الأخبار العاجلة

وقفة في محطات ثقافة الخراب العراقي (3 ـ 3)

كاظم الواسطي*

مقدمة

حينما ينحسر الأمل في عقول الناس ، وتنكفئ أرواحهم تحت ضغط موجاتٍ عارمة من الأزمات والإختّلالات المتراكمة لعقودٍ طويلة ،من دون أفقٍ واضح لإمكان حلولٍ معقولة أو تسَويات ممكنة تضمن أمن المواطن ، وتجعل الوطن مكاناً صالحاً للعيش ، تصبح لصور النكوص والإرتداد جذورٌ يصعب التحكّم بإستطالاتها في وعي الأفراد ، وتضع التعايش بين مكونّات المجتمع على حافة الإرتياب وسوء الظن ، والتي دائماً ما تدفع بإتجاه الإحتقان الإجتماعي والثقافي ، وتُدخل المجتمع في مواقد النزاعات الأهلية ، والتعصّب الأعمى الذي ينمو ويتضخّم في تلك الصدوع .

إن ماحدث في العراق من دورات خرابٍ لم تتوقف ، تستدعي أكثر من وقفةٍ للمثقف العراقي الحقيقي على خطوط خارطته الملتّهبة ، خصوصاً بعد أن تبيّن دور ساسته وأتباعهم من أشباه مثقفين منتفعين ، في تعميّق هذا الخراب بين طاغيةٍ مستبّدٍ وفاسدين تجاوزوا ، في شراهتهم ، مثال الجراد . إن مهمة المثقف العراقي ، بعد ما حدث ويحدث اليوم ، هي أن يرسم لنفسه مساحة حرّة تمكنّه من تفكيك تلك البنى المتصدّعة ، وكشف الجذور الحقيقية لهذا الخراب في ضوء قيم الحق والجمال ، ومراجعة ما تراكم من خلال النتائج الكارثية التي ما زالت تعصف بحياتنا ، وتضع مجتمعنا وثقافتنا في مفترقات طرقٍ يصعب التكهّن بما ستؤول إليه في مقبل الأيام . ولتكن لنا أكثر من قراءة حرّة في تفكيك تجربتنا العراقية بشتى جوانبها ، وان نؤشر بأصبعٍ مضيء إلى الجوانب المعتمة فيها ، كي نحرّر عقولنا ونفوسنا من تأثيراتها السلبية في أعماقنا .

في تسعينيات القرن الماضي استقر حال معظم اللاجئين العراقيين ، إيجاباً أو سلباً، في أختيار الدول التي قصدوها ، كما أن مغامرة النظام الدكتاتوري باحتلال الكويت ، وما تبعها من تداعيات في علاقات النظام مع دول العالم الكبرى ، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، التي كانت مساندة له في حرب الثماني سنوات مع ايران ، فضلا عن الحشد الإعلامي الدولي الذي ظل يؤكد على التهيئة الدولية القاطعة لتغيير حكم صدام ، والأكثر من كل ذلك كان الانفجار الشعبي الكبير الذي بدأت شرارته في مدينة البصرة لتمتد انتفاضة عارمة في معظم مدن العراق ، قد حفزّت نوعاً من التغيير في ايقاع تفكير الكثير من العراقيين في الخارج ، الذين توطّن في نفوسهم ، مثلهم في ذلك مثل من كانوا في داخل البلاد ، اليأس من إمكان تغييّر نظام القمع بامكانيات محليّة ، كان الحلم بها مستحيلا في ظل غياب قوىّ سياسية قادرة على مجرّد الحشد ، ولو من بعيد . ولكن سرعان ماعاد اليأس ، باختلال أعمقٍ في النفوس ، بعد أن سهلّت القوات الأمريكية المتواجدة في بعض مناطق الجنوب ، مهمة انقضاض أجهزة النظام على المنتفضين وارتكبت من جرائم الإبادة ، والقتل الجماعي ، ما لا يُمكن لعقلٍ بشريّ تصديق بشاعة صورّها المروّعة – دفن الناس أحياءً في مقابر جماعية تناثرت في طول البلاد وعرضها ، تعبئة البعض بالبنزين وتفجريهم عن بعد ، قطع الرؤوس ورفعها وهي تقطر دماً وسط جوّ احتفالي ، وأخرى كثيرة من مبتكرات تلك العقول الشرّيرة . وقد دفعت تلك الأجواء الى هجرة تسعينية جديدة للكثير من المواطنين العراقيين . وبدأت لوامس بعض المثقفين ، ممن أدمنوا العمل في مؤسسات النظام الثقافية والاعلامية ، تتحسّس التصدّعات التي بدأت في بنية النظام ، وتوقعهم لاتساع حجمها في ظل وضعٍ دوليّ ضاغط لم يعد فيه صدام شريكاً مرغوباً به . وكان رعب هذا البعض مستمداّ من توقع انهيار نظامٍ تنعمّوا ، هم أيضاً ، بترف العيش على موائد الولاء له ، والسكوت على ما كان يرتكبه من جرائم ، وكأنها تقع في مكانٍ آخر ، وكتبوا ، شعراً ونثراً ، صنعَ من وهم البلاغة الجوفاء ، حقلاً من الورد يطفوا على نهر دمٍ ساخن ، وركبّوا أجنحة عصافيرٍ ملوّنة على مجنزرّات الموت . ولم يبخل هذا البعض ، عند هجرته ، ببلاغته المخادعة على تقديم ولاء المهزومين ، ومديح الخانعين لطرفٍ آخر ، من المعارضين لمؤسساتٍ الأمس التي عاش في أحضانها سنين طويلة ، ليحصل على هوية تبرأة من ماضٍ أفسدَ نفسه طوعاً في الولاء له دون اعتبارٍ لموتِ مئات الآلاف ، وأنين الملايين بين براثن الدكتاتورية الدمويّة، ودون أن يُسبقَ هذا التحوّل السريع بسطر اعتذارٍ لضحايا مَن كان في خدمتهم مبوّقاً للقباحة. ولأن البعض ممن كان معارضاً فاقداً لرصانة الموقف الحقيقي المستقل باتخاذ القرار الملائم لطبيعة ما كان يحدث في العراق ، وخاضعاً ، هو الآخر ، لإملاءات قوىً كبرى تتحكم في برنامجه السياسي والفكري، فأن المثقف الهارب بعدته المشبوهة وجد ملاذاً آمناً تحت خيمة المُعارِض المهلهلة ، وانطلق منها بجلد الثعالب ليكون شاعراً ، وكاتباً ، لأشكالٍ جديدة ، تطفّلَ بها منافساً لمن عاش قبله سنينا في المنافي ، وكان طريدةً لذات المؤسسات التي تنعّم في ظلالها ثعلب الثقافة الماكر، وأدمن العمل فيها بتجميّل وجه النظام القبيح بنصوص مديحٍ وصلت الى حدّ الغزل بحروف صدام . وأنّ مثل هؤلاء المثقفين لم يتوقفوا قليلاً لتأمل ماكانوا عليه، ومراجعة تجاربهم السابقة برؤيةٍ نقدية جديدة تعتمد الشجاعة في تأشير طبيعة الخلل في تلك التجارب ، والإعتذار للثقافة والمجتمع عن كتاباتٍ ، ودعم مؤسساتٍ ، أضرّت بالثقافة وشوّهت بنية هذا المجتمع.

مثقفو الأقنعة

وبدلا من ذلك ، وتجاوزاً على صحوة ضميرٍ تُصحّح المسار الأخلاقي للمثقف ، وتنفض الغبار العالق في وجه الثقافة، أسرعوا بتصنيع أقنعةٍ جديدة ارتدوها فوق غبار وجوههم ، والتنصّل من كل مسؤوليةٍ بادعّاء البراءة منذ الولادة . لقد وجد مثقفو الأقنعة هناك مرتكزات من ذات طين الخديعة فتماهوا على حبال اللعب والمرواغة بحاسّة الثعالب ، وتشمّموا روائح بعضهم ، واتفقوا على تعطيّر النتانة بكلماتٍ مهرّبة من المعاجم بعد أن فضحتهم معاني الحياة ،وما تركوه من سوادٍ على دروبها . فتراكم الاختلالُ وراء صوّر التموّيه ، وعواء الثعالب المقنّعة في صالات « المعارضة « الخزفيّة ، وأمام مرايا الثقافة المهشّمة التي كانت عاجزةً عن كشف مقدار الوحل في عقولهم ، والتعريف بحجم الخراب في نفوسهم . ولأن الحياة ليست عجلة تتوقف مرة واحدة ، ولا درباً وحيداً يُحشر فيه على ذات الاتجاه ، فأن البعض ممن نجوا من تلك المجازر البشرية ، قد شهدوا كيف انكسر جدار السلطة « الحصين « بإرادة شبابٍ اندفعوا بصدورٍ مفتوحة ، تراكمت فيها صور الطغيان والاستبداد والذلّ ، وكيف تساقطت تمتاثيل ، وصور الدكتاتور تحت أقدامهم الحافية ، فقد تمكنّوا من اكتشاف حلقات الضعف في الهيكل الأمني المغلق على نفسه بهالةٍ من الأسرار وقصص الرعب الغامضة ، والعصيّة على فهم من كانوا يُروضون في وديان موته الواسعة ، ويعانون شظف العيش ، وانعدام مظاهر الحياة الآدمية في ظل مواجع حصاره الطويل . وتمظّهر الضعف في تصدّع ما كان يعتقده رموز ذلك الهيكل وتابعيه ، بناءً حديدياً ، وجداراً نارياً لايُمكن لأحدٍ أن يقترب منه ، أو حتى مجرّد التفكير بذلك. ولكّن الاندفاعات الجماهيرية الغاضبة التي اكتسحت خطوط الأمن الدفاعية في المحافظات ، واختراقها لمساحاتٍ مهمة في بغداد ، قد أصاب التركيبة الأمنية بالصدمة والارتباك ، وتوقع ما هو أسوأ على مصالحها ، وعلى وجودها السلطوي.

فك الحصار الثقافي

وبين هذا وذاك ، تحسست رادارت بعضنا هنا الفراغات التي أنتجتها ضربات القوات الأمريكية ، والأوضاع المهلكة للحصار التي أضافت الكثير لتذمّرَ مَن بدأوا بفقدان كل شيء ، حيث كانت الخطوات أكثر ثباتاً في لقاءات المثقفين ، والتداول بما يجري من تطورات تخص الوضع العراقي في المشهد الدولي. واستطاع البعض فكّ الحصار الثقافي بتهريب الكثير من الكتب والمطبوعات الى بغداد ، والقيام ، بشجاعة لا يمكن تجاهلها ، باستنساخها وبيعها باسعارٍ زهيدة ، وتوزيعها عبر شبكة علاقات موثوقة في بغداد ، وبقيّة المحافظات . ولكنّ الأمر بقيّ محدودا التأثير في دائرة علاقات المثقفين التي كانت حذرة من الأمتداد الأفقي في المجتمع ، حيث التوجّس من احتمالات الخرق الأمني ، ووشاية الموالين للنظام من بين أوساط المثقفين أنفسهم ، يشكلّ هاجساً ، يضغط بقوة ، لتقليص مساحة الانتشار المجتمعي للنتاج الثقافي . وتميّزت تلك الفترة ، بالرغم من صعوبات العيش في ظل الحصار ، بإنعاش صوّراً للأمل بإمكان تغيير النظام الذي بات معزولاً من المجتمع الدولي ، وبدأت الكثير من المؤسسات العالمية بكشف جرائمه أمام الملئ ، والمطالبة بإنقاذ الشعب العراقي من هيمنته الإستبداديّة. وفي ظل اضطراب الحياة ، وتراكم الكثير من التعقيدات الناجمة عن إرثٍ ضخم من المخاوف والقمع ، لم يكن متاحاً التركيز على وسائل التغيير، والكيفية التي ستكون عليها الأوضاع بعد الاطاحة بالدكتاتورية ، فكل ماكان يُفكرّ به الناس هو الخلاص من كابوسٍ حوّلَ حياتهم الى جحيم ، وحجب صوّر الحياة الحقيقية عن عقولهم ،وترك في نفوسهم الكثير من الحطام . وهذا ما جعل التدقيق بهوّية مَن يُزيح عنهم هذا الكابوس نوعاً من البطر ، ونكران جميل من يقدم للغرقى حبل النجاة من ضفافٍ مهجورة . وقد انعكس هذا الفهم لطبيعة واقعنا ، واختلالاته العميقة في بنية الأفراد والمجتمع ، على تصوراتنا ، ومواقفنا، من مجريات الأحداث بعد التغيير ، والنتائج التي تمخضّت عنها في ظل « المنقذ « القادم من وراء البحار ، الذي تحوّل الى محتّلٍ بحجة ترتيب الأوضاع على مقاسٍ ديمقراطي جديد . فكانت دوّامة جديدة مقنّعة بصورٍ زائفة عن الأمن والرخاء ، في واقعٍ يتمزّق نسيجه البشري على ناقلٍ متصل الأزمات ومتنوّع الميتات ، وبديلاً من ذاك الكابوس ، وقبل أن نتخلّص من تأثير مخالبه في أرواحنا.

كوابيس اشباح الماضي

تناسلت في رؤوسنا كوابيس جديدة تتغذّى من أشباح الماضي ، وتُتطعم حاضرنا أشلاءَ بشرٍ مبعثّرة في الفضاء ، وظلّ أحلامٍ تسمرّت في وهم الانتظار . وفي واقع الصدمات الجديدة أُشكلت الثقافة ، التي لم تتجاوز صدوعها الأولى ، بتعارضات ، وتناقضات مفاهيم مختلفة عن واقع الاحتلال وما بعده ، واشكاليّة الهويّة في زمن العولمة « الفائقة « التي تثير اليوم جدلاً عالمياً واسعاً . وتشظّى المثقفون ، من جديد ، على سطح تلك التناقضات ، خاصة عندما بدأت الطوائف ، والأقليات ، والأديان في العراق ، تؤسس لثقافاتِ عابرة لوطنٍ شوّهته الدكتاتورية في عيون أبنائه ، وتشجّعهم حركات تلك المكوّنات على نسيانه في مرايا الشقاق والفرقة التي تعكس صوّر التاريخ السوداء ، وضاعفت الرضوض في جسد الوطن الواهن بآفات الفساد . وقد تُوّج النزاع الدائم بين ساسة مابعد الإحتلال على الكسب والمغانم ، وفسادهم الذي أصبح بحجم البلاد ، في الإنهيار المدوّي للجيش العراقي في مدينة الموصل ، وزحف قطعان الدم الارهابية عبر الحدود لتحتل ثلث مساحة العراق ، وتدّمر الكثير من معالم وآثار مدنه الحضارية والتاريخية ،وتُمارس أبشع عمليات القتل والتهجير بحق أبناء تلك المدن . ويمثل هذا الحدث المروّع الثمرة السّامة لتجربتنا السياسية العقيمة التكوين في ظل ساسة النزاع والغنائم ، الذين شكلوا طبقة حكمٍ فاسدة إدعت زيفاً تمثيل مكوّنات الشعب العراقي ، في وقتٍ كانوا هم السبب الحقيقي في تمزيّق وتفتيت هذا الشعب ، وجعله حطباً في مواقد الطائفية ، بعد أن ضيّعت حياة أبنائه حروب الدكتاتورية القومية والشوفينية. وها هم بعض المثقفين المنحدرين من مواطن الاختلال القديمة ، وثعالب كل المراحل والأزمان ، يقفون على ضفاف الأزمة الملتهبة بنيران التوحش ، وهمجية القطعان القادمة لتخريب أرض ما بين النهرين ، ينبحون على منابر خراب العراق بكلامٍ منافق يُرضي أولياءهم في المال وترسيخ الانحراف عن المهمة الأخلاقية للثقافة.

تغيير الواقع الديموغرافي

وها نحن اليوم ندخل حقبة جديدة من الخراب ، بدأت بسيطرة قوى الإرهاب على تلك المناطق الشاسعة من العراق وقيامها بتغيير الواقع الديموغرافي لتلك المناطق بسياسات تفريغ طائفية ممنهجة ، طالت المسيحيين العراقيين والأقليات الأخرى ، وفرض الجزية والتغيير القسري للهوية الدينية على من لم تتح لهم فرصة الهروب من هذا الجحيم الارهابي ، الذي يعمل مشعلو حرائقه ، اليوم ، على تمزيق خارطة العراق . وفي مواجهة هذا الواقع الجديد ، على المثقفين العراقيين أن يعيدوا النظر بسياقات تفكيرهم السابقة ، ويراجعوا بموضوعية نقدية ما تراكم من أفكار وتصورات لم تخرج من عادات التفكير النمطي المحدودة.

سلطة الضمير

وأن يصارحوا أنفسهم تحت سلطة ضمائرهم دون خوفٍ من كل السلطات الأخرى ، بأن ما حدث من إختلالات في البنية الثقافية – الاجتماعية والسياسية في العراق ، وخاصة بعد نهاية خمسينيات القرن الماضي ولحد الآن ، يتحمل المثقفون العراقيون جزءاً من تداعياته ومآلاته ، يوم اختار البعض الاصطفاف مع هذا الطرف السياسي أو ذاك ، وحشّدوا جمهوراً واسعاً ، في الرأي والمواقف ، لتكون له معايير محدّدة في تفسير وقائع الحياة ، وفهم واقع المجتمع . وأن تكون لهم اليوم رؤية بالغة الوضوح في تفسير مايحدث ، واتخاذ المواقف العابرة للعرقية والطائفية والمذهبية ، وإستعادة صورة الوطن الحقيقية التي تشوّهت في أذهان الناس ، نتيجة قمع الفاشيّة بالأمس ، وجرائم الإرهاب وعبث المفسدين اليوم . وبدون ذلك سنبقى مثقفين بلا ثقافة وطن ، ومجرّد أدعياء للثقافة نتبنىّ ، وهماً ، جذوراً للتاريخ والحضارة دون نتاجٍ يعرّف حاضرنا وما نريد لمستقبلنا ان يكون في بورصة الهويّات العولميّة المتداخلة ، نُعيد ذات الركام من الكلام المنمّق الفارغ على خارطة الخراب .

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة