قاسم حداد.. قصائد كأنها قوافل مهزومة من حروب لم تخضها

بيروت – رويترز:

مجموعة الشاعر البحريني قاسم حداد الأخيرة تحفل بأجواء دائمة من الحزن والخسران وتطل من بعض قصائدها صور كأنها القوافل مهزومة لا تتألف من الجند والمقاتلين بل من الناس الاعتياديين يهربون من حروب جحيمية لم يخوضوها ولم يكن لهم يد في استعارها.
وفي قصائد أخرى تتكرر صور الفقد والخسران والإحباط والزمن الرديء يضاف إليها شعور بأن حتى حالة اللجوء إلى الصلاة لم تعد تجدي نفعاً في خلاص الإنسان.
وفي هذا المجال يلتقي قاسم حداد الشاعر اللبناني الراحل خليل حاوي في قوله إن إنسان هذا العصر محكوم عليه وشبه مقضي عليه لن تفيده المغامرات والاكتشافات ولا الصلوات. ويقول حاوي هنا عن هذا الإنسان “مبحر ماتت بعينيه منارات الطريق/ مات ذاك الضوء في عينيه مات/ لا البطولات تنجّيه/ ولا ذل الصلاة.”
ويبقى للشاعر عند قاسم حداد في هذه المجموعة شبه عزاء مستحيل في الذكريات الآفلة والأيام الصفر والكالحة التي صارت تفيض بالحزن واليأس أكثر مما تقدم من عزاء. الإنسان الاعتيادي هنا ليس هو القاتل ولا القتيل مع أنه ضحية عالم أشد عليه من القتل.
ولعل عنوان مجموعة قاسم حداد هذه يحمل كثيراً من هذه المشاعر. العنوان هو “لست جرحاً ولا خنجراً .. أنت البكاء الطويل في الليل”.
المجموعة احتوت على نحو 65 قصيدة متراوحة من حيث الطول والقصر وردت في 168 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت والعاصمة الأردنية عمان.
ولد قاسم حداد في البحرين عام 1948. شارك في تأسيس (أسرة الأدباء والكتاب في البحرين) وله ما لا يقل عن 17 كتاباً بين شعر ونقد وأبحاث في مجالات أخرى.
المجموعة الأخيرة تضم قصائد من نمطين مختلفين: الأول هو ما يسميه البعض شعر التفعيلة أي القصائد المتعددة الأوزان والقوافي والثاني ما صار يعرف باسم قصيدة النثر وهي النمط الغالب على قصائد المجموعة. معظم القصائد تتسم بنمط تصويري مؤرق ومحزن ومر الإيحاءات.
لعل القصيدة الأولى في المجموعة والتي حملت عنوان “مسامير السفينة” وهي متعددة الأوزان والقوافي تقدم ما يمثل قصائد المجموعة من حيث النفس الشعري والمحتوى بصرف النظر عن نمط كتابتها.
يقول الشاعر “اهدأ قليلاً/ وانتظر تلك الحشود تمر ذاهبة إلى الماضي/ ودعها/ دع لها مستقبلاً ينساك/ واهدأ/ ريثما يتذكر القتلى خريطتهم/ حشود تنتشي بالغيم/ تهفو للدلالة فانتظرها وهي تعبر/ ريثما تكبو كما جيش وهاوية/ وتحتمل الخسارة/ فانتظر واهدأ قليلاً/ ساعة في التيه أقسى من يد مبتورة/ لملم مسامير السفينة وانتظر يأتيك موج من تجاعيد البحار/ ويجيء حشد ضائع/ أين السفينة/ كلما أصغيت أجلت المراثي…/ اهدأ وانتظر/ وانظر سفينتك الوحيدة وهي تغرق عند رأس البحر…/ شعب شاخص في الغيم/ لم يحسن قراءة موجه/ لم يبتكر سفراً بلا سفن/ ولا يحصي مسامير السفينة وهي تصدأ/ فانتظر واهدأ قليلاً/ ريثما يرتد بدو البحر عن أخلاطهم/ يأتون مضطربي العناصر/ منهكين/ ضغائن في لغوهم/ فاغفر لهم/ واهدأ طويلاً../ ريثما يبكون.”
ويقول في قسم من قصيدة (ذخيرة) “من لديه طاقة النسيان لينس/ أما نحن../ نسياننا يفقدنا صورة تصقل الخيال في الروح/ من لديه طاقة النسيان/ فليذكر أنه شاهد في غابة الحريق/ وأنه الدم الأخير في القتل.”
وفي قصيدة (أحبولة السفر) يقول الشاعر “كلما وضعت قدماً في طريق/ ارفض وتقلص وتلاشى/ طارت في وجهك غربان وكفت شمس عنك.
“بينك وبين الخسارة كتب ورسائل/ ويتاح لك اليأس كلما هممت بالشكوى”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة