عطالة ثقافية

الصناعة الثقافية لم تعد صناعة وطنية، أو حتى جزءاً من مشغلها السسيوثقافي، ومن برامجها التمويلية، إذ لم تعد تحظى بالرعايات الحكومية والحزبية، وجلّ ما تفعله هذه المنظومات لا يعدو أن يكون نوعاً من الدعاية، والترويج لخطاب معين، أو لتسويق فكرة على حساب فكرة أخرى.
النظر الى هذه الصناعة يشوبه الكثير من التقصير المهني، والسياسي، وحتى الإستعمالي، لأنها خاضعة لحسابات ضيقة الأفق أولاً، مثلما هو خضوعها لفهم لا يخرج عن الجانب الأدبي بتجنيساته الشعرية والقصصية والروائية ثانياً، والتي تحمل معها فكرة الفرجة والمتعة، ولاشيء غير ذلك، مما يجعل البعض ينظرون للوظيفة الثقافية وكأنها جزء من الاحتفال أو المتعة أو المشهد، بعيداً عن وظيفتها العميقة في صناعة الوعي، والموقف، والرأي العام، وفي تغيير أنماط الحياة السائدة، وتعميق مسارات التنمية والحرية والحق والعدل، وفي التعاطي مع قيم الجمال والمعرفة بوصفها مصادر مهمة لبناء المجتمعات، ولتعميق وعي الناس للحضارة والمدنية والحداثة وغيرها..
اليوم، وإزاء كل هذا الذي يجري من حروب وصراعات وهزّات اجتماعية وسياسية وهوياتية، نكتشف حجم الرعب الفادح للغياب الثقافي، ولضعف تداول القيم الثقافية، وهشاشة قاعدتها العقلانية والنقدية، وبما يضع المثقف دائماً خارج الحسابات، وخارج توزيع الأدوار والمسؤوليات، وحتى العطايا! مقابل هيمنة الجهل والتخلف والعادات والعصبيات والأفكار المغلقة بالغلو والتكفير..
هذا التخارج يمسّ الثقافة الحكومية أساساً؛ لأن النظر إلى مثقفها سيكون باحتسابه موظفاً، وأنه خاضع لنظام الخدمة العمومية، ولا شأن للحكومة باجتهاده وعضويته، ورعاية مشروعه وبرنامجه وكتاباته ومشاركته في المؤتمرات والندوات والملتقيات، إذ هي وظائف خارج القياس، وعلى المثقف أن يتحمل مصروفها ومصروف جيبه وأحلامه.. وطبعاً هذا النظر الوظيفي المحدود للثقافة ولصناعتها يمتد الى المؤسسة الجامعية، والى مراكزها البحثية، إذ يكون المثقف المنسوب للعمل فيها خاضعاً لنظامها الإداري والخدماتي، ولطبيعة ما تحمله، أو ما هو مكرس فيها في النظر إلى الدرس الجامعي، وإلى الرسالة والأطروحة فيها، والتي لا تخرج عن زاوية النظر لوظيفة المعلم المحكوم بالمنهج الدراسي، وبما يمليه من ضبط قياسي، ومن تقاليد تضع الاجتهاد والتأويل بمنزلة الخروج عن الوظيفة، وطبعاً هذا يُخضعه لقانون العقوبات الإدارية.. ولكي نكون أكثر موضوعية ومهنية في النظر الى تاريخ الصناعة الثقافية العراقية، فإننا نؤشر أيضاً ضعف الأداء الثقافي للنخب الثقافية ذاتها، والتي لم تستطع أن تصنع حضوراً فاعلاً لما يمكن تسميته بـ(البناء المدني للثقافة)، إذ كانت هذه النخب جزءاً من الجماعات والأحزاب السياسية أكثر من كونها جزءاً من المكونات الثقافية، وصولاً إلى تشيء بعضها ضمن جماعات ومكونات هوياتية دينية وطائفية وقومية، وبما يجعل خطابها الثقافي أكثر تماهياً مع تلك التمثلات، وهو مايضعف استقلالية المثقف ومهنيته وموضوعيته، ويهمّش حريته في التعاطي مع الأسئلة التي تطرحها الصراعات التي تحوطنا برعبها..
معاناة المثقف العراقي، وضعف فاعلية صناعته الثقافية هي نتيجة لتراكم طويل من الهشاشة، وضعف أدائه، مثلما هي نتيجة لتاريخ طويل من الاستبداد الذي فرضته الحكومات القديمة، والتهميش الذي مارسته الحكومات الجديدة، والذي يعني بالضرورة عطالة إنتاج مظاهر الوعي، ومظاهر الفعل الثقافي، والاكتفاء بوجود أيقونة لأنموذج المثقف الرسمي الذي تصنعه وتروّج له المؤسسات، وكذلك أيقونة المثقف المعارض والذي هو خارج السياق، والصانع غير مسموع الصوت للاحتجاج والرفض والنقد.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة