الأخبار العاجلة

حول مشروع قانون اجتثاث البعث

سلام مكي *

يظهر ان الحرب التي تخوضها القوات العراقية المسلحة المدعومة بقوات الحشد الشعبي ضد الارهاب في تكريت، تسببت في لفت انظار الساسة العراقيين، عن مشاريع القوانين التي تنتظر الاقرار منذ عدة سنوات. هذه المشاريع التي لأجلها تم تشكيل الحكومة بوصفها انها جاءت ضمن الاتفاق السياسي بين الكتل المتنفذة داخل مجلس النواب. هذا الاتفاق الذي يتضمن مجموعة بنود منها تشريع قوانين معلقة كقانون اجتثاث البعث وغيره. هذا القانون الذي كان مثار جدل بين الفرقاء السياسيين منذ التغيير ولحد الان.
ان ملف الاجتثاث يجب ان يحل بطريقة عقلانية وبعيدة عن الانتماءات الطائفية والمذهبية، لأنه ملف يخص شريحة واسعة من العراقيين، ويسهم في حلحلة الوضع الأمني بدرجة كبيرة. المشروع المسمى بقانون المساءلة والعدالة وحظر حزب البعث ما زال محل جدل وخلاف كبيرين بين الكتل السياسية. المشكلة التي تثار حاليا حول هذا المشروع هو ان هناك نسخا عديدة ترسل الى البرلمان، فمثلا صرح احد المسؤولين قائلا: ان هناك كتلا سياسية عمدت الى زج ثلاث نسخ من قانون المساءلة والعدالة الى اروقة البرلمان، لأن بعضها لديه اجندات سياسية خاصة! فهل يعقل ان مؤسسات الدولة تمارس فعل التزوير؟ هل يعقل ان المؤسسة التنفيذية تزور مشروع قانون لغايات شخصية؟ وبالعودة الى ما يتضمنه المشروع، فهو يعطي رواتب تقاعدية لمنتسبي الاجهزة الامنية السابقة واعضاء حزب البعث ممن لم تتلطخ ايديهم بدماء الابرياء. فضلاً عن انشاء صندوق خاص لحصر اموال النظام السابق وتوزيعها على المتضررين منه وذويهم!
وبما ن الكثير من المسؤولين في الاحزاب المتنفذة يستغلون بيوتاً واراضي تابعة لرموز النظام السابق، فعليهم فيما لو تم اقرار هذا المشروع ان يخرجوا من تلك البيوت او تقوم الحكومة ببيع تلك العقارات وتعويض اصحابها من مسؤولي النظام السابق عنها. فهل يعقل ان الحكومة تخرج المسؤول الفلاني الكبير من البيت الذي كان يسكنه منذ عشر سنوات مثلا لتعطيه لذوي وزير في حكومة صدام مثلا؟ المشكلة الكبرى التي يجب على المشروع حلها هي مصير البعثيين، بشتى مناصبهم ورتبهم. فمن المعلوم ان التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز الاتحادية، تعد ان افعال النظام السابق ما دامت صادرة على وفق قانون نافذ في وقته، فتعدّ صحيحة! وان ارتكاب فعل في زمن ما، يبيحه القانون، لا يمكن تجريمه بعد سنوات! بمعنى ان عضو حزب البعث، عندما كان منتمياً الى الحزب، فهو لم يخالف القانون، وبالتالي، فإن انتماءه لحزب البعث، لا يجب ان يكون مبررا لتجريمه أو حرمانه من حقوقه الاجتماعية والسياسية! محكمة التمييز الاتحادية ردت الكثير من الدعاوى التي رفعت امامها والمتعلقة بقانون هيأة دعاوى الملكية، اذ عدت ان الاموال التي صادرها النظام السابق صودرت وفقاً لقانون نافذ، وبالتالي لا يستوجب تعويض اصحاب تلك الاموال، حتى لو كان التعويض زهيدا ولا يتناسب مع قيمتها الحقيقية. كذلك عدت ان العراقي المسقط عنه الجنسية العراقية ممن يسمون بالتبعية الايرانية غير عراقيين في ذلك الوقت، والقانون لا يسري الا على العراقيين! وكأنها تقول لنا: ان فعل النظام السابق كان حسناً! فعلى وفق هذا المنطق، فان البعثي في ذلك الوقت لم يكن مخالفا لقانون حتى تتم معاقبته في هذا الوقت! والمفروض ان تتم معاقبة المجرمين الذين تلطخت ايديهم بدماء العراقيين الابرياء.
على الحكومة والكتل السياسية ان تحول ملف البعثيين الى القضاء، فالبعثي الذي لديه سوابق وعليه شكاوى جزائية يجب معاقبته على وفق القانون اما من لا توجد عليه شكاوى ولا احد يطالبه بحق، فعلى القانون ان ينصفه بمنحه جميع حقوقه الدستورية. القضاء العراقي نفسه عد ان افعال النظام السابق مشروعة ما دامت مستندة الى قانون، فيجب عليه كذلك ان يشرعن الانتماء الى حزب البعث في ذلك الوقت، لأنه وكما قلنا لم يكن مخالفا للقانون. اما محاسبة البعثيين لمجرد انتمائهم لحزب البعث، فهو امر يخالف التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز.
ان فعل الاجتثاث، تسبب بالكثير من المشكلات للحكومة ولشريحة كبيرة من العراقيين. فهو تسبب بكسب اعداء للدولة، وتحول فئة كبيرة الى جانب الارهاب بدلا من جانب الدولة، وتسبب بالفاقة للكثير من العائلات. كما ان هناك الانتقائية، اي تطبيق القانون على فئة من دون اخرى، فبعض المنتمين الى حزب البعث، يلاحظون ان زملاءهم اعتلوا مناصب ادارية وسياسية مهمة في الدولة، بينما هم محاربون ومبعدون عن الساحة السياسية، بل عن وظائفهم، ومطاردون من الدولة. هناك الكثير من البعثيين، تم قتلهم منذ الايام الاولى للسقوط، وهناك من هربوا الى خارج العراق، ولكنّ هناك بعثيين، ما زالوا موجودين، يسيرون بكل حرية، من دون ان يتعرض لهم احد، وهذا يدل على انهم لم يرتكبوا جرائم بحق احد. ولكن الدولة وفقا لقانونها جرمتهم!
ان موضوع البعثيين يكاد يكون انسانيا اكثر منه سياسيا، وعلى جميع السياسيين اخذ هذا الجانب بالحسبان، فلا يمكن المساومة عليه، كما ان الشريحة التي يستهدفها القانون تشمل جميع الطوائف ولا تقتصر على واحدة من دون اخرى، لذلك يجب ان تتبنى جميع الكتل السياسية هذا المشروع، وان تحوله الى قانون ناضج، يحقق العدالة بين شريحة مهمة من العراقيين.
المشروع، يجب ان يستهدف تحقيق العدالة، اما فكر حزب البعث، فهو امر مفروغ منه على اعتبار ان البعث محظور دستوريا ولا حاجة للحديث عن هذا الموضوع. الفكر البعثي انتهى بنفاذ الدستور، ولكن البعثيين، يجب حل مشكلتهم نهائيا.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة