سرقة النصر

الافراد المنفلتون الذين قاموا بسرقة الممتلكات الخاصة والعامة في تكريت، لا هوية دينية أو مذهبية لهم. وسواء كانوا مندسين بين الحشد أو هم محليون نفذوا عمليات ثأر فانهم يرتكبون جريمة سرقة مضاعفة. هم يسرقون بيوتاً خاصة ثم يحرقونها. هذه جريمة وخيانة لانها أموال خاصة ولها حرمة. الحكومة ستنفق من المال العام في المستقبل لاعمار وتعويض الاهالي. هنا السرقة تكون من المال العام أيضا. لكن الجريمة الاكبر هي محاولة سرقة النصر الذي تحقق، والاساءة للمرجعية التي شكلت الغطاء الديني لمشاركة هؤلاء في حرب تحرير مناطق عراقية من دنس العصابات.
صحيح ان هذه الانتهاكات فردية. صحيح انها محدودة. صحيح أيضا ان تهويلاً اعلامياً لها يجري على يد اعلام مرتبط بجهات مناصرة لداعش أساسا ومنزعجة من الحرب ضدها، لكنها في النهاية شكلت إساءة كبيرة لقوات الحشد البطلة ككل. قدّم نفرٌ قليل من المندسين هدية كبيرة للمتربصين بالحشد من المصرّين على “تطييف” هذا الجهد الوطني الذي أريد له أن يشكل عاملاً للوحدة والتلاحم بين العراقيين في ظل مرجعية لعبت دور الجامع للكلمة وكابح لعوامل التفرق بين أبناء البلد الواحد. قدم هؤلاء حجة لمن عارضوا دخول تكريت، ودعموا حجتهم وهم يواصلون المطالبات نفسها ونحن على أبواب تحرير المدن المتبقية. إنهم أساؤوا صور رائعة شكلتها جهود الحشد والجيش وأبناء العشائر، ليس فقط على صعيد النصر الذي تحقق ،إنما على صعيد العيش المشترك في خنادق القتال ،والدم الذي أريق مختلِطا، في حرب مع عصابة مجرمة. مقاتلون من أطراف باعدت بينها السياسة وخطابات التحريض إكتشفوا زيف ما كانوا يتلقونه. ينقل لي أحدهم بأن قوات الشرطة المحلية وأبناء العشائر كانوا يتوسلون بفصائل في الحشد أن لا ينسحبوا (إثر الخلاف على الغطاء الجوي الدولي). كانوا يقولون لهم: “وجودكم وجهودكم هنا تمدنا بالقوة”. حاربوا معا، وجاعوا معا، وعطشوا معا، واختلطت دماء الكثير منهم وهم يسقطون جرحى أو شهداء. فيأتي نفر ضالّون منفلتون، وخلفهم ماكنة إعلامية تتلقف هذه الخروقات لتصنع منها حملة دعاية محاولة مصادرة قيمة هذا الانتصار ودلالاته لكنها لن تنجح بالتأكيد.
مثل هذه التصرفات يمكن أن تحدث في كل مناطق الحروب، وعلى يد أفراد في جيوش نظامية كبيرة فلا يُتَوقع أن يكون جميع المقاتلين، مؤهلين أخلاقيا. عندما دخل الجيش العراقي السابق الى مدن إيرانية (عربية السكان) عام ١٩٨٠، وبعدها الى الكويت عام ١٩٩٠، مارس ضباطه وجنوده عمليات نهب على مرأى قياداتهم، لكن ما قام به بعض المقاتلين في تكريت، إنما هو خرق محدود سرعان ما تحركت المرجعية، ومعها القيادات السياسية والعسكرية والميدانية الى كبحه. العلاج مطلوب اليوم لكن المقبل من الايام يحتاج الى إجراءات صارمة للوقاية ومنع تكرار ما حدث، حتى لو كان محدودا.
سالم مشكور

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة