مداعبات سعدي يوسف وأسئلة قصيدة النثر

سلام مكي

في حوار له مع مجلة “بيت” الفصلية التي تصدر عن بيت الشعر العراقي ببغداد، يطرح الشاعر سعدي يوسف، مجموعة من الاجابات التي كانت مثار جدل وسؤال بين الأوساط الثقافية العراقية. سعدي، الذي أثار الكثير من السجال سابقاً عبر نشره سلسلة من المقالات في موقعه الشخصي الالكتروني، يتحدث عن طريقة جديدة في الكتابة، وشكل جديد، غير مألوف، وهو كتابة المقال، على شكل قصيدة شعرية. هذا الشكل الجديد، جعل من معارضيه وخصومه، يهاجمونه، عبر نفي الشعرية عما يكتب! فمثلاً: عندما كتب “الفلوجة تنهض”، وضعها بطريقة كتابة القصيدة، لذا هاجمه الكثير من المثقفين العراقيين؛ لأنه تكلم عن رمز ديني، اتهمه بشتى الاتهامات. فقال أحدهم، بعد أن استعرض مقطعاً من هذه المقالة: “هل تسمون هذا شعراً؟” المحاور، فطن إلى أنّ سعدي لا يقصد من كلامه انه شعر، فكان سؤاله: “هناك ملاحظة قرائية بشأن كتاباتك، بما تتضمنه من آراء سياسية وثقافية شكلها يبدو شعراً تفعيلياً، ما الدافع؟ شكل كتابي يريد سعدي تصديره واجتذاب متلق خاص له، ولا سيما إذا عرفنا إن هناك جنساً أدبياً معروفاً في الغرب اسمه “Prose” ، يجري التعامل معه على انّه نص أدبي؟
أجاب سعدي: “أحياناً يحلو لي أن أداعب القارئ، فأقدم النص النثري في هيأة قصيدة، هكذا عدّت مقالات لي عما سمي بالربيع العربي قصائد. لا بأس بأن تختلط الأمور.. نحن في الفوضى”. كانت هذه إجابة لكل من سخر من مقالات سعدي، وعدها خالية من الشعر، وهي فعلاً كذلك، لأنها ليست شعراً. ولكن، كتبت على هيأة الشعر. وهو ما يحاول سعدي الانفراد به عن غيره من الكتاب. ولو لاحظنا، الحوار، لا يختلف عن مقالاته، من حيث الشكل، اذ ينفرد حوار سعدي عن غيره من مواد المجلة، بأن اجابات سعدي تأخذ شكل القصيدة. فهل يحاول سعدي، تأسيس نسق كتابي خاص به؟ ومن جانب آخر، اشار سعدي الى مسألة في غاية الأهمية، وهي حسم الجدل في قصيدة النثر، فيقول: “أمر قصيدة النثر محسوم، منذ أواسط القرن التاسع عشر، لكننا نحن العرب، بوصفنا خارج التاريخ، مازلنا في أواسط القرن التاسع عشر، نتناقش مثل حكماء بيزنطة..”. أتذكر، في عام 2011 أقيمت أمسيات في اتحاد أدباء بابل، لمجموعة من الشعراء، بمناسبة اصدارهم لدواوين شعرية، ومنهم أنا، تم الاعتراض من قبل الحاضرين على إطلاق اسم ديوان شعر على ما قدمناه، وقالوا: إن ما قيل هي خواطر جميلة أو نثر مركز، ولكنها ليست شعراً، لأنها ببساطة، غير موزونة؟ ذلك إن من أهم شروط الشعر لديهم أن يكون خاضعاً للقوالب التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وأي كتابة تخرج عن تلك القوالب، لا يمكن وضعها في خانة الشعر، مهما كان مضمونها! متى تواكب العقلية الثقافية العراقية الزمن، لينتهي الجدل بشأن قصيدة النثر؟ لماذا ينشغل الكثير من شعراء العمود بنفي شعرية قصيدة النثر، أكثر من انشغالهم بإثبات شعرية القصيدة العمودية؟ لماذا يتركون القضايا الثقافية المهمة والمصيرية لينشغلوا بقضية حسمت منذ قرون؟ قصيدة النثر، هي مجموعة أسئلة، تمت الإجابة عنها، منذ عقود، في حين نحن، لا نجرؤ حتى على طرحها، لا نجرؤ على ضمها لأدبنا خوفاً عليه من الأدب المقابل. أدبنا هو الدليل الوحيد على هويتنا، كما يتوهم البعض، فيحاولون احكام الاغلاق عليه، ومنع تسرب قصيدة النثر إليه؛ لأنها الرمز الأول على التهديم. تهديم القيم الرجعية وتقديس التراث، كرد على محاولات الآخر، من تجاوزه. ولا ندري، كم يحتاج هؤلاء، من شعراء ودواوين شعر، ليسلموا بأن قصيدة النثر شعر! إن سعدي يوسف، الذي أسهم بتأسيس قصيدة النثر، أو حرر النص الشعري من أعباء معينة، كعلو الموسيقى والإيقاع، كما يقول هو في نص الحوار، يجعلنا نحتاج اليوم إلى سعدي يوسف جديد، يحرر قصيدة النثر من الأعباء التي جعلت الشعر، حبيساً لها، فبسبب قصيدة النثر، دخل الشعر في متاهات عديدة، أولها إنها سمحت للطارئين على الشعر أن يكونوا في صدارة المشهد الشعري، وسمحت لمن لا يملك حرفة أن يتخذ من الشعر حرفة له، وكل هذا بمعية قصيدة النثر، التي لم تجد من يفهمها لليوم. نحن نحتاج الى مجدد، يخلّص قصيدة النثر من أدرانها، التي تتمثل بمجموعة من الأسماء التي أساءت إلى قصيدة النثر، عبر تقديمها لنصوص هابطة، لا تصلح أن تكون نثراً، وهذه النصوص كانت البوابة التي هوجمت قصيدة النثر من خلالها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة