الأخبار العاجلة

الاتفاق مع إيران هل يعني شرق أوسط جديد؟

الحد من تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات

بغداد ـ عبد علي سلمان:

اعتادت مجلة الايكونومست ان لاتضع اسماء كتابها على مواضعيهم المنشورة فيها، في اجراء قال البعض عنه انه لإضفاء نوع من الغموض، وجريا على هذه السياسة نشرت المجلة مقالا مطولا تحت عنوانين كان الاول» الاتفاق مع ايران هل يعني شرق اوسط جديد» والثاني كان «المساومة مع الشيطان الاكبر»، قالت فيه: هناك اربعة اماكن تتناقض فيها العلاقات بين الطرفين . ففي لوزان السويسرية حضرت الوفود الدبلوماسية الاميركية والايرانية متخفية بغطاء الشراكة الدبلوماسية وبعد ثمانية أيام من المحادثات، تم التوصل إلى اتفاق يحدّ بنحو كبير من برنامج تخصيب اليورانيوم الايراني في مقابل رفع تدريجي للعقوبات. وفي طهران كان الايرانيون يراقبون الرئيس اوباما وهو يوضح عبر خطاب من البيت الابيض اسباب الاتفاق وهي المرة الاولى التي ينقل فيها التلفزيون الايراني خطاب اوباما على الهواء مباشرة. وفي تكريت وفي السماء التي تعلوها يعمل البلدان في حلف غير معلن: حرب ضد داعش، توفر فيه الولايات المتحدة الضربات الجوية ويدير الايرانييون القوة البرية العسكرية خصوصا الجيش غير النظامي. وفي اليمن تتواجه الدولتان كخصمين في حرب بالوكالة: تقدم أميركا المساعدة الاستخباراتية واللوجستية لتدخل السعودية العسكري لصد الحوثيين المدعومين من ايران.
فاي مكان هو الاقرب الى الحقيقة، هل اميركا وايران هما الصديقان القديمان – الجديدان، ام ان قدرهما يجعلهما عدوين؟ والجواب هو من يسلط الضوء على الخطوط العريضة للاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع ما يسمى خمسة+ واحد.
وإذا ظلت ايران تشكل تهديدا إقليميا، فان إضفاء الشرعية على أنها قريبة من ان تكون دولة نووية هي تكلفة عالية لدفع ثمن موسع قليلا لكسب الوقت قبل أن تقرر ايران عبور هذه العتبة. ولكن اذا كانت ايران تظهر مسؤولية جديدة بعد ثوريتها السابقة فان الاتفاق هو بداية للتقارب بين بلدان أضرّ التنافس فيما بينها بالمنطقة، ولكن ربما يجب عليها التنازل في الاقل عن المصالح في بعض الأماكن.
والاتفاق بصدد أجهزة الطرد المركزي، وقضبان الوقود وأنظمة التفتيش مهمة ، لكن ليست هذه القصة كاملة. فهناك تاريخ سابق. فالثورة الإسلامية في إيران عام 1979 غيرت نمط التعامل الاميركي مع الشرق الأوسط. رحيل الشاه، وصول روح الله الخميني منتصرا، إحتجاز أكثر من 50 موظفا في السفارة الأميركية. وحينها تحولت أميركا إلى لاعب عسكري دائم في القلب الاسلامي، وباتت هدفا دائما للكراهية. وبعد كل شيء، فان وكلاء إيران في لبنان هم من جلب التفجيرات الانتحارية في المنطقة، بعد الهجمات القوية على القوات الأميركية والفرنسية والإسرائيلية في عام 1983
وتواصلت سلسلة الأحداث لتشكل لاحقا المتاعب الحالية: ففي سعي لتجنب انتشار الثورة، قامت الدول الغربية والعربية بدعم الديكتاتور العراقي صدام حسين، في الحرب التي شنت ضد إيران في عام 1980. وقامت القوات البحرية الغربية بدوريات في الخليج لحماية ناقلات النفط. وبعد انتهاء تلك الحرب قام صدام الذي حصل على التشجيع من الغرب سابقا بغزو الكويت في عام 1990؛ وبعض القوات الأميركية التي قادت التحالف الذي أطاح به بقيت في السعودية لاحتواء إيران والعراق. وقد تم إستعمال الوجود الاميركي مبررا لهجوم القاعدة في 11 أيلول 2001. وقرر جورج دبليو بوش بتهور إنهاء المهمة التي كان من المفترض ان ينهيها والده وغزا العراق للتخلص من صدام في عام 2003؛ والاحتلال اللاحق نتجت عنه المقاومة التي حولت نفسها اليوم الى داعش.
وإذا كان الاتفاق النووي يمكن أن يقلب هذه الدينامية المؤذية، فإنه يمكن أن يساعد في دفع الشرق الأوسط إلى «التوازن الجديد» الذي تحدث أوباما عنه لمجلة نيويوركر في العام الماضي. وسبق لاوباما ان قال في مناسبة اخرى ان المشاركة السياسية لايران ستجعلها معتدلة مع مرور الوقت.
لكن منتقدي اوباما الشرسين يعتقدون أن أوباما يسعى لابرام صفقة كبيرة متهورة تحول إيران إلى شريك، وهذا الترتيب الاميركي سيضع بعض العبء في المنطقة على عاتق ايران التي ستقوم بما كانت تقوم به ايام الشاه. والنفوذ السياسي والعسكري لايران واضح بالفعل في جميع أنحاء المنطقة، وهو يزداد. ومن انصار هذا الراي مايكل دوران الذي كان مسؤولا في ادارة بوش في وزارة الدفاع ومجلس الامن القومي الذي يقول ان اوباما يريد « تشجيع وزيادة إمكانات إيران كقوة إقليمية ناجحة وكصديق وشريك للولايات المتحدة».، وان اوباما متحمس للتخلي عن التحالفات طويلة الأمد مع اسرائيل والأنظمة الملكية العربية ولا يشك نتنياهو في ان الحال يسير هكذا.
لكن القادة العرب أكثر هدوءا بتناول هذه الطروحات لكنهم متفقون معها تماما. وحسب برقية دبلوماسية مسربة في عام 2008، حث الملك عبد الله عاهل السعودية أميركا على مهاجمة إيران و «قطع رأس الأفعى».
لكن البعض يفسر تصرفات اوباما بصورة اقل عدائية واكثر إقناعا. فقد تم انتخاب اوباما بسبب وعوده الانتخابية التي كان منها تقليل دور اميركا في الشرق الاوسط برغم عدم وجود دليل على ان هذا التصرف سيجلب المنفعة لأميركا. ووعد اوباما كذلك بالانسحاب من العراق وافغانستان. وقاد اوباما الوضع في ليبيا من وراء الخط الاول ولم يضرب سوريا من دون موافقة الكونغرس.
وتصرفه هذا كان ذلك لدرء الكارثة بأقل تكلفة. فأمر بضربات جوية، ووجود عسكري صغير على الارض حين اقترب داعش من بغداد وتوصل لاتفاق مع ايران سيؤخرها كثيرا ان لم يوقفها بالكامل عن انتاج القنبلة النووية ودعم السعوديين في اليمن ليثبت للسعوديين انه لا يفضل ايران.
وحسب هذا التحليل فان اوباما ليس الملام بسبب زيادة قوة إيران بل بوش الذي اسقط صدام وطالبان من دون التفكير بالعواقب. ويرى غاري سامور، المفاوض النووي السابق لادارة اوباما، أن استراتيجية أوباما هي «انعكاس للوضع المجنون والمشتبك في الشرق الأوسط. انه يحاول الانغماس في فوضى المشاكل التي لا حل لها، وهي في معظمها نتيجة للربيع العربي. وهو غير مستعد لارسال قوات ولذا فان الخيار الوحيد هوتركهم يتقاتلون لحين الوصول الى حل، وأحيانا يتدخل لتعديل النتيجة لصالحه. والان تقاتل ايران داعش وتقاتل السعودية الحوثيين ولذا يبدو ان سماح اوباما لدول المنطقة بان تتعامل مع مشكلاتها مبررا، على الرغم من انه يدين العنف الذي قد يتحول ضد اميركا ومصالحها.
ومن المؤكد أنه وفي أعقاب احتلال العراق والربيع العربي، غرقت المنطقة في فوضى دموية. والبعض يقارن عذابات المنطقة بكارثية الثلاثين عاما في أوروبا: انه صراع محير يشترك فيه الدين والقسوة والغرباء.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة