تكوين مغاير للوحة

دنى غالي

1
ما أقساها تلك الحروف الميادة، برغم رشاقتها وتيهها لا تتوانى عن كشفها الفاضح لفقدانك! ما أثقلها اللوحات برغم ألوانها بما حاولت أن تقوله ولم تزل، أن الأصفر ليس أصفر حسب ولا الأحمر كذلك، وحتى الأسود بهي وهو يستسلم لفرشاتك!

2
أ. مع مازن الصكار وهو مصور محترف شابه أباه بصوته الخفيض وأدبه، في حديثي معه عن إرث الفنان الشاعر والخطاط محمد سعيد الصكار ذكّر لي انه بصدد انجاز كتاب ضخم يجمع أعمال الفنان كاملة يقوم بنفسه بتصويره بشكل محترف، وهي مهمة يدرك جيداً ضرورتها من جانب وصعوبتها من ناحية أخرى لرغبته بتنفيذها بمستوى طموح. ومن المؤمل أن ينجز العمل خلال العامين المقبلين. ولاشك أن العمل يتطلب دار نشر ترعى الجانب الجمالي بنحو خاص من أجل إصدار كتاب بطباعة باذخة ترقى إلى حصيلة عمل الفنان.
المشروع الآخر المطروح هو إقامة متحف لإرثه يضم الإرشيف الكامل الذي بحوزة عائلته وهو إرشيف ضخم لم يوثق لتاريخه الفني فقط إنما لتاريخ العراق بكافة تحولاته الثقافية والاجتماعية والسياسية، بمدنه وأهله في شتّى مراحل حياته. وفق مازن الصكار فقد درج الفنان على توثيق أدق التفاصيل في حياته؛ ” لاشيء يعود لنا من تركته بقدر ما يعود إلى العراق”. والمشروع كان مازن قد أطلع عدة جهات رسمية عليه وجدت الوضع الراهن عائقاً في سبيل مناقشته. ينوي مازن الصكار في رحلته المقبلة إلى العراق اختيار المدينة التي تجدها العائلة الأنسب لاحتضان متحفه، ومازن الصكار مبدئياً وعلى وفق الأرشيف الذي لديه يجد أن الوالد قد خصّ البصرة بالجانب الأكبر من أعماله وهي المكان الذي شغل الجزء الأهم من ذكرياته وكون هويته الفنية. المشروع ضخم ويتطلب مؤسسة للشروع به ولا يخفي مازن الصكار حرصه على توافر جميع الشروط من أجل تنفيذه على المدى الطويل. ونحن معه نحلم بمتحف يزدهي بانجازاته الابداعية إلى جانب وثائقه.
ب. في الحديث مع مازن حول المشروعين اللذين يتخطيا وفاء الإبن إلى الطموح بإيفاء قامة الفنان الابداعية ما تستحقه؛ كانت وحدها مهمة الدخول إلى مرسمه العامر غاية في الصعوبة كخطوة أولى بعد رحيله، الأشد صعوبة هو الدوران في أرجاء مكتبه وتصنيف زواياه. مازالت العديد من المخطوطات لكتب لم تدفع إلى النشر بعد، ملفات وأوراق ولوحات وألبومات صور وكاسيتات وعدد للعمل بشتى أشكالها وأنواعها.
كان مازن قد عاد للتو من منزله الريفي الذي لطالما أحب الوالد الإقامة فيه، منقطعاً للصمت والهدوء هناك. حضوره مهيمن، وقد أدار خلال أسبوع اقامته كاسيت تسجيل منوعاً احتفظ به الوالد وأحبه يعود إلى جلسة حميمية مع صديق العمر طالب غالي وعوده ومجموعة من الأصدقاء تناوبت أصواتهم صاخبة بين الشعر والغناء، يقول مازن انها حتى اللحظة ما زالت تدور برأسه، كما لو أن الوالد يجلس منتشياً بـ”الصفكة البصرية” و إيقاع الخشّابة للأغنية الخليجية “سلمولي على اللي سمّ حالي فراقه، حسبي الله على اللي حال بيني وبينه”، وطربه لأغنية لحنها طالب غالي “طبع الحمام أطباعنه والناس كلهه احبابنه، حتى الكمر من شافنه تطفي الحزن ضحكاتنه، دنّك علينه وباسنه”….

3
أ. لقد كنا نريد أن نوازن ضمير العالم في ما نكتب، ولم نطمح إلى أن يكون ما نكتبه منهجاً لحياة فضلى، فلم يكن أفلاطون وابن رشد بعيدين عن ذاكرتنا. كانت بضاعتنا الوحيدة والثمينة هي الصدق، ولم نكن على خطأ إلا بمقدار ثقتنا بمن لا يستحقها؛ لم يدخر جهداً ولا وقتاً، ولاشح ينبوع الفداء، من أولى الخطى، إلى أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ووجدنا أنفسنا وحيدين غرباء، مذبوحين بخيط الواقع، ومحتقنين بالخيبة والمرارة والإحباط، وبكهولة لم تأسف على شبابها برغم كل ذلك.
“العزف على الوتر المعطوب- مشاركة للصكار في “أنتولوجيا الموقف” لعدنان حسين وحسين كركوش، نشرت ضمن كتاب القلم وما كتب، دار المدى 2001″.
ب. “يأخذني الحلم،
ونسير معاً
عندما أعثرُ يبتسم،
وعندما يعثر أبكي”.
من تأملات عبد الحق البغدادي- الأعمال الشعريّة للصكار 1996، دار المدى.

4
الصورة ليست محتاجة إلى كلمات، لنا أن نعبّ الهواء بينهما لنشعر بارتياح وسرور، أن نغمض أعيننا ونترك للذبذبات أن تعبر إلينا، كهرباء الحب مشحونة بالمنح، لنا أن نتخيل تلك اللعبة الجميلة الصامتة بين الطفل وأبيه تنتهي بتبادل الامتنان وتعادل القلبين بالفرح.
الرحلة الملونة بأكملها ترتاح على عنق الولد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة