الديمقراطية ومعضلة الأكثرية والأقلية في العراق

صادق الازرقي *

يقول الكاتب و المفكر الاميركي الخبير في مجال دراسات المستقبل، آلفين توفلر، في معرض تناوله للسمات الجديدة التي يعيشها المجتمع البشري، فيما يعرف بالموجة الثالثة، التي ربطها في جانب رئيس منها بالتطور التكنولوجي الهائل وثورة وسائل الاعلام، إن «قاعدة الأكثرية لم تعد معياراً للمشروعية المتوازنة، وليست حتماً إنسانية أو ديمقراطية في المجتمعات الماضية إلى حضارة الموجة الثالثة .. الأكثرية نظام أساسي في العهد الصناعي يتزايد تهافتاً على مرّ الأيام، وليست الأكثرية بالأمر المهم، بل الأقلية هي الشيء المهم، وعلى نظم الحكم السياسية أن تترجم هذا الواقع» وهو من خلال تحليله يوضح ان الاقليات تعني الفئات ـ ولنقل المكونات ـ الاجتماعية؛ ويشدد على ان حل مشكلاتها يجب ان يكون ابرز ما يميز المجتمعات الحديثة، وفي هذا يقول ان «قاعدة الأكثرية، كانت في عهد الموجة الثانية، شبه مرادفة للانتصار، بالنسبة للفقراء، لأن هؤلاء كانوا يشكلون الأكثرية، أما اليوم، فإن العكس هو الصحيح،. ذلك أن الفقراء حقاً لم يعودوا يشكلون الأكثرية بالضرورة، وقد أصبحوا في عدد لا بأس به من الأمم، تماماً كبقية الناس، أقلية بين الأقليات».
ويحذر توفلر، من أن «غياب المؤسسات السياسية المناسبة هو الذي يثير الأقليات ويدفعها، حتى إلى العنف، إننا بنا حاجة إلى مقاربات جديدة وإلى أساليب تهدف إلى كشف الفروق بدلاً من سحقها، تحت ثقل أكثريات القيادة، أو الأكثريات المزيفة القائمة على الحقوق الانتخابية؛ أن حاجز الـ 51% حتى في إطار مجتمع جماهيري، كان معياراً سخيفاً وكمياً بالدرجة الأولى».
ينزع السياسيون العراقيون، الذين برزوا على انقاض النظام المباد، الى المفاخرة بموضوعة الاكثرية، فهم يلهجون بها في مناسبة او من دونها، مهاجمين جميع الآراء المخالفة بحجة انهم هم من يحظى بالأكثرية، وان الآخرين ممن لم يحظ بها لا يستحق العيش بصورة اعتيادية، الى الحد الذي عاب احد كبار المسؤولين في حزب متنفذ حاكم في سنة ماضية على احد المفكرين في مناظرة تلفازية آراءه، بحجة ان تياره لم ينل مقاعد في الانتخابات؛ في حين طلب رئيس مجلس الوزراء في الحكومة السابقة من العلمانيين في كلام معروف له، مسارعة الحصول على جوازات سفر والذهاب للعيش في بلدان اخرى؛ لأنهم لم يحصلوا على رصيد انتخابي في العراق!
وعلى افتراض ان نسبة الفقر في العراق تتجاوز الـ 30% وهي آيلة للتزايد مع مرور الوقت بحسب البيانات الصادرة من جهات عدة، وعلى اعتبار انهم على وفق سياسة الموجة الثالثة يعدّون احدى الاقليات وهم اقلية كبيرة قطعاً، فان عدم التوصل الى علاجات ناجعة لتحسين احوالهم برفع مستواهم المعيشي و دمجهم في الاكثرية ـ وهي ليست الاكثرية الانتخابية او النيابية ـ التي لا تعني شيئاً مع الاخفاق الحاصل في تحسين وضع الاقليات المسحوقة؛ تجسد في الإعراض عن مناقشة القضايا المتعلقة بمعيشة الفقراء، وترك كثير منهم يبحثون في اكوام القمامة عن مصدر لعيشهم، في حين يتمتع معظم السياسيين بأموال كبيرة كان يفترض ان تذهب لحل مشكلة الفقر وتوفير اسباب الحياة اللائقة بالفقراء، وهو ما تشترطه متطلبات سياسة الموجة الثالثة؛ كي لا تسد المنافذ امامهم فيلجؤون الى العنف بأشكاله، مثلما يحذر منه منظرو تلك السياسة.
والمفارقة هنا، ان حلول المشكلات بحسب ما يطرحها واضعو نظريات سياسة الموجة الثالثة، وبحسب ما اشار اليه، توفلر، تعتمد على التراكم المتولد عن الوضع الناجم من المرحلة السابقة، الذي انبثق من الموجة الثانية الذي يتمحور حول سياسة التعاطف الانساني والاخلاق والقوانين الوضعية التي تهتم ببني البشر، اذ يقول «يحتاج المجتمع إلى افراد يكونون رحماء فيما بينهم وصادقين مع بعضهم.. يحتاج المجتمع إلى جميع أنواع المهارات والمعارف التي لا تكتفي بكونها مهارات فنية لا غير؛ بل ان يكون حاملو هذه المهارات والفنيات يتمتعون بعواطف ووجدان»، نجد ان كلاماً كثيراً يشبه هذا يتردد على السنة سياسيينا بصورة دائمة، حين يجزلون الحديث عن الرحمة والفضيلة، في حين يعمل كثير منهم بخلافه في الواقع، اما في الغرب فانهم لا يتحدثون به الا على السنة منظريهم، في حين يطبقونه يومياً بصورة فعلية، ويضعون القوانين الكفيلة بتحقيق الرحمة والعدالة، وتكريس الفضائل الحقيقية؛ التي ترفع من شأن الانسان بصفته قيمة عليا.
اننا نرى، ان التعويل على امثولة الاكثرية السياسية أو النيابية، اصبحت جزءاً من تراكمات الماضي، ولن تكفي وحدها لوضع الحلول لإشكالات الحياة، والسعي لإنجاز مجتمع امثل؛ ولكن المقياس اصبح يتعلق الآن بتلبية مطالب الاقليات وبضمنهم الفقراء ومحدودي الدخل، خوف ان يتحولوا الى اكثرية ـ تشير بيانات وزارة التخطيط الى ان نسبة الفقر في العراق كانت 19% قبل ان تصل الى 30%ـ أو يلجؤون الى العنف او يسهموا فيه، وتلك امور تزاد المخاطر منها بالذات في مجتمعاتنا التي تتحدث ليلاً ونهاراً عن الاخلاق والشفقة، في حين تنأى بنفسها عن تطبيق الامور التي تلبي ذلك او تعمل على تحقيقه؛ ما يوفر بيئة ملائمة للانهيارات المتعاقبة في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والامنية، وهو الأمر الذي يقر بتواجده حتى السياسيون الذين كثيراً ما يعربون عن عجزهم في فهمه او معالجته؛ ما ادى الى تراكم مخاطره وكوارثه يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة أخرى، الى الحد الذي دفع اعداداً متزايدة من الناس جاوزت اكثر من نصف المجتمع لتنأى بنفسها عن الذهاب للإسهام في الممارسات الانتخابية، بعد أن ادركت ان مفهوم الاكثرية النيابية او السياسية، لم يعد يعني شيئا، ولن ينفع ازاء الاخفاق المتواصل في تلبية مطالبهم وتحسين احوالهم و الغاء الفوارق بين الاكثرية والاقلية.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة