حكايات عن الشعر والفقر والهوى

Three seasons

عبد السادة جبار

من المؤكد أن صناعة السينما في فيتنام تعاني من صعوبات جمة، أولها أن فيتنام دولة حديثة فقد استقرت العام 1973 بعد أن انسحبت أميركا من الشطر الجنوبي (سايغون) وتوقيع اتفاقية السلام، والسبب الثاني الوضع الاقتصادي المتواضع للسكان ومصادر الثروة البسيطة، إلا أن السينما الفيتنامية ركزت على موضوع الحرب والأفلام الإخبارية والوثائقية الدعائية ، بعد توحيد شطري فيتنام العام 1975 تطورت صناعة السينما تدريجا، إذ ركزت تلك الأفلام على الجهود البطولية في الثورة، والمعاناة الإنسانية التي خلقتها الحرب والمشكلات الاجتماعية لإعادة الاعمار بعد الحرب. لكن المتغير المهم هو في نهاية السبعينيات حين بلغ الإنتاج بحدود 20 فيلماً سنوياً، بعد أن كان فقط ثلاثة أفلام ومن أهمها في ذلك الوقت فيلم “الموسم من الزوبعة” لجيو تشونج العام 1978 و”الحقل البرية” لدونك هوانغ في العام 1979. بعد منتصف الثمانينيات حين حصل التغيير الكبير بتفتت التكتل الاشتراكي، شمل التغيير فيتنام، وبدأت تتخلص من المركزية الاقتصادية لينعكس ذلك أيضاً على التحول الثقافي لتنتج أفلاماً بلغة معاصرة جديدة تندمج مع لغة العالم، من بين تلك الأفلام “قصة حسن السير والسلوك” 1987 و”الكاثوليكية في ثونغ نهات” 1985، و”الإخوة والأخوات” 1986، و”فتاة على نهر” 1987.
وفي التسعينيات تمكنت السينما الفيتنامية من أن تسهم في إنتاج أفلام مشتركة لكن بمناخ فيتنامي خالص، إذا فاز فيلم “رائحة البابايا الخضراء” بالكاميرا الذهبية في مهرجان كان العام 1993، وكان أول فيلم فيتنامي يرشح لنيل الأوسكار العام 1994. ومن الأفلام الأخرى “عمودي شعاع الشمس” العام 2000. إنتاج أوروبي فيتنامي مشترك ومن تلك الأفلام “الجاموس البري” الذي فاز بالعديد من الجوائز في المهرجانات السينمائية، بما فيه مهرجان شيكاغو السينمائي العام 2004. فيلم “ثلاثة مواسم three seasons” فيلم مميز لأميركي الأصل وفيتنامي الجنسية “توني بوي”، وهو الكاتب أيضاً للسيناريو، أنتج العام 1999 وصور في العاصمة والحقول الفيتنامية متناولاً الحياة الاجتماعية بلغة شاعرية بعيداً عن السياسة والحرب، اختار المخرج ممثلين فيتناميين وممثلا أميركيا واحدا في دور غير رئيس، في الواقع ينبغي لنا أن نعدّ هذا الفيلم الأنموذج الحقيقي للأفلام التي تنتج في الدول غير المتمرسة في صناعة السينما؛ لأنه أعطى صورة صادقة ومكثفة عن شخوص يعيشون في بلد ينمو. ومن جانب آخر يثبت أن القدرة المتواضعة بإمكانها أن تصنع سينما تصل للعالم عبر الجهد الواعي لهذا الفن.

سيناريو الفيلم
يتناول السيناريو ثلاثة محاور غير مترابطة ليروي حياة ثلاثة شخصيات رئيسة في الفيلم،”كين ان” الممثلة الفيتنامية (إن نجوين نجوك) تقصد عملاً للفتيات بقطف أزهار اللوتس وبيعها في العاصمة (هوشي منه)، ملكية الحقل تعود لشخص قد وكّل بدلاً عنه شخصاً يدير العاملات، وهو مختبئ في معبد خاص به في الحقل لا يراه أحد، تردّد المرأة العجوز أغنية في أثناء العمل وتردّد العاملات خلفها النغم ذاته قرب المعبد، “كين ان” تردّد أغنية وحدها بعد أن تسكت العجوز، تثير تلك الأغنية انتباه العاملات بجمال أدائها، في الليل يوقظها وكيل الأعمال لأن رب العمل يطلبها، وحين تصل تجده مقعداً على كرسي وقد فقد أصابعه وامتلأ وجهه بأورام الجذام، وتدرك سر اختبائه، يطلب منها إعادة الأغنية، تكتشف انه شاعر وانه قد كتب أشعاراً كثيرة قبل أن يفقد أصابعه، تعجب بأشعاره وترجوه أن يعود لنظم الشعر على أن تدون له ما يقوله، المحور الثاني “هاي” الممثل (دون دونغ) سائق دراجة سياحية ينقل فيها الأشخاص في سلة مخصصة لذلك ليكسب رزقه وهو يعيش وحيداً ينقل ذات مرة فتاة جميلة إلى فندق كبير يعجب بها فيظل مسمراً في باب الفندق ساعات لحين خروجها ليقلها إلى منزل تعيش فيه وحيدة، يكتشف أنها من بنات الهوى وما يسمى بـ(الجيشا) ويصر على متابعتها فتضيق به ذرعاً، فيقترح عليها الزواج فتضحك منه وتعترف له بأنها لا تريد أن تظل أسيرة الفقر، فهي تطمح للوصول ذات يوم إلى مكان يتوافر فيه الرفاه، وحين تصده أكثر من مرة يدفع لها 50 دولارا مقابل المبيت معه.. توافق لكنه لا يلمسها ويطلب منها أن تنام ويبقى يتأمل جمالها حتى الصباح، المحور الثالث “وودي هو” طفل بعمر 9 سنوات يعلق برقبته صندوقاً يحتوي على سكائر وقداحات ومواد تذكارية يبيعها على الزبائن في المطاعم والحانات ينتظر على أبواب الفنادق الخارجين والداخلين، بعد دخوله إحدى الحانات يجلسه بجانبه أحد الأميركان ويشتري منه قداحة سكائر، إلا أنه يورط الطفل بتناول نوع من الشراب فيصاب بالنعاس وينقطع التيار الكهربائي، في أثناء ذلك وبعد أن يصحو لا يجد الصندوق ولا الأميركي فيهيم على وجهه يبحث عنه ولكن من دون جدوى، ثم يطرده صاحب الخان الذي يأويه مع بقية الأطفال طالباً منه إعادة الصندوق. تتصاعد الخطوط الثلاثة للفيلم، إذ تنتهي قصة الطفل بأن يجد صندوقه عند أحد المشردين الحشاشين وليس عند الأميركي، وتكتشف بائعة الهوى أنها في ورطة نتيجة لطموحها الوهمي وتجد أن زواجها بسائق الدراجة هو السعادة الحقيقية، لكن الشاعر لم يعد يطلب مجيء الكاتبة كين إن وحين تصر على لقائه تكتشف انه فارق الحياة وقد ترك لها أشعاره كهدية.

المعالجة
المخرج توني بوي 26 عاماً تناول قصصاً بسيطة لثلاث شخصيات لا رابط بينهما إلا المكان، ولكن تلك الشخصيات تواجه صعوبات الحياة الجديدة، التحول الاقتصادي، وفكرة مواجهة الفقر أمام تصاعد الغنى وتصاعد الرغبات والطموحات بعد نهاية الحروب وانتفاء عنصر التغيير والثورة وفشل النظريات اليسارية في تحقيق الأحلام. الطموحات والمثاليات هنا تصطدم بجدران الواقع، وبالرغم من النهايات السعيدة بالنسبة الى الطفل البائع وسائق الدراجة إلا أنها في الواقع بداية للألم، إذ معاناة الطفل لن تنتهي بمجرد كونه وجد صندوقه، إذ قد يفقده مرة أخرى، ومعاناة سائق الدراجة وبائعة الهوى الجميلة لن تنتهي بمجرد زواجهما، بل على العكس من هنا بدأت المشكلة، أما كين إن فقد حظيت بالشعر على الرغم من موت الشاعر، والشعر هنا هو الإرث الذي احتفظت به، غير انه هل يمكن أن يصمد في عصر تم الاستغناء عن زهرات اللوتس الطبيعية بأخرى صناعية تم تعطيرها كيميائياً، تمكن المخرج من تقطيع الحكايات وتركيبها بما يمثل ملحمة اجتماعية إنسانية موحدة عبر المعاناة، حيث نسج تلك الحكايات المختلفة بنسيج واحد كان الأبطال فيها من بيت واحد، تمكن أيضاً وبمهارة فائقة أن يصور الأمكنة وطبيعة الناس والأزقة والشوارع ولكنه لم يتوان عن إدخال تلك الصورة الخلفية للعالم الخارجي الذي فرض نفسه من خلال البيوت الفارهة والفنادق والإعلانات الضوئية، يشعرك المخرج وأنت تشاهد الفيلم كأنك فعلاً في فيتنام في جميع تفصيلات الحياة اليومية لهذا البلد، فيلم جمع بين الواقعية والشاعرية بإيقاع هادئ، ولم ينس المخرج أن يتصالح مع الرأسمالية بإشارات صغيرة بوجود السائحين الأميركيين الذين يسكنون الفنادق ويتنقلون في العاصمة أو بوجود إعلانات الكوكا كولا في خلفية المشاهد، إلا أن ذلك لم يؤثر في المناخ العام للفيلم الذي صوره بذكاء كبير منحنا خارطة كاملة عن فيتنام ما بعد التغيير، حصد الفيلم 11 جائزة في مهرجانات متنوعة أهمها في مهرجان برلين ومهرجان سندانس.

فيلم ” Three seasons”، تمثيل: إن نجوين نجوك، دون دونغ، سيناريو وإخراج : توني بوي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة