التي تخص الشأن العراقي الداخلي هو اعلان تحرير تكريت من دنس الارهاب، بعد اشهر عديدة من المواجهة والتهيؤ للمعركة. كانت فرحة الانتصار على داعش في تكريت لا توصف، يقابلها غضب واستنكار من قبل سياسيين واعلاميين ودول مؤيدة لداعش، مع اتهامات شتى، تدل على مدى حقدهم على العراقيين. مع العلم ان القوات التي حررت تكريت لا تنتمي الى طائفة معينة. الجيش العراقي والحشد الشعبي قدموا تضحيات كبيرة من شهداء وجرحى في سبيل الانتصار على داعش وتخليص العراق من سيطرتهم على اراضيه، ولما تحقق لهم ما أرادوا، تحركت غريزة الحقد والطائفية بحق تلك القوات، فاتهموا بشتى الاتهامات منها الطائفية والانتماء الى ايران وتحقيق اجنداتها، واتهام الحشد بأنه ايراني، متناسين ان وراء كل شهيد يسقط جراء رصاصهم، تقابله ام ثكلى وزوجة ارملة عراقية وعائلة مسبية. متناسين اكتظاظ المقابر بأجساد الشهداء من جيل الى جيل، لم يهدأ وادي السلام يوماً وهو يستقبل عشرات الاجساد يومياً في باطنه. اخيراً اتهم الحشد بأنه سارق وان افراده لم يأتوا لتكريت الا لغايتين اولها الثأر من قتلة ابنائهم والحمد لله خاب ظنهم، لأنهم عجزوا عن ترويج هذه الفرية ولم يجدوا شيئا ليعرضوه على الناس، وبعد ان تحررت تكريت بالكامل وسط ذهول واستغراب وصدمة، روجوا لكذبة جديدة وهي ان الحشد قام بسرقة المحال التجارية والبيوت في مركز مدينة تكريت. ثم قامت فضائيات الارهاب بتهويل وتضخيم هذا الحدث، وصوروه على انه فعل جماعي منظم قامت به جميع عناصر الحشد الشعبي والقوات الامنية التي وافقت على هذا الفعل عبر صمتها على ما جرى. وبعدها بدأت تحليلات السياسيين والمثقفين الذين يمثلون داعش اعلامياً، ترى ان هذه الافعال طبيعية لأن الحشد والجيش بل الشعب العراقي كله، تربى على السرقة وله تاريخ حافل بالسلب والنهب. وهنا انقسم العراقيون بين مصدق لتلك الافعال وبين معارض لها ومندد بالحشد وبرجاله، وكأن التضحيات كلها تلاشت امام فعل فردي قام به مندس او عنصر غير منضبط. وانبرى المثقفون الداعمون للحشد والقوات الامنية الى تبرير فعل السرقة او نفي تلك التهمة عنه. يقول احد المثقفين وهو محمد غازي الاخرس في صفحته على فيس بوك: استغرب من التهويل حول ما يجري في تكريت
هذه سكرة نصر تقوم بها أغلب الجيوش غير المحترفة فما بالك بحشد شعبي فيه مجموعات لا بأس بها ركبت الموجة ؟
ألم يفعلها جيش صدام ؟؟؟
أتذكر ذلك الضابط في الحرس الجمهوري الذي حدثنا في معسكر، ذات يوم، علناً، وعلى رؤوس الأشهاد، كيف أنهم نهبوا بيوت المعدان في الأهوار ووجدوا فيها صناديق ودناناً مليئة بالذهب والأموال كما يقول.
لن أنسى تندره من أهل الرجلين المفطره الذين يكنزون الذهب
وفخره بعملية النهب التي قاموا بها
انسوا فضائح الكويت التي يندى لها الجبين
ولكن ألم يفعلها الجيش في حرب إيران مع أن بعضهم يتغنى بـ»مهنيته» اليوم!
ثم أن تكريت انقسمت في أثناء احتلال داعش لها بين مؤيد ومقاوم
وحدثت ثارات بين العشائر ، ومن الطبيعي أن تصفى الحسابات في ظل ضعف الدولة وتوزعها بين القوى المسلحة الحاكمة على الأرض.
ناهيك عن ذلك ، فأن ثقافة الفرهود متجذرة فينا بقرينة أنها تتكرر مع كل انفلات في الأوضاع. الاخرس هنا اختزل الجدال ومسبباته عبر اثارته مجموعة من الاسئلة واستذكاره للماضي القريب. الحشد ليس مؤسسة عسكرية متكاملة، وعناصره غير خاضعين لقانون معين ولا لمرجعية ادارية. ولا يعرفون حقوقهم وواجباتهم، عكس عناصر الجيش والشرطة، فهم يعرفون انهم خاضعون لقانون اسمه قانون العقوبات العسكري اضافة لقانون اصول المحاكمات العسكرية، ولهم مرجع اداري متمثل بوزير الدفاع، في حالة تجاوزهم حدود الوظيفة او اساءة استعمالها او ارتكاب جريمة في اثناء تأدية الواجب، فهم معرضون الى القانون! في الحشد الشعبي، لا يعرف القانون ولا الجهة التي يمكنها محاسبة من يرتكب جريمة في اثناء العمليات العسكرية. اضافة الى الحصانة المعنوية التي يمكن ان يتمتع بها عنصر الحشد الشعبي جراء مواجهته للارهاب، والقناعة المترسخة في اذهان المقاتلين بأن الرأي العام العراقي لا يمكنه ان يخونهم خصوصاً في الوسط والجنوب. فمن الطبيعي جداً، ان تستغل عناصر غير منضبطة اخلاقياً وعسكرياً هذه الامور، وتقوم بعمليات منافية لأي منطق اخلاقي او عسكري، فتقوم بما قامت به من افعال شائنة تخدش سمعة الحشد اضافة الى امكانية قيام جهات معادية للحشد والجيش بدس عناصر او لبس زي الحشد في اثناء ارتكاب تلك الجرائم لكي يتهم الحشد فيها. ولا اتفق مع كلام الاخرس من ان فعل السرقة هو سكرة نصر! ذلك ان النصر ضد عدو مشترك، واصحاب تلك المحال هم ايضاً اعداء لعدو الحشد وربما هناك عناصر من تلك المدن تحارب الى جانب الحشد، فمن غير الممكن ان تقوم عناصر واجهت الموت لأشهر، امام اشرس عدو عرفته المنطقة، بتهديم ما انجزته من نصر وسمعة لأجل حفنة ملابس او ادوات منزلية ثمن نقلها الى مناطقهم يتجاوز ثمنها الاصلي! هل يعقل ان تفكير عناصر الحشد ينصب على سرقة محال الملابس بعد الانتهاء من داعش؟ وهل كانت داعش تحافظ على تلك المحال وتحرسها؟ اين محال الذهب؟ اين الصيرفات؟ اين البنوك الحكومية والاهلية؟ هل يتركها الحشد ليسرق ملابس؟ اذا كانت موجودة، فلماذا لم يسرقها الحشد لحد الان؟ واذا كانت غير موجودة، فهذا يعني ان داعش سرقها، وعلى من استفزه سرقة محال الملابس ان يتكلم ايضا على سرقة اموال الناس! او ليصمت في الحالتين! كان على الاخرس وغيره من المثقفين اثارة هذه الاسئلة بدلا من تبرير الفعل الذي لم يؤكد لحد الان. الصورة التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي والتي بنت عليها وسائل الاعلام العربية والعراقية فرضية سرقة محال الملابس ليست صحيحة100% ولابد من وجود ادلة اخرى، وحتى لو وجدت تلك الادلة، فلابد من موقف عقلاني يوازي فداحة الفعل، فلا يصح ان نترحم على داعش بسبب بضعة الاف من الدنانير سرقها لصوص! ولا يصح ان نرمي جهة كاملة بوزر فرد او مجموعة افراد! نحتاج في هذه الايام فقط الى تحكيم العقل والمنطق. السيد رئيس الوزراء صرح بعد الانباء: انه بصدد معاقبة من يثبت تورطه في ارتكاب جرائم بحق المدنيين اضافة الى سرقة ممتلكاتهم. كما مازالت المرجعية الدينية تصدر البيانات بنحو شبه يومي بحرمة اموال المدنيين وضرورة حمايتها والتصدي للعابثين بها. ربما تحتاج تكريت اليوم الى حشد شعبي اعلامي يفند مزاعم الدواعش من الاعلاميين والسياسيين، وينقل لهم الصورة الحقيقية للجيش والحشد. للأسف ان الحشد الشعبي اليوم في دائرة اتهام وضعتها له اجندات دولية واقليمية ونفذت بأيد عراقية لا تريد للبلد ان يتحرر من داعش، ومسؤولية تبرئته تتوقف على ابناء الحشد انفسهم اولا وعلى المثقفين والاعلاميين ورجال الدين والمواطنين. الحشد الذي يمثل ضمير الشعب، لابد من وجود من يدافع عنه دفاعاً منطقياً وعقلياً، وقانونياً.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة