رأس مقطوع

لم يحدث تغيير كبير تغيير في المناهج ودفق المعلومات التي تقدم لطلاب العلم ماعدا تغيير واحد وهو انتقالها من تحت رحمة السياسات الفاشية إلى تحت رحمة السياسات الطائفية. تزحف (ثقافة اللّحد) على ما يمكن أن يكون برقا مُنبثقا من لذّة العَقْــل.
كانت الصورة التاريخية القريبة لنهضة التعليم في العراق أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عبر تفعيل ماكنة التعليم ابتداء من وجود المدارس الرشدية إلى أكاديميات محترفة في مجالي العلوم الطبيعية، والإنسانية. تم توفير أمهر الأساتذة وأحدث المختبرات في المنطقة فضلا عن وجود خطة ابتعاث فيها خير وقبول في مقاعد دراسات عليا؛ الأمر الذي أسهم في انتاج دفعات متميزة من الخرجين قطعوا الشوط ووصلوا مرتبة مفكرين كرسوا جهدهم لفحص الواقع العراقي بكل أبعاده وحاجاته الإنسانية والعلمية. وقد كان أمر التعليم المتقدم رديفا حيويا ودافعا مهما لتنمية الثقافة بشكل عام التي واكبت مراحل تطور المجتمع وفحصت إشكالاته بكل دقة وأمانة وعلمية. واليوم أصبحت مفردات الدقة والأمانة العلمية من الألقاب المذمومة وحلت محلها خلطة غريبة من الشهادات ودالات الدكترة، وربطات العنق!
تبدأ حكاية سقوط التعليم في العراق، مُنذ شيوع تبعيث، وعسكرة الحياة؛ حيث انكمشت طاقة الانفاق الحكومي من كل المفاصل الحيوية في البلاد بعد أن اتجهت وتكرست لتأمين البارود والبنزين وأعواد الثقاب لتسلية حروب القائد الضرورة. ويستمر العدّ التنازلي بعد 2003 فيشقّ التعليم طريقه بين فيافي رحلته الرحلة الكابوسية المتعددة الوجوه، واستقر على سرير المرض يعاني من آلام سايكولوجية مُستعصية.. كيف يمكن أن يبدأ انطلاقة ونشأة جديدة، أو يتم العمل لإنتاج حلول من شأنها أن تعيد سكة مفصل التعليم العراقي إلى السير في الطرق السليمة ؟
في ظل وجود ديمقراطية اسمية لا يمكن بأي حال من الأحوال المطالبة بنمط تعليم جوهري. ومن الطرافة أن يكون مفصل التعليم في عراق اليوم هو المضاد الرسمي الذي يعيق تجوهر الديمقراطية كنظام وقيم داخل المجتمع العراقي. وفي هذه الحال ستكون دروب الحزن طويلة وشاقة وهي تبحث وسط هذا الظلام والشحوب القيمي عن بصيص عزاء. ولابد من الفهم أن الإشكالات الماثلة هي إشكالات سلطة يتم التنازع على حيازته في المشهد العام بذخيرة تاريخية معقدة لا تتلاءم مع حاجات الحاضر الذي يتجه بتطلعاته إلى أن يتحول العراق إلى مشروع الدولة.. لكن الأمر المؤسف هو عدم وجود حزمة ساندة للبناء الديمقراطي كي تبدأ حكاية إقلاعة التعليم من الرّماد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة