السياسة الروسية تجاه المنطقة العربية

بغداد ـ الصباح الجديد:
ان استمرار النظام السياسي في روسيا بوصول بوتين مرة اخرى لرئاسته (برغم إنه لم يكن بعيداً عن رئاسته عندما تولاها مدفيدف ) ، يصب في مصلحة استمرار رغبة روسيا بتأدية دور اكبر في منطقة الشرق الاوسط .كما ان الوصول للقوة العظمى وريثة القوة العظمى ،وعلى وفق قواعد اللعبة الصفرية ،يفرض على روسيا الانغماس المحسوب طبقاً لمصالحها العلمية وان أي مكسب تحققه الولايات المتحدة سيعيد خسارة لروسيا بالتالي لابد ان تبحث هي عن مكاسب والمكاسب ماتزال في الشرق الاوسط.
فهل ستستمر روسيا بمحاولات تأدية دور فعال ، كما صرح بذلك بوتين ،وكما رسم ريغور ايفانوف ام ان الدور الروسي سيتسم بالضعف مقارنة مع دور الولايات المتحدة.

العودة إلى الدور العالمي
يتضمن هذا الكتاب السياسة الروسية تجاه المنطقة العربية حيث منذ تولي الرئيس السابق بوتين لمقاليد السلطة في روسيا الاتحادية ،وهذه الدولة – هي وريثة القوة العظمى الثانية عالمياً الاتحاد السوفيتي تبحث عن العودة لممارسة الدور العالمي الذي كانت تمارسه روسيا في الحقب السابقة ،حينما كان يحكم العالم وما بعد الحرب العالمية الثانية قطبان ،كان الاتحاد السوفيتي احدهما ،وكان العالم كله يتأثر بالقرارات التي تصدر عن هذين الطرفين ،اذ كانت السياسة العالمية محكومة بطريقة العلاقة بين القوتين ، ولذلك انقسم العالم المتقدم وشبه المتقدم الى قسمين ،العالم الاول وتمثله الولايات المتحدة والدول الغربية والمتحالفة معه ،في حين بقيت الدول التي لم تنضم تحت جناح هذين المعسكرين في عالم آخر اطلق عليه تمييزاً العالم الثالث.
ولذلك نجد ان السياسة الروسية في عهد بوتين ،شهدت حركة نشطة تجاه القضايا الخارجية ناتجه عن البحث من جديد عما يعيد لروسيا الدور العالمي ذاته الذي كانت تمارسه ايام القوة العظمى ،ومن المناطق التي توجهت اليها روسيا بحركة نشطة منطقة الشرق الاوسط ،وقد تجلى ذلك واضحاً من الدور الذي ادته روسيا في قضايا متعددة مثل قضية العراق والحرب عليه فيما بعد ،ورفضها ان يكون قرار الاحتلال بتفويض من المنظمة الدولية الامم المتحدة ،الامر الذي استدعى من الولايات المتحدة التحرك من دون قرار التفويض هذا ،وايضاً الدور الروسي في عملية السلام بين العرب واسرائيل ،وهو الامر الذي رأت الاطراف الفلسطينية فيه- ولاسيما حركة حماس – عاملا مهما لأحداث ولو نوع بسيط من الموازنة مع الدور الاميريكي المنحاز بنحو كبير الى اسرائيل ،ولذلك نجد ان روسيا استقبلت ولأكثر من مرة ممثلين عن حركة حماس منهم مثلا رئيس المكتب السياسي خالد مشعل ،كما ان روسيا تتحرك بحركة نشطة في الملف النووي الايراني ،ومازالت هي العقبة امام الولايات المتحدة التي تحاول ان تجير المنظمة الدولية لصالح اتخاذ قرارات تخدم مصالحها بالدرجة الاساس ،وكذلك نجد ان روسيا الباحثة عن دور عالمي جديد /قديم مازالت تقف امام المشاريع الاميريكية بالضد من ايران التي تعد روسيا ان علاقتهما معها منم نمط العلاقات الاستراتيجية التي تهم الامن القومي الروسي.
ان الحقيقة التي يمكن الانتباه لها والاشارة اليها ان الاهتمام الروسي بمنطقة الشرق الاوسط ونظراً لطبيعة الظروف والمتغيرات التي مرت بها روسيا الاتحادية عقب تفكك الاتحاد السوفيتي ،وتخليها عن الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة ابان الحرب الباردة ،ومنها التخلي عن فكرة المواجهة مع الغرب ،بل واتجاهها اتجاهاً معاكساً تماماً من حيث تبني نمط التعاون والتقارب مع الغرب على اساس ان علاقات التعاون ستعود عليها بالفائدة، الامر الذي ادى لتهميش دورها في كثير من المناطق العالمية ومنها منطقة الشرق الاوسط لذلك مرت علاقات روسيا واهتمامها بالمنطقة بحالة من الفتور ،لاسيما بعد انتهاء الحرب الباردة حتى وصول بوتين للسلطة في روسيا واتجاهه للبحث عن اعادة الدور الروسي المهم على الصعيد العالمي.

سلطة أميركا وهيمنتها
ولذلك يعود السؤال اليوم ومن جديد عن موقع الشرق الاوسط في السياسة الروسية اذ ان طبيعة الدور الروسي الذي يراد تأديته ،وطبيعة توجه روسيا نحو اعادة بناء قوتها العالمية والعودة لممارسة الدور العالمي الذي كان يمارسه الاتحاد السوفيتي سابقاً ،ذلك يدعوها ويتطلب منها اعادة التفكير الجدي في التوجه نحو المناطق ذات الاهمية الاستراتيجية ومنها منطقة الشرق الاوسط ،هذا عن ان الولايات المتحدة اليوم وفي سبيل الحفاظ على ديمومة هيبتها الاحادية ،فأنها تعمل جاهدة على ان يكون الشرق الاوسط منطقة خالصة ضمن المصالح الاميريكية من دون ان يشاركها فيه احد ، وعليه فعلى روسيا واذا ما أرادت فعلا ان تكون قوة عظمى في ظل نظام قادم تغلب عليه صفة التعددية القطبية ،ان تعمل لأثبات دورها في المنطقة الشرق الاوسط ،وان لا تترك الولايات المتحدة تنفرد فيه ،من هنا تتأتى اهمية البحث الذي يبحث عن دور روسيا وتوجهها تجاه هذه المنطقة المهمة ،وهو دور وان كان حاليا يبدو ضعيفا بالمقارنة مع الدور الاميريكي ،الا ان المقبل من الزمن لابد ان يحمل معه سمة التغيير ،وروسيا اليوم تعمل جاهدة لإكساب سياستها سمة التغيير ،الامر الذي لابد ان يرفد قوتها بعناصر مضافة .ووزعت هيكلتها البحث على اربعة محاور ،تناول المحور الاول الاهتمام الروسي بمنطقة الشرق الاوسط ،من حيث دراسة معنى الشرق الاوسط بالنسبة لروسيا ،وكذلك اهمية هذه المنطقة بالنسبة للمصالح القومية الروسية.

تحديد التوجه الروسي
اما المحور الثاني تناول العوامل المؤثرة في تحديد التوجه الروسي نحو منطقة الشرق الاوسط وتشمل هذه العوامل ،العوامل الداخلية التي تؤثر في تحديد التوجه السياسي الخارجي الروسي ،اذ تؤدي هذه العوامل اما دوراً كابحاً او دوراً دافعاً ،وهي ذو علاقة طردية موجبة مع التوجه السياسي الخارجي اذ كلما كانت العوامل الداخلية جيدة من حيث الوضع الاقتصادي والاستقرار السياسي ،كلما رفد ذلك توجه روسيا نحو الخارج بعنصر مضاف ، والعكس صحيح.
وهناك ايضاً العلاقات مع المحيط الاقليمي ،بصفتها واحدة من العوامل التي تؤثر في قوة السياسة الخارجية الروسية وتوجهها نحو منطقة الشرق الاوسط.
العامل الاخر طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة ،وهو عامل ذو اهمية كبيرة كون ان الولايات المتحدة تعد منطقة الشرق الاوسط وتعمل جاهدة على تحقيق ذلك ،بانها منطقة خالصة للمصالح الاميريكية ان لاتكون لمنافسيها التقليديين – القدماء والجدد – فرصة لتحقيق المكاسب على حساب المصالح الاميريكية.
اما المحور الثالث تناول قضايا اساسية في التوجه الروسي نحو منطقة الشرق الاوسط ،ومنها دعم العلاقات الثنائية بين روسيا والدول العربية ،ايضاً والدخول كوسيط في الصراع العربي الاسرائيلي ،والتعامل مع العراق والمتغيرات التي طرأت عليه بعد الاحتلال ، وكذلك روسيا وقضية الملف النووي الايراني ،واخيراً المحور الرابع ،الذي يدرس الموقف الروسي من الاوضاع في المنطقة العربية بعد الثورات التي ادت الى الربيع العربي.
في السنوات الاخيرة تنبهت روسيا الى ضرورة اعادة تأدية دور القوة الفاعلة في الشرق الاوسط كما كان الاتحاد السوفيتي يفعل.

أولويات السياسة الخارجية
وعادت قضايا الشرق الاوسط وقضية الدور الروسي فيه لتحتل مكانة مهمة في قائمة اولويات السياسة الخارجية الروسية ،بعدها احد الابواب الرئيسة التي يمكن ان تعيد موسكو الى المنطقة ،بعد ان دمرت سياسات الاصلاحيين الروس الجدد الذين سيطروا على مقاليد السلطة في الكرملين طوال عشرة اعوام (1991- 2000) ،العديد من العلاقات بين روسيا ودول الشرق الاوسط.
عندما تفكك الاتحاد السوفيتي وسيطرت عناصر جديدة على مقاليد السلطة في روسيا ،حدث تغيير واسع حول الرؤية الروسية (عالم الجنوب ) المصدر المهم للنفوذ ،اذ اعتقد القادة الروس الجدد ان العالم ليس في الجنوب ولا في المياه الدافئة ،ولكنه في الغرب والشمال ،حيث تقنية المعلومات والتكنلوجيا المتقدمة التي تمكن روسيا من استخراج النفط المخزون في باطن الارض الروسية والمناطق القريبة منها.
اما حاضراً فيعود السؤال مجدداً ،عن موقع الشرق الاوسط في السياسة الخارجية الروسية ،فروسيا تبدو وكأنها تنظر للعالم على وفق خريطة جديدة مختلفة عما كان عليه العالم من قبل جغرافيا وعلى الصعيد الجيوبولتيكي (صعيد الجغرافيا السياسية ) فان تقسيم العالم جغرافياً يتم عبر اربعة احزمة كونية موزعة على خطوط الطول :الاميريكي ،الاوروافيقي ، الاوراسي (التقاء اوروبا واسيا ) ،الباسيفيكي.
وكل حزام يتكون من اجزاء فرعية كبرى ،الشرق الاوسط يمثل في هذه اللوحة واحداً من ثلاثة اجزاء كبرى للحزام الاوروافيقي ،وعلى شماله يقع الجزء الكبير لأوروبا والى جنوبه الجزء الكبير لا فريقيا السوداء.

حرب عالمية على الإرهاب
ووفقاً لهذا التقسيم فان الشرق الاوسط ووفقا لدواغين مؤلف كتاب مستقبل الجغرافيا السياسية الروسية على مفترق طرق ،ويبحث عن مكانة في العالم الجديد ،وقد اضافت (الحرب العالمية على الارهاب ) التي تقودها الولايات المتحدة بعداً جديداً للجيوبولوتيكيا في هذا العالم .ولإدراك روسيا لهذه الحقائق الجغرافية فأنها اعادت البحث عن دورها المفقود عالمياً في ان تكون واحدة من القوى المؤثرة في الشرق الاوسط لاسيما وانها وريثة لمثل هذا الدور.
لقد اشار وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف ،الى الدور الروسي في قضايا الشرق الاوسط اذ قال «اتبعت روسيا موقفاً متوازناً من قضايا الشرق الاوسط ادراكاً منها لأهمية هذه المنطقة على الصعيد الجيوبولوتيكي وعلى الصعيد الاستراتيجي.
لقد كان الهدف هو تعزيز مكانة روسيا على الساحة الدولية ،وقد بدأ العالم يقتنع بأن روسيا القوية والواثقة من نفسها ليست ظاهرة مؤقتة بل تطور جدي عملت عليه الدبلوماسية الروسية ورسخته في شكل قوي ولمدة طويلة مقبلة .وقد تحول هذا الامر الى عنصر مهم على طريق استعادة التوازن في العلاقات الدولية ،والسير نحو ضمان الاستقرار في السياسة العالمية وتحولها الى مسارات مدروسة يمكن التكهن بها بدلا من حالة الفوضى ،وهذا الامر ينطبق على منطقة الشرق الاوسط التي لها اهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لنا ،وقد اثبتت التجربة صحة الموقف الذي دعت اليه روسيا دوماً اذ دلت التطورات المرتبطة بسياسة الولايات المتحدة في العراق وكذلك الحرب الاسرائيلية الاخيرة في لبنان ،على فشل سياسة الاعتماد على استعمال القوة العسكرية لفرض اجندة سياسية.
وتلخصت المواقف الروسية من قضايا الشرق الاوسط بضرورة احلال السلام العادل والشامل في المنطقة ووقف العنف واستئناف المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ،وعدم اللجوء لتسير الانظمة السياسية والشرعية بالقوة المسلحة ،وعدم توظيف مجلس الامن الدولي لخدمة مصالـح دول بعينهـا.

حوار وطني شامل
ففي قضية العراق ،فان الموقف الروسي يقوم على ضرورة اطلاق حوار وطني شامل وقد حان الوقت لدفعه وتعزيزه من اجل التوصل الى وفاق وطني يشمل كل الاطراف بالتعاون مع الامم المتحدة والمنظمات العربية المعنية وكذلك جيران العراق لاسيما ايران وسوريا.
وتدعم روسيا في هذا الوقت الموقف السوري الى حد كبير بل انها تربط بين قضية سقوط النظام في سوريا وبين دورها المقبل في المنطقة اذ ترى روسيا حلقة مهمة من حلقات دورها المهم وقوتها في الشرق الاوسط.
وفي النهاية لابد من القول انه بالرغم من الاعتراف بقدرة روسيا في التأثير على توازن القوى في المنطقة من خلال علاقتها بسوريا وايران والسلطة الفلسطينية وحركة حماس ايضا ،الا ان هذا التأثير يقتصر على الاعاقة ولا يمتد اطلاقاً الى المبادرة باتخاذ القرار والعمل على تنفيذه اضافة الى ان مصالح روسيا مع اسرائيل وحاجتها الفعلية لتحسين العلاقات معها ستحد من رغبة روسيا بالمبادرة التي يرافقها التنفيذ.
ولذلك لا يعول البعض على الدور الروسي كثيراً لما يخدم القضايا العربية ،ويرى في موقفها السلبي تجاه احتلال العراق وتأييدها لقرارات مجلس الامن ضد ليبيا دليلا على الضعف الروسي ،اذ ان الدور الروسي مايزال يعاني من اختلالات متعددة ،حتى يشار الى انه من اخطأ الاعتماد على روسيا على مدى الاشياء الكبيرة في السياسة.
ان استمرار النظام السياسي في روسيا بوصول بوتين مرة اخرى لرئاسته (برغم انه لم يكن بعيداً عن الرئاسة عندما تولاها مدفيدف )،يصب في صالح معادلة استمرار رغبة روسيا بتأدية دور اكبر في منطقة الشرق الاوسط .كما ان الوصول للقوة العظمى وريثة القوة العظمى ،ووفقاً لقواعد اللعبة الصفرية يفرض على روسيا الانغماس المحسوب طبقا لمصالحها العالمية وان أي مكسب تحققه الولايات المتحدة سيعيد خسارة لروسيا بالتالي لابد ان تبحث هي عن مكاسب والمكاسب ماتزال في منطقة الشرق الاوسط. فهل ستستمر روسيا بمحاولات تأدية دور فعال ،كما صرح بذلك بوتين وكما رسم ايغور ايفانوف ؟ ام ان الدور الروسي سيتسم بالضعف ،بالمقارنة مع دور الولايات المتحدة ؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة