استفحال المرض الطائفي

الجنون والقادة ـ 3

سهيل سامي نادر:

تعترف المنظومة الديمقراطية بالاختلاف السياسي ، وإذا ما تطور وشكل أزمة فهي قادرة على أن تجد له حلولا متعددة : الإحتكام الى الدستور ، اللجوء الى المحاكم ، التنازلات المشتركة ، التفاهم المشترك. أما الطائفية فتحتكم الى الدين وتحيل الجميع الى نقاط تقع خارج الحاضر في حين أنها معبأة بسياسة التحكم بالحاضر ، وهي تنزع بواسطة الاحتيال والقوة ، الى أن تكون المصدر الوحيد للحقيقة.

الطائفية السياسية
تعد الطائفية السياسية أكبر مصدر للجنون السياسي في عراق اليوم وليس الخلافات ذات الطابع السياسي. بيد أن الخلافات السياسية التي خبرناها في العراق لا تشكل إلا الجزء السطحي والهش من البيئة السياسية ، أما في العمق فقد ألغمت الطائفية السافرة هذه البيئة بالفظاظة والفساد والجهل والتفاهة والتخلف وانعدام أي هدف له قيمة في إعادة بناء الدولة والمجتمع. إن كل ما هو سياسي تطيّف ، وكل ما هو طائفي تسيّس . اللعب يجري رواحاً ومجيئاً بينهما حسب المصالح والمواضيع المطروحة وميادين العمل .
في بيئة كهذه وجدت عصابة داعش الإجرامية موطئ قدم ، لتتمدد وتحتل مدناً وبلدات عراقية عديدة . والآن تريد الديماغوجية السياسية للسلطة أن تنسينا هذا ، تنسينا أن داعش تسللت وأخذت موقعاً هجومياً مستغلة الاوضاع والمشكلات التي تراكمت طيلة السنوات الثماني من حكم المالكي التي ظلت بلا حل . إن تسليم الموصل للداعشيين مرّ من دون تحقيق جدي ، والتحقيق بجرائم سبايكر ومواقع أخرى يجري الالتفاف عليها ، والتحشيد الوطني في الحرب ضد داعش جرى بمعزل عن إعادة تقييم السياسات السابقة ، وهو يلغم بين الحين والحين بشاعات وتطيرات ذات مضمون طائفي ، وبالعكس ظلت خطوط الأخطاء القاتلة هي نفسها ، يبللها الدم العراقي كما كان الأمر دائماً ، فيما غطت الحرب على ساسة بلا مؤهلات.
إن التجربة السياسية التي صنعت كل هذا الهدر في الدم والطاقات والاموال والوقت ستحول الدم العراقي الى لعبة سياسية شائنة ، كما تحول نصر الرجال الى سيولة مالية في البنوك . هذا ما أتوقعه إذا لم تتغير آفاق العمل السياسي ، وإذا ما ظل الفاسدون أنفسهم بمنأى عن المحاسبة والعقاب .
إن سياسة تجريدية غير معنية بحياة الناس ولا مستقبل البلاد تحولت في شروط الصراع الطائفي الى عمل تنسيقي ينهار ويعاد ترميمه دائماً ، مهمته الأولى الحفاظ على مصالح سياسيي الطوائف الذين أفسدتهم السلطة . إن ما اقترفه القادة السياسيون بعد 2003 هو الغدر بحق مواطنيهم ، فنزاعهم الذي توضحت معالمه منذ المنافسة الانتخابية الأولى ، ظل يستهلك عناصر هذه المنافسة خارج إطار الوضع الواقعي الذي يعيشه الناس من لقمة عيش وأمن وكهرباء وماء وصحة وتعليم وثقافة وثروة . ليس لهذا اسم غير الجنون السياسي الذي يستدعي الحجر الصحي قبل السجن بتهمة الخيانة.

50 الف فضائي
ما الذي حدث بعد أن كشف العبادي عن وجود 50 الف فضائي في المؤسسة العسكرية؟ لاشيء . لقد منحنا عربوناً على حدوث تغيير، لكن التغيير لا يحتاج الى تفجير قنابل فضائحية يعقبها الصمت ، بل الى برنامج عمل يتفق عليه الجميع قائم على الشفافية ، واجراءات تستند على الحقائق وتصب في مصلحة المواطنين . وماذا جرى بعد اكتشاف أن الخزينة فارغة؟ لا شيء . موضوعياً قدمت داعش للسلطة تبريراً لتأجيل المساءلات الوطنية الكبرى . كلف الحرب ضد داعش ليس الدم الغالي وحده ، بل والديماغوجية السياسية ، وزيادة نسبة التسييس الطائفي ، ونسيان ملفات الفساد والصفقات المشبوهة والهزائم المذلة .
إن جميع الظواهر النفسية لسياسيينا في أثناء العمل تحاول أن تخفي الأصل التي تصدر عنه ، فضلا عن وجود دوافع مخفية حتى عن أصحابها ، وعناصر من الوضعية العامة للمنافسة والصراع ، والمراجع الاجتماعية والثقافية. إن ما يفسر الطحن السياسي وضجيجه المتواصل من دون نتائج فعلية هو أن السياسة في العراق منذ 2003 تأسست على العشيرة والطائفة والجماعة الحزبية الضيقة . من هنا علينا أن نتوقع النتائج السيكولوجية الآتية: الشك ، الخوف ، الشعور بالتهديد ، عدم الثقة ، اختبارات من أجل اعادة الثقة ، اختلاف ما بين القول والعمل ، ما بين الكلام والتفكير الداخلي ، التآمر ، الاتفاقات السرية.
هذه كلها أمراض تعالجها العيادة الطبية. الطائفية السياسية تطلقها بأسماء أخرى ، وتعيد إنتاجها في تزويقات وألوان مختلفة، ويمر رجال مختلفون من تحت قوس نصرها المزيف ، فيتلوثون ويفسدون ، ثم تعاد الكرة . لكن مصدر الداء يبقى هو نفسه ، مقترناً بالضعف الشخصي والتفاهة الاخلاقية وانعدام الفضيلة. إن تطييف السياسة هو أحد أكثر الملوثات للشرف الوطني ولقوى العقل الفردي والجماعي.
الكراهية للحداثة
إن واحداً من أسرار كراهية المتأسلمين للحداثة هو أن الحداثة ، بالتضافر مع تنظيم الدولة المدنية، تمنع التحايل الذي يبديه البعض على أساس من تميزهم الطائفي والأثني ، فهي إذ تعترف بالاختلافات ، تعيد تشكيلها وتوجيهها في إطار دولة القانون المدنية. الحداثة من وجهة نظر سياسية تجد تعبيرها في الدولة المدنية وسيادة القانون ، أي أنها تعترف بالقانون كإطار مرجعي عام مانحة اليه التعالي والاستقلال عن النظام السياسي ، وعلى العكس يسيّس المتأسلمون التاريخ السياسي كله ، فلا يعود هناك غيرهم في الساحة السياسية ، فضلا عن تسييس الولادة والموت ، عندها تنتج كل خطوة مشكلة ، وكل مشكلة يجري تسويف حلها.
إن مصدر الداء للخلافات السياسية لا يكمن بوجود آراء مختلفة ، فمشكلة العراق من العمق والتشعب بحيث تحتاج الى نفير وطني عام ، فما من شيء يقف على قدميه ، وهذا هو السر في أن كل البرامج الانتخابية ظهرت متماثلة مليئة بالوعود و(القشمرة) ، ولا أحد أحسن من أحد بالديباجات والتسامي. ففي بلد حرثته كارثة لا يتناقش الناس أيهما أفضل وجود مجلس للوزراء بصلاحية مطلقة مع وجود مجلس تخطيط استراتيجي بلا صلاحية او بنصف صلاحية ، بعلاوي او المالكي او الباججي او الجلبي أو دولة القانون او الوطنية أو أو..
إن أسوأ سياسة هي تلك التي تخفي سياسة أخرى ، مع أمراض وعقد جماعية خاصة بالطوائف والعشائر والجماعات الاهلية والاحزاب التي تحتاج الى سفن وربابنة طريق فتخترعهم في خيالها او يأتيها منقذون جبابرة يغذونها بالمخاوف قائلين وهم يدقون صدورهم : نحن لها!
في الأيام التي كان يصوغ فيها أفكاره على نحو نقدي ، انتقد المالكي المحاصصة بقسوة ، ولم يرها آنذاك تعبيراً عن توافق طائفي على المستوى السياسي، بل وجدها نظاماً فاشلا يعوق بناء الدولة. كان محقاً بالطبع، لكنه في التفاف لا يخلو من تعقيد نفسي بات رجل المحاصصة الكبير. لقد أراد أن يكون المتفضل الأكبر ، ما جعل المحاصصة لا تبدو شكلا من أشكال التوافق ، بل باتت شكلا منحطاً من أشكال نظام المكافآت.
عندما ظهرت نتيجة انتخابات عام 2010 ، من دون أن يأخذ القدح المعلى، استنتج المالكي وهو في خضم نشاط شمل طائفته قبل كل شيء ، أن القبض على السلطة في شروط غير محسوبة جيداً يجري عبر خلق أزمة ، وعرقلة المنافسين الآخرين، أي الدخول بصراع مؤلم. بيد أنه أعطى تبريراً أوسع لسلوكه التآمري وهو تجنب صراع طائفي أكبر يدمر العراق. لقد استوعب آنذاك فكرة أن يكرس نفسه كمنقذ ، وأن عناده برفض نتيجة الانتخابات سببه إنقاذي . لقد خوّف الطائفة : البعثيون! ، ثم أعاد طمأنة الطوائف الاخرى ، بتوسيع المحاصصة والحصول على رضا الأطراف السياسية علنا وسراً. (سيكرر التخويف بفتح أبواب جهنم في ما بعد).

اكبر وزارة في تاريخ العراق
بسبب توسع المحاصصة شكّل المالكي أكبر وزارة في تاريخ العراق لم تحقق مكسباً واحداً ، واعترف في واحدة من لقاءاته الصحفية في «السومرية» ، بأنه فعل هذا لأنه ملتزم بواقع سياسي. إن هذه (الواقعية) السياسية جرى تضخيمها ، ولاسيما أنها لم تقترن أبداً بمعايير الكفاءة المهنية والاخلاقية. الغريب أنه ، وهو المتكلم الذي لا يخشى التعبير عن أفكاره الخاصة، أقرّ بأن هذا التمثيل سيء ، لكنه واقعي، بل إن الدلالة الطائفية التي كانت لا تمر في كلامه قالها كتعبير عن الواقع. وهكذا يبدو أن التعبير عن الواقع مرر مرتين ، مرة بوصفه تعبيراً عن إرادة طوائف ، ومرة كتعبير سياسي ، ووظيفة مثل هذه السياسة هي الحفاظ على التوافق السياسي أو الوحدة الوطنية ، وتجنيب العراق الصراع . إذن هو اعتراف بأن الواقع الحالي لم يرضه شخصياً، وأن طموحه شيء آخر- وإن لم يحدده – وأنه في نهاية المطاف ملتزم بسياسة واقعية تأخذ بالحسبان مصالح مكونات طائفية وسياسية. لكن هذه (الواقعية) مررت وزراء ومدراء وخبراء وعسكريين لا تحددهم مقاييس مهنية، ووظيفتها السياسية – الطائفية أعم وأغلب ، ما جعلت وظيفة رئيس الوزراء العامة تبدو أشبه بمكتب سكرتارية واسع ، يعج بالملفات التي لا تقرأ ولا تقيّم الا إذا كانت عاجلة بالمعنى السياسي – الطائفي ، ومنها، ولاشك ، جميع الملفات التي تتهم الآخرين والتي شكك الكثيرون بصحتها.
تستحصل النتيجة الأخيرة من الأوصاف التي قدمها المالكي عندما تحدث عن تقييماته الشخصية لوسائل الإعلام. فهو غير راض، إلا أنه ينفذ إرادة المجتمع السياسي، بالأحرى إرادة المكونات الطائفية – السياسية، إنه كذلك غير مسؤول عن اختيار وزرائه بل تقع المسؤولية على عاتق المكونات أو الكتل النيابية. إن عدم مسؤوليته ترقى الى فضيحة سياسية .. لكن نظام المحاصصة يُشرك الجميع بالإثم فيسدّ أفواههم. هكذا جرى بناء الوحدة الوطنية ودولة القانون في العراق الجديد!
السؤال : هل كان يقوم بوظيفة رئيس وزراء أم هو منسق عام ما بين الطوائف وممثليهم في مجلس الوزراء؟ حتى الآن يبدو أننا إزاء وطيس سياسي نفسي لا نتوقع منه أن يحل اية مشكلة. إنها أشبه بلعبة «بيت بيوت» التي تلعبها البنات الصغيرات تمثل فيها بضعة أحجار قاعدة مادية لإثارة خيالات طفولية عن عالم البيوت وأسرارها.
لكننا نعرف بالمقابل أن تلك الأوصاف مثّلت السطح السياسي المعد للاستهلاك الإعلامي ، أما في العمق، فإن المالكي واصل بناء سلطة تستجيب لطموحاته معتمداً على الوزارات القوية التي تقرر النتيجة النهائية في وضع السلطة داخل قبضته ، وإعداد ملفات عن متآمرين ، والاستيلاء المنظم على الهيئات المستقلة. لقد أدار بنفسه وزارتين أمنيتين بمساعدة أشخاص غير مدربين ، كما قبض على جميع المؤسسات الامنية السرية . تلك هي سياسة غير معنية ببناء دولة القانون بل معنية بالمحافظة على نظام سياسي وحقل كامل من العادات التي أريد لها أن تثبت بمرور الزمن لتصبح تقليدا مؤسساتيا يقوم على توزيع طائفي مسيطر عليه، كما في لبنان.
ليست المرة الاولى التي أشير فيها الى لبنان الذي أراه مختبراً سياسياً في إدارة الطوائف والتنسيق ما بينها ، لكن هذه المرة أشير الى أن حزب الله اللبناني اختبر التنسيق السياسي والثقافي ما بين ولاية الفقيه الايرانية التي يدين بها الحزب ويفخر ، وبين الديمقراطية اللبنانية المبنية على التمثيل الطائفي . إنه درس قابل للتعميم بما فيه من مخاطر وكلف. فبعد السيطرة على المتغيرات والإمساك بشذوذ الحالة العراقية وعدم استقرارها ، قد يظن البعض أن النموذج اللبناني المحروس بواسطة المليشيا ، والذي يجري تفحص علاقات القوى فيه بين فترة وأخرى ، عن طريق التنسيق ، أو عروض القوة والاكتساحات العسكرية ، قابل للتطبيق في العراق.

وحش اسمه داعش
إن الأكلاف المتوقع دفعها في هذا الانموذج الديمقراطي على الطريقة اللبنانية والذي تمارس فيه أعمال التنسيق هي التوتر الدائم بين السياسي والطائفي الديني ، مع توقع حصول فيضان الثاني على الأول بين الحين والحين ، لننتهي بوصول السياسة الى حالة من الامر الواقع التي تزداد تصلباً وتحكماً ، مع تحسين الجسور المقامة بين الطوائف. إنه باختصار شيء جنوني يمده «المنسق العام» بعوامل الديمومة وبقاء السلم الأهلي الى حين.
لم يفشل المالكي في مخطاطاته «اللبنانية» بعد ، وإن فقد المنصب الاول ، فتوزيع الرئاسات الثلاث اقترب من الثبات كتقليد ، والمحاصصة على أساس التمثيل النيابي متواصل . في كل الاحوال لم تعد إرادته الشخصية هي التي تقرر بل التفاعلية الطائفية السياسية التي قام هو بتجديد محركاتها. كل ما في الأمر أنه لا يمتلك عنصر الذكاء والمعرفة لجعلها تمضي كما يشاء ، وبالعكس أنتجت ، بمصاحبة الأزمة السورية ، وحشاً اسمه داعش .
حتى بعد انكشاف نظام المحاصصة وفساده ، واعتراف جميع القوى السياسية بأنه نظام سيء ، شكلت الحكومة الحالية ما يدعى بـ «لجنة التوازن الوطني» لتوزيع 550 منصباً بدرجات عالية (رئيس هيئة مستقلة، وكيل وزارة، مدير عام، مستشار وسفير..الخ) على الكتل السياسية بحسب نسب تمثيلها في البرلمان. وكالعادة لا الحكومة قادرة على تفحص الكفاءة المهنية والأخلاقية للمرشحين ، ولا الكتل النيابية والقوى السياسية تهتم لهذا الامر. إن المتخلفين والفاسدين لن يختاروا إلا أشباههم ، وتوزيع المناصب لا يمثل الوحدة الوطنية بل هو رشوة ، والسياسة التي تنزل الى مستوى أعمال التنسيق المكتبي سياسة صبيان!
ألم يمر الدواعش من تحت كراسي هؤلاء ؟ ألم تمر السيارات المفخخة من سيطرات فاسدة؟ هل يجب أن ننسى كل هذا من أجل عيون حمقى وفاسدين ومشبوهين؟
لقد تسللت داعش في ظروف الانكشاف السافر للسلطة ، والفشل في إدارة الدولة على أسس وطنية حديثة. إن داعش زفرة طائفية كريهة في بلد سممته الروح الطائفية ، ومجتمع منقسم تحكمت به سياسة فاشلة حضارياً.
الآن ، في ختام هذا العرض عن جنون القادة والجنون السياسي بوجه عام ، علينا التذكير ببعض الحقائق التي تلخص الوضع الراهن : ما زالت السياسة تقف بعيداً عن برامج الاصلاح السياسي ، والمحاصصة باتت تقليداً سياسياً ، والبلد مملوء بالاسلحة وتعصف به التدخلات الأجنبية من كل جانب ، ويخوض حرباً قاسية ضد الارهاب .
بدلا من الاستسلام للديماغوجيين الصاعدين على أكتاف الشجعان والشهداء ، تذكّروا معي الأخطاء المميتة التي حولت بلدنا الى مقبرة كبيرة . تذكروا أن الطائفية بجميع أشكالها وألوانها هي التي وقفت ضد تطلعات شعبنا في العدالة والديمقراطية والازدهار والسلم الاجتماعي . لنأمل معاً أن يكون القضاء على داعش مفتاحاً لحل وطني شامل ، وعتبة للقضاء على مجانين الطوائف ولصوص السياسة!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة