المصارف الأهلية ما لها وما عليها

عبد العزيز حسون

عادت المصارف الاهلية الى ساحة العمل في العراق أواسط العام 1991 بتعديل قانوني سمح بتأسيسها من جديد على شكل شركات مساهمة وفقاً للقانون النافذ. وتصاعد عدد هذه المصارف ليصل الى خمسة عشر مصرفاً نهاية العام 2002، وكلها مصارف تجارية عدا مصرفاً واحداً يزاول الصيرفة الاسلامية ولأول مرة في السوق العراقي.
وكانت رؤوس الاموال هي الاكبر في تاريخ الشركات العراقية مما أشر المبادرة الواضحة لرأس المال الذي قبل التحديات التي كانت تواجه الاقتصاد العراقي الذي كان يرزح تحت وطأة الحصار الاقتصادي الدولي الذي لم يترك للحكومة العراقية أي مصدر للموارد والتي تدنت الى ما لا يزيد على الخمسمائة مليون دولار اميريكي.
وبدأت الصيرفة الجديدة أعمالها بمحاولات لاعتماد الوسائل والاساليب المصرفية الحديثة وبقدر ما اتيح امامها من التقنيات في تلك الفترة، تلخصت في تطوير وتسهيل الاجراءات التي تتيح للمتعاملين الخدمة الافضل والاكثر قبولاً والتي كان السوق بحاجة ماسة اليها. حيث قامت بمنح الاعتمادات النقدية عن طريق قروض وتسهيلات اضافة الى الائتمانات التعهدية في تقديم الضمانات لاسناد شتى النشاطات خاصة في مجال المقاولات.
وهكذا فان عمل هذه المصارف اقتصر على التعامل في السوق المحلي، الذي كان يقابله سوق آخر يعمل بموازاته وهو السوق الذي عمل بالحرية النسبية التي اتيحت له عندما سمح بالاستيراد من دون تحويل خارجي أو من دون عوض كما سمي آنذاك.
ولا يفوتنا ان نذكر بأن سعر صرف الدينار مقابل الدولار الاميريكي كان بحدود (12) ديناراً لكل دولار، والذي استمر بالتدهور ليصل الى (3050) ديناراً للدولار الواحد في شهر كانون الثاني من العام 1996، بالرغم من ان تداول العملة الاجنبية لم يكن مسموحاً به بقرارات صارمة وبعقوبات قاسية، من دون الانتباه الى ان ذلك قد افرز آثاراً جانبية بالضرورة. نظراً لان مثل تلك الاجراءات ترافقها عادة ردود افعال تتخذ منحى آخر مغاير يعوق بشكل قوي الاهداف التي صدرت من اجلها قرارت تحريم تداول تلك العملات. وتسبب كل ذلك في اسفاف (وآسف على استعمال هذه الكلمة) في السوق وصل الى هلع استهلاكي حيث كنت تشاهد اكثر من مائة نوع من السكائر مصفوفة على خشبة امام البائع وكلها تحمل أشهر العلامات ولكنها لا تحتوي على مادة التبغ الا ما ندر. وهكذا بالنسبة للسلع الرديئة الاخرى والتي كانت ممنوعة من الدخول الى العراق ومنذ عقود كثيرة لأسباب صحية وبيئية واجتماعية. ورافق كل ذلك –وبالطبع- ظهور انماط استهلاكية لا تتفق مع معايير الحياة التي درجت عليها الشعوب والانظمة الاجتماعية التي حققت رقيها في اعتمادها والتصرف على وفق ما تقتضيه.
وفي هذا الخضم واصلت المصارف الأهلية نشاطها، وبدأت أعمالها تؤشر نتائج ايجابية سنة بعد سنة اخرى، لتسجل عوائدها السنوية أرقاماً عالية ربما تتجاوز الخمسين بالمائة على رأس المال وهو أمر يشجع على الاستثمار في العمل المصرفي اذ ان ذلك يتدارك سعر صرف الدينار وقدرته الشرائية.
وفي جانب آخر كانت المصارف الحكومية تعاني من الجمود في أعمالها مع انها كانت تدير النسبة الطاغية من الودائع التي كانت تستثمرها في السندات الحكومية التي كانت تدر ارباحاً عالية تصل الى العشرين بالمائة، وهو ما دفع جميع المصارف الأهلية للمشاركة في اقتناء تلك السندات وهي الحكومية المضمونة لتحقق تلك الارباح العالية التي اشرنا الى ارقامها آنفاً.
كذلك فان المصارف الاهلية باشرت ببناء العلاقات الخارجية مع المصارف في دول الجوار لتبادل المعاملات المختلفة ولو أنها كانت محدودة جداً، بسبب توقف البنك المركزي العراقي عن امدادها بالعملات الاجنبية لتغطية أعمالها.
وهكذا ظل الجهاز المصرفي العراقي الأهلي يفتقر الى بناء خطط عمل أو استراتيجيات تتحدد فيها الاهداف ومراحل الوصول اليها.
وجاءت موجة العام 2003 حاملة معها التباشير الوهمية في الاصلاح الاقتصادي والمالي، طارحة الوعود الثرة للمساعدة في النهوض والتطور، على اساس ان الاقتصاد العراقي قد تحرر من هيمنة الدولة وليمارس القطاع الخاص النشاط بالحرية المنشودة وفقاً لشريعة اقتصاد السوق.
وتتابعت القرارت والبحوث والدراسات والدعوات في التبشير بأهمية الامر وبأنه هو الذي سيعيد جنة عدن في العراق.
وجاءت سلطات الاحتلال ببرامج ومناهج كثيرة، دأبت بعرضها في مؤتمرات وندوات وورش عمل داخل العراق وخارجه لم تثمر بتغيير انماط التعامل المصرفي الذي ظل محكوماً بالقواعد القديمة التي وقفت السلطة النقدية حائرة ازاءها ولم تعرف كيف تدير الحالة الجديدة، وكل ما انصب عليه اهتمامها هو كيفية تسويق العملات الاجنبية التي بدأت تتدفق لحساب الحكومة وتتولى بيعها فيما يسمى بمزاد العملة، وهو مصطلح ربما يكون قد ترجم حرفياً ولكنه خال من كل محتوى. وهكذا فقد باشر البنك المركزي ببيع الدولار الاميريكي لكل من يطلبه بلا أي قيود. وكان الطلب في البداية اي منذ أواخر تشرين الاول عام 2003 محدوداً ولكنه اثار شهية تجار العملة والمضاربين فيها ليجدوا فيه مصدراً للانتفاع في ظرف كانت فيه معظم النشاطات الاقتصادية مازالت في خمول، وكانت الناس تواجه التداعيات التي تسبب بها الاحتلال وباشرت باخراج أموالها من العراق بعد استبدالها بالدولار الذي تحدد سعره في المزاد بأقل مما كان سائداً آنذاك مما ادى الى تصاعد الطلب وفتح الباب على مصراعيه لخروج الاموال دون محاسبة أو رقابة.
وتصاعدت المبيعات يوماً بعد يوم وبقي الباب مفتوحاً وسعر الصرف للدولار في هبوط وصولاً الى 1425 ديناراً في أواخر العام 2005 حيث اعلنت ارقام اول موازنة اتحادية للعام 2006 رافقها تصريحات لوزير المالية بانه سيعمل على خفض سعر الصرف بنسبة 30% وخلال فترة تنتهي في 31/3/2006.
وقد خضعت تلك الموازنة والتصريحات للبحث باستفاضة من قبل الكثيرين، الذين اظهروا اشد الاستغراب من هذا التناقض الذي يدفع بالسلطة المالية الى اتخاذ خطواتها بهذا التخفيض واعلانه بتلك الطريقة التي لا تعكس الا الاعاجيب، حيث ان العملة التي يبيعها البنك المركزي انما تعود لوزارة المالية والطلب عليها يتصاعد بالسعر المحدد مما يزيد الاستغراب عن هكذا اجراء. فكيف تفرط السلطة المالية بموردها الرئيس ولحساب من.
واستمر تصاعد الطلب لغاية العام 2009 عندما باشر البنك المركزي بوضع تحديدات كانت السوق مستعدة لمواجهتها ومنها تقديم مستندات ادخال السلع والبضائع الاصولية، لطلبات التحويل التي تزيد مبالغها على نصف مليون دولار وخفض الى ربع مليون والى مائة الف والى خمسين الفاً، مع علم الجميع بأن السلطة الكمركية تركت الحدود مفتوحة بعد أن اصابها الشلل.
وبعد ان استشرت الممارسات غير المسموح بها والتي فتح لها البنك المركزي نافذة بيع العملة وبعد ان اصبحت السيطرة على حركة السوق صعبة ان لم نقل مستحيلة، توالت التعليمات التي وصلت الى السبع من دون ان تحقق الغرض خاصة وان الارباح الواضحةللعيان التي تتحقق من عملية شراء الدولار الواحد لتصل الى 40 ديناراً وهو يعني ان 40 مليون دينار هي ربح كل مليون دولار والرقم في تصاعد يرافق الهلع والترقب.
وبعد صدور تقرير ديوان الرقابة المالية في آب 2012 الذي لم يتضمن سوى احصائيات عن حجم المبيعات خلال المدة التي مضت على عمل المزاد مع تحديد للمصارف الخاصة التي كانت قد اشترت الكميات الاكبر. وبدأت القضايا تثار ضد تلك المجموعات من المصارف وملاحقة مسؤوليها من قبل الهيئات التحقيقية، ورافق كل ذلك حملة تشهير من قبل العديد من أعضاء السلطة التشريعية شملت السلطة النقدية وأداءها وتسبب في حينه الى اضطراب سعر صرف الدينار وهبوطه بنسب غير مقبولة، ربما وصلت الى ما يزيد على الاربعة من المائة. ولمقابلة ذلك اصدر البنك المركزي تعليمات بتاريخ 1/10/2012 اطلق فيها المبيعات لتكون كمياتها وفقاً لطلب المصارف وكذلك سمح بالبيع النقدي للمواطنين.
وبدأت اجراءات قضائية مع المصارف بالجملة، وتم عزل قيادة السلطة النقدية وتعريض العديد من مسؤولي البنك المركزي للاجراءات نفس. وطولبت المصارف بتقديم مستندات تثبت ادخال السلع والبضائع المشمولة بالتحويلات وخلال مدد محددة كان من غير الممكن الالتزام بها مما أدى الى زج العديد من مسؤولي المصارف الخاصة رهن التوقيف، وما زالت الملاحقة قائمة الى يومنا هذا وتجاه جميع المصارف الاهلية كما اعلنه رئيس لجنة النزاهة البرلمانية.
اذا ما اردنا ان نستخلص شيئاً من كل ما ذكر في هذا المبحث فاننا نضعه كالتالي:
• كانت السلطتان المالية والنقدية تقفان موقفاً تنافسياً بل متضاداً وكأن بينهما خصومة.
• حددت السلطة النقدية وحصرت مهمتها المرحلية بهدفين الاول هو السيطرة على سعر الصرف للعملة العراقية والثاني هو خفض معدل التضخم ولم يلمس احد انها استطاعت الاقتراب من هذين الهدفين.
• لم تضع السلطات التنفيذية الخطط الاقتصادية ضمن مناهج أعمالها، لتحدد المسار الاقتصادي للبلاد.
• تصاعدت توجهات الجمهور للحصول على العملة الاجنبية لشتى الاسباب أهمها مؤشرات فقدان الثقة بالعملة المحلية.
• في كل هذه الاعمال المصارف تعمل كوسيط بين زبائنها والبنك المركزي.
ومع كل هذا فان المصارف الاهلية خضعت لعوامل البيئة التي تعمل فيها وابتعدت كثيراً عن العمل المصرفي الاعتيادي الذي تحيطه المخاطر القائمة لتنغمر في نشاط مزاد العملة الذي يتحسن مردوده باستمرار، من دون الحاجة مرحلياً في الاقل الى اتباع برامج عمل أو وضع استراتيجيات للمستقبل المجهول.
ولا يجدر بنا ان نتردد في القول بان الامور هي بحاجة الى حزمة من الاصلاحات التنظيمية والقانونية يشارك في وضعها الجميع لكي نستدل من خلالها الى الطريق الآمن بوعي وادراك يؤمن لنا المستقبل المنشود.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة