الأخبار العاجلة

أزمة الحب والاختيار

Silent Ligh

عبد السادة جبار

بدأت السينما المكسيكية منذ بدايات السينما العالمية، ويعود تاريخها إلى نهاية القرن التاسع عشر، عندما تحمس العديد من الشبان لهذه الوسيلة الجديدة لتوثيق الأحداث التاريخيةـ وعلى وجه الخصوص الثورة المكسيكيةـ حيث أنتج الشباب أفلاماً صامتة (1896 ـ 1929) موثقين أحداث الثورة المكسيكية، وبعد مرحلة السلام تأثر المكسيكيون بالمخرج سيرغي إيزينشتاين في أثناء زيارته للبلد العام 1930. تطورت السينما المكسيكية بشكل مميز في الأربعينيّات، حيث أصبح لها نجوم كان من بينهم ماريو مورينو، أفضل نجم مشهور. وتم تشبيهه بشارلي شابلن، كانت أفلامه واسعة الانتشار في أسبانيا وأميركا اللاتينيّة وأثّرت على كثير من الممثّلين الجدد، في بداية الخمسينيات ارتفع معدل إنتاج السينما المكسيكية ليصل إلى مئة فيلم سنوياً، ثم ظهرت المبادرات لإقامة السينما المستقلة نادي بها مانويل الازركي بدعم من المنتج الـ مانويل بارباتشانو، وكان المشروع الأول فيلم “الجذور” إذ شكل ذلك بداية للواقعية الجديدة، في الستينيات تراجع الإنتاج ليهبط إلى نحو ثلاثين فيلم، ثم ظهر سينمائيون ملتزمون مثل خومي غارسيا اسكوت وروبين غوميث والبيرتو ابساك لينهضوا من جديد بهذا الفن، وعادت السينما المكسيكية في الثمانينيات لتقدم معدل إنتاج يبلغ ثمانين فيلماً في السنة ومن أبرز أفلام تلك الفترة “فريدا، طبيعة حية” 1984 لباول ليدوك و”الشيطان والسيدة” 1986 لارييل زونييغيا و”امبراطورية الحظ” 1986 لريبستين، أما في نهاية القرن العشرين فبرزت أفلام “مثل الماء للشّوكولاتة” (1992) للمخرج بيلو سيلتو، و”كرونوس” 1993 لسيكسو، و”قدّيسون” 1999لأليخاندرو غونزاليز اريتو. في بداية الألفية الثالثة قدم الفونسو كيوران فيلم “وأمك أيضاً” عام 2001 حقق الفيلم رواجاً مهماً خارج المكسيك وقدم آرتورو ريبستين فيلمه “عذراء الشهوة”2002. أما فيلم “متاهة بان” للمخرج غيلميرو ديل تورو واحد من التحف السينمائية التي أنجزت عام 2006، إذ حصد ثلاث جوائز أوسكار مهمة في الإخراج والتصوير والماكياج. المخرج ” كارلوس رايداس ” من مواليد 1971، عرف بأربعة أفلام “اليابان” 2002 و”معركة في السماء ” 2005 و”الضوء الصامت” 2007″، و”الضوء بعد الظلام” 2012. فيلم “الضوء الصامت” من الأفلام المثيرة للاهتمام.

سيناريو الفيلم
بدأ الفيلم بمشهد طويل أوحى لنا المخرج فيه انه لقطة واحدة طويلة تبدأ من الساعة الأخيرة لليل حتى الصباح صور فيها السماء والنجوم بلقطة بانورامية بطيئة راصداً تغيرات الألوان حين يلج الفجر في أحضان الليل يرافق ذلك نقيق الضفادع ثم أصوات الطيور وخوار البقر ليقطع إلى منظر عام لمنزل ريفي، عائلة مزارعة تتناول فطورها مكونة من الأب “هون” الممثل (كورنيليو ستريت ) والأم “استر” الممثلة (ميريام تويس) وصبية وستة أطفال تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات إلى اثنتي عشرة سنة يبتهلون إلى الله قبل أن يتناولوا الخبز المشرب بحليب البقر فهم ينحدرون من أصول (المينونايت) الملتزمة دينياً، نكتشف بعد خروج الأطفال إن العلاقة بين الزوجين ليست كما يرام، إذ أن الزوج متعلق بامرأة أخرى غير مرتبطة “ماريان” الممثلة (ماريا بانكراتز)، إلا إن ايستر تحب هون حباً جماً وبسبب تربيتها الدينية الملتزمة لا تتمكن من فضحه أو مجافاته أو كشف ذلك لأطفالها، وحين تتركه وحده وتخرج مع الأطفال يعرف انه قد أخطأ بتصرفه فيجهش بالبكاء لكنه لا يمتلك القدرة على نسيان حبه لماريان وهو يشعر بذنب كبير، يشكو حالته لصديقه “زاكرايا” ميكانيك سيارات في القرية ينصحه باتخاذ موقف شجاع إما الزوجة والأولاد أو الحبيبة، لكنه لا يستطيع اتخاذ هكذا قرار، وكانت اللقاءات العاطفية العاصفة بين هون وماريان تزيد من اشتعال جمرة الحب بينهما وتقف حائلاً بين هون وأي قرار شجاع، يلجأ لوالده ليستشيره أي امرأة يحب فيحكي له تجربة مشابهة حصلت له حين كان متزوجاً من أمه حيث أجبر نفسه على عدم مشاهدة الحبيبة وانتهى الأمر، لأن التأثر يستمر إذا واظب على لقاء امرأة غير زوجته، تلك النصيحة لم تأخذ طريقها لقلب هون على العكس أصبح لقاؤه بماريان أكثر حميمية ومن الصعب فكاكه عنها، إلا إن ايستر بقيت بجانبه لكن حبها الشديد له والذي يصل لدرجة الجنون دفعها في يوم ممطر إلى أن تقف بجانب شجرة ذكرياتهما تحت المطر والبرد الشديد وقد امتلأ قلبها حزناً وحين تفقدها هون وجدها قد سقطت ميتة بجانب الشجرة، وفي موعد التشييع حيث تعزل الجثة على فراش أبيض قبل التكفين تزورها “ماريان” تتكلم معها وتقبلها على شفتيها حينئذ تستيقظ ايستر ويخبر الصغار أباهم إن أمهم قد صحت وتريد أن تراه.. ثم ينتهي الفيلم على مشهد ختامي معكوس عن المشهد الأول حيث تبدأ الشمس بالغروب ليجن الليل وترتفع الكاميرا عكسياً من الأسفل إلى الأعلى لنرى في النهاية النجوم في السماء.. المشهد نفسه الذي بدأ به الفيلم .

المعالجة السينمائية
المخرج كارلوس رايداس كاتب الفيلم أيضاً أراد أن يجعل من فيلمه سينمائياً خالصاً لايتماهى مع السرد الأدبي أو الفن المسرحي أو أي شكل من أشكال الدراما المألوفة، فيلم سينما خالصة إذ تشكل الصورة وانتقالات الكاميرا وتضاريس ملامح أبطال الفيلم المعنى الحقيقي للبوح السينمائي، يتجنب الفيلم أي شكل من أشكال الإثارة التقليدية أو التشويق ويمزج الكاتب المخرج بين مدرستين شاعريتين، السويدي “برجمان” والأميركي “ترانس ماليك” من الأول يستفيد من تصوير الوجوه والتفرس فيها ومن الثاني شاعرية الحوار والتعمق بالطبيعة مستفيداً من انعكاسات ألوانها متماهية مع دواخل الذوات المأزومة، ابتدأ الفيلم بصورة ليلية من السماء إلى نهار الأرض، وانتهى عكسياً من نهار الأرض إلى ليل السماء، صور شخصيات الفيلم كلها بشكل طبيعي من دون تزويق درامي حتى انك تشعر كأنهم ليسوا بممثلين ربما انتقاهم من القرية نفسها، كاميرا الفيلم غالباً ما تكون ثابتة قريبة تفصيلة، اختزل في الحوار إلى حد كبير واعتمد الجمل المكثفة لتعبر بدقة عن المشاعر كأنها قصائد قصيرة، صور تفاصيل الحياة اليومية للعائلة بكل محتوياتها تناول طعامهم حركتهم عملهم حركات الأطفال نظراتهم وتأملاتهم، لم يصاحب الفيلم أي مؤثر موسيقي اعتمد فقط على الأصوات الطبيعية ، خوار الأبقار، أصوات الطيور، صوت الريح، خرير الماء، صوت المطر أصوات الأقدام والأيدي والأواني وحتى صوت مضغ الطعام، وعلى الرغم من عدم وجود عقد ثانوية في سيناريو الفيلم إلا انه دفعنا لمتابعته بكل اهتمام لا لمعرفة النتيجة بل للوصول إلى تلك المشاعر المضطربة التي أفرزها الحدث الوحيد في الفيلم، الأداء الذي قدمه الأبطال الثلاثة في الفيلم كان مذهلاً بحق، إضافة إلى التلقائية العجيبة التي أدى الصغار أدوارهم فيه، حصد الفيلم عشرين جائزة في عدد من المهرجانات من بينها جائزة لجنة التحكيم في مهرجان”كان”.

فيلم ” “Silent Lightتمثيل : كورنيليو ستريت، ماريام تويس، ماريا بانكراتز
تأليف وإخراج: كارلوس رايداس.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة