«الذباب والزمرد».. اشتغالات السرد وشواهد الإدانة

جابر خليفة جابر

المألوف تكرار، تعافه الذائقة التواقة للجدة والتغيير، القارئ كمشارك في إنتاج النص أو الرواية لا يستسيغ عادة ما هو استنساخي ومعاد.
ما ألفه من مكان وأحداث مماثلة للواقع النصي، قرأه ربما مراراً، المألوف عار أمامه ومكشوف، ولا يسيل لعابه إلا أمام المخفيات من الأشياء، ثمة مثل أوروبي يقول: “أجمل امرأة عند الشاطئ تلك التي ترتدي ملابسها”.
ولا يحفزه المكرر الممل على التحليق بقراءته ولو قليلاً ولا يساعده في إعادة تخليق النص..
القارئ هو المؤلف الحقيقي للنص كما تقول نظريات القراءة أو هو المؤلف المشارك..
من هنا لن يكون النص منجزاً من دون قارئه، القارئ المنجذب للجديد، للمتغير، لكسر الرتيب، لن ينجذب القارئ من دون جدة..
* *
رواية “الذباب والزمرد”، مكانها وزمانها وأحداثها وشخصياتها، في البصرة، وأنا كقارئ طبعاً، ابن البصرة الماسح في كل آن لإشاراتها وسيميائها ودقائقها..
ترى ما الذي أبدعه عبد الكريم العبيدي ليشدني؟، وكيف أحال المألوف الواقعي إلى جديد ومدهش في روايته وجاذب؟
من الأسطر الأولى شدتني الرواية بتعبير الكاتبة “سهيلة بو رزق” حب من أول نظرة.
أنا الآن أعرف شخصياتها واحداً واحداً، ومن قراءة واحدة فقط، وأحب منهم بل أعشق أوسم، أوسم الشهيد، أو القتيل، أو المنتحر..
أعرف شفيق الخصيباوي جيداً أكاد أرى مشيته ولهجته المحببة وحركاته وأساليبه في التحايل والتمثيل والسخرية من الآخرين، أعرف ابن خاله داود وإن أخفته الرواية!
أعرف بشير وجراديغ التمور وأزيريه القس أو الراهب أو الشماس الحالم بالسلام وأعرف فيان أخته، وأخت أوسم، أعرفهم، أعرف حتى كمرة ضحية الزمرد، أعرفهم جميعاً وأحبهم أيضاً، كلهم بشكل ما يمثلون أوسم، أو، إن أوسم يختصرهم معاً، ربما يختصرنا جميعاً، ربما يختصر العراق!
* *
لأدقق قليلاً في قميص أوسم، واشتغالاته، وأبدا بثريّا الرواية أو المكثّف الأول لها، العنوان “الذباب والزمرد”..
علاقة الذباب بالزمرد اختصار لكل أحداث الرواية وتشابكاتها، لا تدخل الذبابة مكاناً فيه حجر الزمرد ومن خلاله كان نيرون رمز الطغاة يتسلى بمشاهدة عبيده وهم يتصارعون حتى الموت، يتصارعون لتسليته، هذا هو مختصر الرواية، الطاغية الزمردي وعبيده الذباب..
غلافا الرواية، وجهها والأخير، يعلنان معاً هذه الثريّا الكاشفة.. يعلنان الزمرد، ويعلنان الذباب.
لكن اتجاه النظر هنا غير محدد، زاوية النظر، من الزمرد المستعلي على ما يرى من ذباب، أم من أعين من يراهم الزمرد ذباباً ويرونه بدورهم زمرداً أو مجرد نيرون!؟
لوحة الغلاف الأمامي ترسم ذبابها على هيأة أسلاك شائكة أو عقد أسلاك.. اختيار طريف فعلاً ومبدع.
حينما يكون الشعب ذباباً فعلاً ويتصارع لتسلية نيرون الطاغية، فان من السهل عليه أن يتصيّر أسلاكاً تأسر الآخرين ممن يتمرد على الزمرد ونظرات الزمرد وقباحاته.
* *
“لا استطيع أن أتصور في بصرياثا قوالاً بلا منبر، أو، مواطناً بلا نول، المنبر والنول شعار هذه المدينة السري”..
بهذا المقتطع من بصرياثا قدم المؤلف لروايته، ليقول لنا لقارئه، لأي من يمر بها، إنها روايته أيضاً، نوله- نول القارئ- أو منبره، لا تختص بالمؤلف ولا بالقارئ ولا ببصرياثا أو البصرة، بصرياثا هنا مدينة تضم العالم كله على امتداد الجغرافيا وعلى امتداد التاريخ أيضاً، صوت الجميع أو لسان ناطق عن البشر المضطهدين/ البشر الذباب “كما يراهم الطغاة”..
* *
فصول عشرة، خاتمتها، الصفحة الأخيرة، يعلن الراوي وأسميه “ك” عن ارتياح واحتفال بشفائه من انتهاء عقوبة عشق البلاد/ المواطنة الصالحة، ارتياحه وزفرة الإعجاب الثقيلة صدرت عنه بعد سماعه “ماما: أوسم انتحر قبل يومين”، انتحار أوسم أراحه وجعله يستعد للاحتفال، تمت المهمة إذن، لقد انتحر أوسم بدلاً عنه، من هنا تبدأ الرواية، من قميص أوسم المحلّى بالدماء..
* *
لعبة الشرطة والحرامية/ اللصوص، تفتتح الرواية، تفتتح الأحداث في النص وتختصرها أيضاً، هذه اللعبة اختصار آخر طي اختصار العنوان لكنه أبسط قليلاً وأوسع، صبي ما يقيس أطوال الآخرين بأشباره، من الأسفل إلى الرأس بالمقلوب تماماً، يبدأ بشرطي أولاً، الشرطي إذن في الأسفل، هكذا هو الحال، الحرامي أعلى، وحين يصل قمة الرأس كان عليه أن يعلن شرطي أم حرامي، النتيجة، أحد عشر صبياً صاروا حرامية بلعبة الأشبار المقلوبة مقابل شرطيين أحدهما أعور والثاني بدين!، لعبة تختصر الكثير من القول، اختصار آخر للرواية مضاف إلى العنوان، لنقل بعد النواة الأولى العنوان، هنا النواة الثانية الأوسع، ما جعل الزمرد زمرداً للطغاة وما جعل البشر ذباباً من أجلهم هنا سره “11 حرامياً مقابل شرطيين معاقين”، الاختيار بالمقلوب هو من صنع النتيجة “11/2” ولو بدأ بالعد بالطريقة الصحيحة من الأعلى إلى الأسفل، لكانت النتيجة 11 شرطياً مقابل لصين فقط وكلاهما معاق!، ولو بدأ بالحرامي من الأسفل وهذا مكانه الطبيعي لكانت النتيجة أيضاً، 11 شرطيا مقابل لصين!
ولأن كل شيء كان مقلوباً، انتحر أوسم، وتنفس “ك” الارتياح لأن أوسم انتحر بدلاً عنه، عنا جميعاً..
* *
ولئلا يضطر للانتحار سعى الراوي لإفساد اللعبة أو لإصلاح الوضع المقلوب فدعا الصبية إلى مشاركته بمشروعه الجميل الصغير زراعة الأزهار..
وفعلوا، كان هذا هدماً للقباحة وبناء للجمال، تصحيحاً للأوضاع المقلوبة رأساً على قدم، وكان هذا المشروع بوحي من الشماس أزيريه الغارق في مثالياته وجمالياته..
* *
لكن اللعبة “الحرامية والشرطة” لم تتوقف، ثمة فشل إذن، لقد فشل مشروعه في زرع الورود وبيعها، لا أحد يشتري، مجرد جورية واحدة، وتكررت اللعبة وركل “ك” كرسيه القديم، القارئ يتوقف عند ركل الكرسي وعند القديم قليلاً ويمضي..
نشاهد لعبة الشرطة والحرامية ثانية بأسلوب جديد، صبي أعور “شرطي اللعبة الأولى” يقوم بقياس نفسه ويصيّر نفسه شرطياً وهكذا الصبية الآخرون كل يقيس نفسه “فالتو..”، هذه المرة كل يقيّم نفسه بنفسه، وأيضاً كان البدء من الأسفل من الأقدام وبالشرطي قبل الحرامي..
هذه المرة سيعمل “ك” على إيقاف اللعبة الأكثر سوءاً من صاحبتها، سيحاول ولكن بما هو أسوأ ربما، ليس بإنتاج الورود وإنما بتوزيع صفائح الأزهار كغنائم بينهم.. تقاسموها وكأنما، الشرطة والحرامية الأكثر عدداً كانوا يتقاسمون الوطن! ألهذا أصيب أوسم بمرض رفض الوطن أو “الأنتي نوستالجيا”.
* *
مشروع الأزهار من وحي أزيريه المثالي، الشماس في كنيسة الصخرة الرسولية في البصرة، مثالية أزيريه كانت بعيدة عن الواقع الحاد بحسّيّاته، بتفصيلاته المرعبة، بشرطته ولصوصه، فلم ينفع مشروع الأزهار، لا مع اللعبة الأولى، ولا مع الثانية الفرهود..
لهذا لجأ المؤلف إلى “ك” الراوي ثم إلى أوسم أخ أزيريه لينتحر بدلاً عنه..
لقد انتهى كل شيء!
هذا هو الجواب عن سؤال أوسم المر البارد: هل انتهى كل شيء؟
ثمة مثالي آخر في حياة الرواية، هو حيّاوي أو يحيى الدرويش الذي لا ينقذه من بطش النظام من الزمرد سوى هربه إلى معسكر رفحا الصحراوي/ من الوطن إلى معسكر أسر = عملية إنقاذ!
هنا المفارقة، الهرب إلى صحراء وأسلاك شائكة وحراس بدو غلاظ أهون من البقاء في ظل وطن نيروني لا يرى أبناءه إلا ذباباً!
أزيريه الحالم المثالي لم يهرب، فأخذوه ثم اختفى.. وكان هروب يحيى اختفاء آخر أو انتحار..
* *
وسط كل ذاك الجحيم ثمة واحتان للأمان، أو للسكر هرباً من واقع جهنمي، شقة بشير أو مقبرة اليهود..
“ك”، بعد فشل مشروعه الأزهاري يتسكع مع أوسم المريض بالأنتي نوستالجيا، يتجنبان مقبرة اليهود ويتجهان إلى شقة بشير، الطريق إليها يمر عبر سوق المغايز، عصب الثروة ورمز المال والثراء، الطريق إلى الشقة صعود وارتفاع والطريق إلى المقبرة أرضي وتحت الأرض، بين فوقية شقة بشير وتحتية المقبرة اليهودية، ثمة إشارات وثمة سيمياء ثرّة، تشدّ القارئ وتهيم به..
هناك في شقة بشير سيلتقون بشفيق الخصيباوي القصير المثير لسخرية الجنود والضباط، شفيق متمايل المشية كأنثى البط، سيلتقيانه بساقه الواحدة وبعكازاته.. لكن لا أمان حتى هنا، فمن هنا اعتقلوا، وهنا كانت هند عشيقة بشير تتجسس لصالح الأمن، كانت فص زمرد أصغر يصور التواءاتهم وهم يتآمرون على نيرون، ومن هذه الشقة كان طريقهم إلى الموت/ الإعدام، بشير وشفيق وداود..
أما المقبرة اليهودية فقد بقيت مع كل ما جرى عليها آمنة للهاربين ومأوى/ مدفناً، للموتى من المتشردين..!
هذا المشهد المقارن بين الشقة والمقبرة، إشارة انتحار حادة يسجلها النص الروائي كعلامة إدانة لوطن زمردي، أحسن ما فيه شقة الدون جوان بشير المغرم كجده وأبيه بالنساء.. وفيهن مقتله! في حين الأمان في أسوأ الأمكنة مقبرة مهملة وساحة مواشٍ وعربدة سكارى وتحت الأرض وليهود لم يعد منهم إلا القلة، لكنها أمان وملجأ حياة، بل إن داود يهودي الأصل لا مجال لمقارنته ببشير مع أن كلاً منهما رافض للطاغية وكلاهما اعدم، والسبب نزق بشير وعدم أهليته قياساً لليهودي داود!
هذا الحط، للمكان/ الشقة مقابل المكان/ المقبرة، والحط لبشير العراقي المسلم هوية مقابل داود العراقي واليهودي أصلاً، انتحار مضاف إلى انتحارات “ك” عبر غيره..
هذه الانتحارات/ انتحار أوسم/ انتحار الأزهار/ انتحار يحيى بهربه/ انتحار أزيريه باعتقاله وتصفيته/ انتحار الشقة وانتحار بشير مقارنة بالمقبرة وداود/ هذه الانتحارات، التي يوضحها الفصل السادس من الرواية تأخذها القراءة لا كدعوة آيديولوجية للترويج للآخر الاسرائيلي كما فعلت روايات عربية عديدة، ولا تراها القراءة انسلاخاً عن الذات وقتلاً وانتقاماً منها بتبني أشد ما ترفض، وإنما تأخذها القراءة كتحذير، إشارة إنذار حمراء من إن طغيان الزمرد ونيرون بشتى تمظهراته وأشكاله، وإحالة الوطن على جحيم وأبنائه على ذباب لا أكثر سيؤدي حتماً إلى رفض الذات وتفشي وباء “الانتي نوستالجيا” والى الانتحار بتبني وتمنّي الآخر البعيد الأشد عداء وقذارة! بعد أن أوصد الوطن أبوابه! كان أوسم مستعداً لاستبدال هكذا وطن زمردي بشعرة في مؤخرة عيدي أمين، أي انتحار! إن لم يلتفت الوطن إلى أبنائه..
* *
الفصل السادس/ وليس الأول أو الرابع أو أي من فصول الرواية العشرة/ لماذا السادس؟ الإشارة واضحة، نجمة داود السداسية، جدة شفيق لأمه يهودية، هذا يعني على وفق الأعراف والمعتقد اليهودي أن أم شفيق يهودية وانه هو يهودي أيضاً، هذا يفسر حنين شفيق لمقبرة أسلافه اليهود وتمنيه للجنسية الاسرائيلية، حينما انفجر اللغم على شفيق لم يجد من ينقذه سوى “ك” الراوي وسوى جندي آخر، كان شفيق والراوي جنديين في الحرب مع إيران وأوسم أيضاً ويحيى الهارب، وكان التنظيم السري الذي يتزعمه داود اليهودي ابن خال شفيق يتلقى المساعدة من إيران، طبعاً مفارقات وآيديولوجيا أثقلت السرد، الآيديولوجيا المباشرة تحيل النص دائماً بإساءة قراءة، تحديد ما لا يتلاءم والقارئ المتحرر، هذا الفصل معبأ ايديولوجياً، لكنه كما أرى أضاف تحذيراً آخر من خطر “الانتي نوستالجيا” وأمراض الزمرد..
* *
الرواية أغنى من أن تغطيها قراءة واحدة..
رقصة أوسم الذبيحة، رقصته الزوربوية، الشبيهة بتلوي أجساد المصارعين الضحايا من عبيد نيرون/ الشبيهة بحزن أبي “ك” حين بيع صندوقه وتراثه بثمن تافه ومزور/ الشبيهة باهتزازات حيّاوي تحت الدرباشات والخناجر الكسنزانية/ الشبيهة بالتشرد والتسكع والصعلكة…
* *
في النهاية عادت الأزهار، الأزهار الذابلة وبلقيس شقيقة الراوي تسقيها، ثمة أمل في أن تعود نضرة من جديد، ولا سيما بعد انتحار أوسم، ربما ثمة فرصة لئلا يكون هناك انتحار آخر، ربما!
* *
ويبقى قميص أوسم شاهد إدانة وعلامة تحريض وحث على إحياء الوطن الجميل، وطن بلا ذباب ولا زمرد، كي يعيش فيه “ك” وأوسم ويحيى والآخرون، وكي لا ينتحروا.. وكي نحيا فيه جميعاً بسلام..
* *
سرد مدهش وشعرية عالية، شحنات شعر رائعة لونت الرواية وأحداثها وشخصياتها ببراعة سارد مهم اسمه عبد الكريم العبيدي، كانت دواله ترقص فعلاً لا تمشي بل ترقص.. كما وصف رولان بارت نصوص القراءة..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة