الأزهر وفضيلة الاعتراف بالخطأ

عبد الحليم الرهيمي *

البيان الأتهامي السيئ الصيت الذي أصدرته مشيخة الأزهر في القاهرة الأسبوع الماضي ووجهت فيه اتهامات قاسية للجيش العراقي ومقاتلي الحشد الشعبي وأبناء العشائر بـ ( ارتكاب مجازر إنسانية بحق المدنيين العزل في المناطق التي تحررت من سيطرة داعش وبقيه الجماعات الإرهابية الأخرى ) .. هذا البيان قد أثار ردود أفعال قوية وغاضبة تمثلت في الدهشة والاستغراب والشجب والامتعاض الشديد من الرأي العام الشعبي ومن المؤسسات والشخصيات الدينية الإسلامية السنية والشيعية والمسيحية ومن نواب وسياسيين ووسائل أعلام بشبه إجماع تماماً كما هو شبه الإجماع الوطني الذي يواجه به العراقيون داعش وسائر القوى الإرهابية الأخرى . والسؤال الكبير الذي يطرح هنا هو : لماذا قامت , أو تورطت , مشيخة الأزهر بإصدار مثل هذا البيان الأتهامي المشين ضد العراقيين والذي يفتقر للأنصاف والعدالة والمروءة والحصافة والموقف الإسلامي الأخوي الحقيقي والنزيه ؟
والواقع إن الصدمة التي ولدت وأثارت كل تلك ردود الأفعال والغضب المشروع , أنه صدر في وقت يخوض فيه أبطال القوات المسلحة الوطنية العراقية من جيش وشرطه ومن مقاتلي الحشد الشعبي وأبناء العشائر السنية والشيعية ويقدمون أرواحهم ودماءهم دفاعا عن العراق والعراقيين وكل شعوب بلدان المنطقة والعالم المهددة بخطر الإرهاب الداعشي وفي مقدمها شعب مصر الشقيق ومنه مشيخة الأزهر ذاتها بالتأكيد , لو علمت ذلك ! كذلك , فأن ما يؤسف له , أن هذا البيان المعادي للعراقيين قد صدر عن مؤسسة دينيه محترمه توصف بأنها تتسم بالاعتدال والتروي , على الأغلب , في اتخاذ المواقف , وهي ذات علاقة تاريخيه مع مرجعيه النجف الأشرف , حيث عملا معاً منذ بدايات القرن العشرين المنصرم بجهود مشتركه للتقريب بين المذاهب الإسلامية , وخاصة بين الشيعة والسنة .
من هنا يتجلى الأمر المؤسف والمثير للاستغراب والدهشة إن تصدر المشيخة الأزهرية بيانها الأتهامي ذاك وتعتمد على معلومات مغلوطة , أو محورة ومبالغ فيها ومفبركة , من جهات محليه وإقليميه معروفة بمواقفها العلنية المعادية للعملية السياسية ولكل مكونات الشعب العراقي وخاصة المكون الشيعي وتتخذ من حوادث فرديه مدانة ومرفوضة من الجميع لتعممها وتنسبها للجيش والحشد وأبناء العشائر من دون التحقق والتدقيق في صحتها والاتصال بالمسؤولين العراقيين ذوي العلاقة للاستفسار والاستيضاح خاصة وان الخطوط مفتوحة بين الطرفين ووسائل الاتصال ألحديثه متوفرة لديهما من دون شك .
نقول ذلك بافتراض حسن النية والمنطق وباستقلالية الرأي والموقف التي يفترض أن يتمتع بها الأزهر ومشيخته . غير أن ما كشف عن حقيقة وخلفية البيان المؤسف وهو ما ذكره الدكتور محمد ألبرادعي , وهو الشخصية الحصيفة والمرموقة وكان مرشحاً لرئاسة مصر بحق , من أن وزير المالية المصري طلب من مشيخة الأزهر إصدار هذا البيان لكي تفرج المملكة السعودية عن مبلغ ثلاثة مليارات دولار أميركي كمنحه تقدم منها ( إلى مشيخة الأزهر أم الحكومة المصرية لا ندري ) .. وهكذا كان !
إذن هنا ينبغي التوقف لنقول إن الأزهر – كما يبدو في الظاهر – مغلوب على أمره وما كان بمقدوره أن يتحكم بقراره فدفع للتورط في ارتكاب خطيئة معاداة العراقيين غير المبررة وفي توجيه الاتهامات القاسية للجيش والحشد وأبناء العشائر , وهي اتهامات باطلة وغير منصفة وتمثل طعنة في ظهر من يضحون اليوم بأرواحهم ويقاتلون داعش وسائر قوى الإرهاب على الأرض العراقية , وهذا ما يدفعنا إلى التفكير بتفهم هذا الموقف ومعالجته بروحية وحرص شديدين وبنظرة مستقبلية لعلاقة العراق ومرجعية النجف الاشرف بالأزهر .
إن المواقف الغاضبة التي يوجه بعضها اتهامات مقابلة للأزهر , وليس لمشيخته الحالية فحسب , يمكن ان تفهم على أنها ردة فعل طبيعية , لكن ينبغي إن لا نتوقف كثيراً عند هذا الحدث – البيان برغم ما لحق بنا من آلام وأضرار سلبيه , لذلك يبقى المطلوب أن يتبلور توجه حكومي برلماني شعبي للاتصال بمشيخة الأزهر أو التوجه إلى القاهرة لتوضيح الأمور لها عن قرب ودعوة وفد منها للقدوم إلى العراق ليتلقي القادة والمسؤولين ورجال الدين , فضلا عن التوجه الميداني ليرى على الأرض ما يقوله الواقع كما هو ويتأكد فيما إذا كانت تلك الاتهامات المعادية حقيقية أم مفبركة ومقصودة ولها غايات غير نزيهة تضر بمصالح شعبي مصر والعراق . وإذا كانت المعالجة الصائبة للازمة بين العراق والأزهر الناجمة عن بيان المشيخة تتطلب تفهم ظروف إصداره والضغوط التي مورست , وربما ستمارس أيضاً , لإصدار المزيد من البيانات المماثلة فأن مصلحة الطرفين تستوجب البحث عن سبل تجاوز هذه الأزمة والأخذ بأهمية دور مؤسسة الأزهر العريقة , والذهاب في الوقت نفسه إلى ابعد من ذلك ,بالبحث عن الأسباب التي دفعت السعودية وربما دول الخليج الأخرى , لدفع مشيخة الأزهر اتخاذ هذا الموقف , وفيما اذا كان لواشنطن علاقة بذلك ولماذا , وكذلك البحث في دور التجاذب الإيراني – الأميركي – السعودي على الساحة العراقية .

• كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة