الأخبار العاجلة

«تضاريس الحب».. أول كتاب شعري للعربيّة من الأدب الاستوني

متابعة القسم الثقافيّ

عن دار مخطوطات في لاهاي صدر مؤخراً، كتاب “تضاريس الحب” مختارات شعرية من قصائد الشاعرة والروائية الاستونية كاتلين كالدما Kätlin Kaldmaa ترجمة الشاعر عبد الرحمن الماجدي.
مناخ القصائد في هذا الكتاب مختلف عن مثيله العربي حيث للصمت ميزة واضحة حتمتها الظروف المناخية لاستونيا هذا البلد الصغير في الشمال الأوروبي الذي ارتبط طولِ فترةِ مكوثِ فصلِ الشتاء الجامد فيهِ بالصمتِ الذي باتَ صفةً مميزةً لمعظم الإستونيين، فانسحبَ على أدبهم أيضاً. ويمكن ملاحظة سطوةِ الطقسِ وقسوته في بعض نصوصِ هذا الكتاب.
يقول المترجم عبد الرحمن الماجدي في مقدمة الكتاب: “في هذه القصائد اشتغالٌ في منطقةٍ شعريةٍ مغايرةٍ تبدأ برسم صورٍ للصمت وهتكها بقسوةٍ، أبطالُها دائماً الرجالُ، ولا تنتهي بالجرأة الجسدية والسخرية، ومزجِ الديني بالدنيوي والانثربولوجي ليكونوا سدنةً في خدمةِ النصِّ الشعري.
فالشعر لدى الشاعرة “يشبهُ الاستيقاظَ عاريةً تماماً وسطَ هطولِ الثلجِ، وحرارةُ النيرانِ لمّا تَزلْ على الجلدِ، معَ لمسةِ نعناعِ”. وهي ترى أن الشاعرَ ينظرُ للعالمِ بدهشةِ طفلٍ ويضغظُ، في ذات الآنِ، بكلمةٍ حديديّةٍ على جسدِ اللّغةِ.
في بعض القصائدِ سيجدُ القارئ صفاتِ دولٍ وأسماء مدن تستعملها الشاعرةُ لغايةٍ أدبية؛ فمعظم الدولِ التي زارتها والمدنِ التي قرأت عنها وظّفتها في قصائدها من خلالِ الجمع بين المتخيّل والواقعي في النصوصِ، فالشاعرُ يمكنه خَلْقَ شخصياتِ قصيدتهِ مثلَ الروائي.
تُسقط الشاعرة، عبر القصائد، مواقفها تجاهَ قضايا وآراء جدليّة حتى في قصائد العشقِ مانحةً نفسها حريّة تفكيكها ونقدها وتقديمها للقارئ، ببنيتها العشقيّة، محملةً بمفاهيمَ تجتازُ الموانعَ اللاشعوريّة بيُسرٍ، وتوظيف إشكاليّة الهويّات وسيادةِ المنطق الذكوريّ كما في قصيدة حبيبي الأوروبيّ، والموقف من المتعاطفين مع الحيواناتِ والمتناسينَ آلام النباتاتِ التي يلتهمونها بلذةٍ: كما في قصيدة حبيبي السويسري “حبيبي السويسريّ نباتيٌ/ يأكلُ الجبنَ والبيضَ/ واللبنَ الرائبَ/ لا يأكلُ أيّ كائنٍ مقتولٍ/ أو يصدرُ صوتاً./ لكن ماذا عن البطاطا- يحتج صوتٌ بداخلي-/ وماذا عن الجَزرِ البائسِ الصارخِ من الألمِ/ حينَ تَلتهمهُ أسنانٌ نباتيةٌ”.
يعد هذا الكتاب أول ترجمة، ككتاب، من الشعر الإستوني بالعربيّةِ، مزيحةً، ولو قليلاً، سيطرةَ البلدان الناطقة باللغتين الفرنسيّة والانجليزيّة على جلّ الترجماتِ من اللغة العربيّة واليها.
وانطلاقاً من مقولة جاك دريدا (الترجمة ضيافةٌ للغريب) ليكن هذا الكتاب ضيافةً وإضافة جديدتين في العربيةِ من منطقةٍ جغرافيّةٍ، لغويّةٍ، وروحيّةٍ غريبةٍ.
يذكر أن الشاعرة كاتلين كالدما أصدرت أربعة كتب شعرية وروايتين وعدداً من كتب الأطفال، إضافة لترجمة نحو 50 كتاباً من الانجليزية للاستونية، وهي رئيسة رابطة القلم الدولية فرع إستونيا.
الكتاب من القطع الوسط بـ 106 صفحات، تصميم الغلاف الفنان ناصر مؤنس.
هنا مقطع من قصيدة “حَبيبي السويسري”:
يعيشُ حبيبي السويسري في جحيمِ العالمِ السفليِّ.
حيث الوصول إلى زيورخَ من دون طائرةٍ خاصةٍ.
التنقّلُ ليسَ صعباً من زيورخَ فصاعداً، باعترافِ الجميعِ،
ذلك أن القطاراتِ السويسريةَ تقلُّ الناسَ في أمسياتِ الأحدِ إلى قرىً -نائية- تبدو كقطعِ شكولاته،
ليسَ مثلَ بلادي،
حين تسير الحافلةُ إلى قريةِ جَدّتي مرّتينِ في الأسبوعِ
من دونَ أن تعودَ أبداً.
حبيبي السويسري
يكرهُ العنفَ والمالَ والبِيضَ.
يكرهُ السويسريين والخضرَ، والحمرَ،
يكرهُ الجبالَ و النظامَ.
من أجل أن يكتبَ، بحريّةٍ، فهو يكرهُ التلفزيونَ،
يكرهُ الناسَ الذين يشاهدونَ التلفزيونَ،
يكرهُ النجاحَ، والسياراتِ والمسيحيينَ،
يكرهُ سويسرا ويكرهُ أجراسَ الكنيسةِ،
يكرهُ، ويكرهُ، ويكرهُ.
حبيبي السويسري يكتبُ، كلَّ يومٍ، صفحةً من روايتهِ،
ويأملُ بيعَ 100000 نسخةٍ منها،
وتترجمَ إلى جميعِ اللّغاتِ،
فلن يحتاجَ أن يعملَ أبداً،
ويستطيع كتابة روايته الأخرى
صفحةً كلَّ يومٍ.
حبيبي السويسري لديه دزينةُ قططٍ،
مآلهن جميعاً الموتُ.
(مآلنا جميعا الموتُ).
كفّا حبيبي السويسري مثلُ مخلبَينِ،
صوتُه مثلُ مواء قطٍّ
-لكن حينَ يكونَ ثمة شيءٌ ما يكرههُ-
يستقرُّ في البُقعةِ الأكثرِ راحةٍ في المنزلِ،
تماماً مثلَ قطٍّ، ينشر أشياءه من حوله،
لتكونَ في متناولِ يَده فلا يحتاج أن يتحركَ.
مخلبهُ الأيسرُ
يُدوّي، الآنَ، على الأريكةِ،
وسحابةٌ من الغبارِ تصيبُ أنفهُ.
عطاسُه لذيذٌ ومضحكٌ،
كهرٍّ محاصرٍ، ويبصقُ.
الفيلمُ المفضّلُ لدى حبيبي السويسري هو “المواطن كين”
وكتابُه المفضّلُ “يوليسيز”.
حين تبدأ نشرةُ الأخبارِ في التلفزيونِ
يذهبُ إلى الغرفةِ الأخرى.
العالم قبيحٌ جداً.
حبيبي السويسري يتحدثُ الأميركيةَ،
يقولُ إنّه تعلّمها من الأفلامِ.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة