الأخبار العاجلة

الصكار: أعماقي تعيش للسفر

بغداد – الصباح الجديد:

في العام 1967 غادر محمد سعيد الصكار بصرته متوجهاً إلى بغداد. وكانت وكالة «ناب» للإعلان في بغداد هي المكتب الأول له في العاصمة والذي عرف بكونه صالوناً أدبياً يلتقي فيه الأدباء والفنانون من داخل العراق وخارجه. تصميم لوغو المكتب نجده على يمين الورق الراقي أعلى الرسالة التي ذيلت بشريط يذكر تخصص مكتبه؛ خدمات اعلانية، نشرات للتعريف والدعاية، كتالوكات، تصاميم تجارية، طباعة.
الرسالة حملت التاريخ 19ـ3ـ1970 معنونة بـ أخي طالب
وحالما نفتح الظرف المفضوض ستواجهنا تلك الأناقة التي امتازت بها رسائله وتلك العناية الفائقة التي يوليها لورقه وحبره، انها بحد ذاتها بيان لإعلان حب خالص ونقي لمرسلها لا يحتمل التشكيك به إطلاقاً، ولعل الأمر يدعو إلى الحسد أوالغبطة أحياناً، فغالباً كان يعمد إلى حسن التجليد أيضاً وهندسة الورق واختيار ألوانٍ مميزة ويبرر ذلك بقوله «…لأميز رسالتي إليكَ عن سواها، نزوع صادق إلى تمييزك عمن أحب..» . بالإمكان فرز رسائله من بين مئات الرسائل، عدا عن خط يده الرشيق المستوي المنمنم الذي يعرفه من كان قريباً منه.
ولا يقف تميزه وتفرده عند هذا فهاهو مطلع الرسالة يؤكد أسلوبه المحدث باستهلال منزوع الدسم عزل فيه تلك التحايا والتقديمات جانباً بقوله انه يجلس وحيداً ذلك المساء.. مع السيجارة وأوراق الخس القليلة وبحس تهكمي.. يشاهد فلماً مصرياً.. الناظرة تتقاعد.. حفلة توديعية تقام لها.. ولاحقاً في الرسالة يتضح له أن الفلم هو تمثيلية بالأصل حملت العنوان …
هي إحدى العشرات من رسائله المتبادلة مع صديقه طالب غالي الذي يسكن البصرة، وكانت بمنزلة رسالة عتب من جهة لعدم موافاة صديقه بأخباره وانقطاعه عنه لمدة طويلة، ومن جهة أخرى بدا فيها متبرماً من الوضع شاعراً باشتياق كبير للبصرة، تبكيها أعماقه حباً بهم وتذكراً للبراءة والصفاء في قلوبهم؛ «أشتاق لليلة مثل ليلة وداعي في البصرة، لو طفت الأرض كلها لن أجد مثل قلوبكم»…
اعتاد أن يكتب رسائله على مدى ساعات تتخللها استراحات يحرص على وصفها بعد متابعته الكتابة وأحياناً تمتد أياماً. في هذه الرسالة وبتقدم الوقت به واقترابه من الساعة (12 إلا خمسة) يشرع بسرد أخباره ويبوح بما يجول في خاطره ويضيق به صدره. الوحدة و»أعماقي كلها تعيش للسفر». لم يكن على يقين بعد من الرسم لولا تشجيع الأصدقاء حيث يذكر انه قد رسم في ساعة واحدة أربعين لوحة تجريدية كاد أن يمزقها في أزمة لولا تدارك الأصدقاء لها في حين يحثونه على إقامة معرض بشكل جدي. وهو يذكر هنا أصدقائه الأثيرين؛ عبد الرزاق، علي الشوك، يوسف الصائغ وياسين الذين يلتقون أسبوعياً في ندوات أدب وفن.
يكرر إنه يحتاج إلى التعبير بلغة أخرى، ولديه محاولات متطلعة إلى آفاق جديدة بهذا الاتجاه في «مرثية لكاف التشبيه». والساعة لربما دقت معلنة انتصاف الليل حينما خطّ الفقرة منتصف الصفحة المرقمة بـ 2؛
« جو بغداد الأدبي مليء بالدجل والمحاباة والأثرة وأعيش وحدي أدبياً، نزعت جلدي الرومانسي أحاول جاهداً العثور على لغة جديدة. أدباء بغداد يزعمون أكثر مما يحققون. تف! أن توكيد الذات بأرخص الأشكال يحملني على أن أبول على أدب البعض! وهم كثار للأسف.
لو كنتَ هنا لرأيت عجباً.»
وبعد أن أتم الصفحة الثالثة قال أنه لن يأتي برابعة وقد ثمل « إلاّ خيط الوعي اللعين الذي أحرص أن أمسك به».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة