ناجح المعموري.. مكاشفات المسكوت عنه في ملحمة جلجامش

سلام مكي

يحاول الباحث ناجح المعموري عبر كتابه المسكوت عنه في ملحمة جلجامش الصادر عن دار المدى مؤخراً، إعادة إنتاج وصياغة مجموعة من البنيات العقائدية والأنساق الثقافية التي تولدت نتيجة للقراءات المتعددة للملحمة والتي كانت تصب في مسألة واحدة وهي ثنائية الحياة والموت. كتاب الباحث ناجح المعموري هو عبارة عن قراءة جديدة، تكشف عن صراعات وعلاقات داخل نص الملحمة، لم تصل إليها الدراسات السابقة. يقول المعموري في بداية كتابه: قرأت ملحمة جلجامش، وما نشر حولها من دراسات، فوجدت أكثرها واقعة تحت هيمنة الآخر، وتمحورت مرددة توصلاته المصدرة لنا. هذه القراءات استدعت من المعموري الوقوف عليها طويلاً، ليعطي لنا قراءة مغايرة لها، تتمحور حول الصراع الذي دار بين الثقافة القمرية والشمسية. ويرى ان هذا الصراع هو النقطة التي تمركزت حولها الملحمة. هذه النقطة التي لم تنتبه لها الدراسات باستثناء دراسة فراس السواح حسب تعبير المعموري. على اعتبار ان ثنائية الحياة والموت، لم تكن الموضوع الأساس للملحمة كما ترى الدراسات الأخرى، بل هي جزء من مجموعة من الصراعات والعلاقات، وليست الأساسية. ولنأخذ مثالاً على الدراسات التي تناولت الملحمة، دراسة الدكتور فاضل عبد الواحد علي في كتابه: “سومر أسطورة وملحمة” الصادر عن دار الشؤون الثقافية عام 2000 يقول في الصفحة 176: فملحمة جلجامش تنفرد في كونها اتخذت من الانسان نفسه ومن صراعه مع الموت موضوعاً لها. أما الأستاذ طه باقر فيقول في كتابه ملحمة جلجامش صفحة 42: إن هذه الملحمة البطولية الخالدة، قد عالجت قضايا انسانية عامة، مثل مشكلة الحياة والموت وما بعد الموت والفناء المقدرين وبين ارادة الانسان المغلوبة، المقهورة في محاولتها التشبث بالوجود والبقاء والسعي وراء وسيلة الخلود. وهناك الكثير من الدراسات الأخرى التي تم ذكرها في الكتاب، تناولت الملحمة من هذا الجانب.
يتناول الفصل الأول من الكتاب، سلطة المرأة- قوة الحكمة، المرأة بوصفها صاحبة القوة والارادة التي مكنتها من وضع حد لظلم جلجامش، وسطوته على مجتمع أوروك. تلك السطوة التي تمثلت باغتصاب الفتيات والفتك بالرجال. وغيرها الكثير من الأفعال التي استدعت من الآلهة الاجتماع ودعوة أورورو لخلق غريم لجلجامش، حتى يدخل معه في صراع يشغله عن الاستمرار في ممارساته العدوانية تجاه أوروك. المعموري، يرى ان سكان أوروك أطلقوا شكواهم للآلهة للخلاص من جلجامش عبر خلق غريم له، وهو ما تحقق لهم فيما بعد، وهذا يعني ان خلق الغريم كانت فكرة أهل أوروك أولاً وليس فكرة الآلهة. في نص الترجمة التي تعود للمرحوم طه باقر، نرى ان دعوة أورورو كانت من قبل الالهة آنو كبير الآلهة في العراق القديم فالنص يقول: فدعوا أورورو … وفي الهامش بين إنّ الذين قصدهم من هو آنو. كما ان الترجمة توحي إلى أن الشكوى كانت مقدمة من قبل النسوة حصراً، فنص الملحمة يقول: وأخيراً استمع الآلهة إلى شكاتهم واستغاثتهم، وفي الهامش يقول: إن هناك رواية أخرى تقول: شكواهن. المعموري، يرى ان الشكوى جاءت من قبل سكان أوروك، وليس من قبل النساء فقط على اعتبار ان الرجال نالهم ظلم جلجامش مثلما نال النساء، فمن الطبيعي أن يشكو إلى الآلهة مثلما فعلت النساء. ويحاول المعموري اعطاء نبذة مختصرة عن طبيعة المجتمع العراقي القديم، والطبقات الاجتماعية التي يتكون منها، اعتماداً على نصوص القوانين كشريعة حمورابي وغيرها. هذه النبذة، هي لإعطاء فكرة للقارئ عن الخلفية الاجتماعية والتاريخية للشكوى والرفض ضد جلجامش. فالعبيديون وهم أقدم سكان سومر، هؤلاء، جاؤوا ومعهم كراهية الطغيان والخوف من الخضوع. ولما كان جلجامش، يمارس الاضطهاد بحق المدنيين، تبلورت مشاعر الرفض تلك إلى وعي عام، رافض لتلك الممارسات، تحول هذا الرفض الى شكوى مباشرة تقدم للآلهة. ويرى المعموري ان نداء الاستغاثة الذي أطلقه أهل اوروك هو أرقى أنواع الرفض في تلك الفترة التي هيمن عليها جلجامش مع السلطة الدينية بوصفها موجهاً كاملاً للنظام السياسي، ولأن جلجامش هو الممثل الوحيد لسلطة آنو الاله، والذي يملك صفات إلهية. ويبدو إن المعموري أراد تعظيم فعل الرفض المتمثل بالشكوى أمام الآلهة، من خلال ذكر سلطات جلجامش الدينية والسياسية، التي يمكن من خلالها قمع أي صوت رافض له ولسياسته، ولكن، سكان أوروك، تحدوا تلك السلطات وشكوا أمرهم للآلهة. والشكوى بحد ذاتها أمر ليس بالسهل في ظل القمع الهائل من قبل جلجامش، الذي يملك صفات الهية الى جانب صفاته البشرية، كما ان الصفات العظيمة التي ذكرتها الملحمة في بدايتها، تجعل من المستحيل على أي شخص من أوروك وحتى من غيرها مواجهته. ويتحدث الكتاب عن مجموعة من الأحداث والتشكلات التي ساعدت على تنامي السلطة القمرية التي تمثلها المرأة مقابل تقهقر السلطة الشمسية التي يمثلها الرجل. وموضوع الصراع بين السلطتين، هو المحور الأساس الذي يشتغل عليه الكتاب. القراءات والتأويلات التي جاءت في الكتاب، هي نتاج لتراكم المعرفة والقراءة النقدية للمعموري، التي جعلته يدرك ان هناك مسكوتاً عنه في ملحمة جلجامش. والكتاب بصورة عامة إعادة إنتاج كما قلنا، للعلاقات بين شخوص الملحمة، بوصفها علاقات صراع بين قوتين الشمسية التي يمثلها جلجامش من جهة وبين القوة القمرية التي يمثلها أنكيدو والبغي والآلهة أورورو وغيرهم من الرموز القمرية. وهو يشكل نقطة تحول كبيرة في اعادة قراءة الملحمة من جديد، ويفتح الباب واسعاً نحو تأويلات جديدة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة