هل يتجه الشرق الأوسط بعد تراجع الأسعار إلى الكارثة؟

لوقت طويل أدمن على العائدات النفطية

أندرو توبف

بدأت الدول التي تتصدر الانتاج النفطي في العالم بالشعور بالخسارة الناتجة عن تراجع اسعار النفط في العالم، بعد التراجع الكبير في العائدات المالية التي كانت في الاوقات الجميلة توفر وضعية مريحة لحكومات تنفق على البرامج الاجتماعية التي تبقي الناس شاعرين بالسعادة والسلمية.
واذ كان ثمة مكان يتجلى هذا فيه فانه بالتأكيد سيكون الشرق الاوسط حيث قامت الحكومات هناك بتسمين خزائنها بواسطة الوجبات الدسمة وفق نظام غذائي ثابت من عائدات النفط والغاز ، ما جعل مواطني هذه الدول من بعض الأكثر غنى في العالم. ومن قائمة (سي ان بي سي) عن الدول التي لا تتقاضى ضرائب عن المدخولات نجد إن نصف هذه الدول هي من منطقة الخليج العربي بما في ذلك السعودية، البحرين، عمان، قطر، الإمارات والكويت. وتتصدر قطر الغنية بالغاز اللائحة فهي اغنى دولة في العالم على ما يقول كتاب حقائق العالم الصادر عن السي آي ايه الاميركية.
والمواطن الخليجي لن يتمكن من الاحتفاظ بكامل مدخولاته فقط لكنه يتلقى أيضا مساعدات حكومية رائعة وكلها من عائدات النفط والغاز الضخمة. فالمواطنون السعوديون يتمتعون على سبيل المثال بمنافع منوعة تمتد من المهد إلى اللحد ،منها الرعاية الصحية المجانية والتعليم المجاني، والقروض العقارية من دون فائدة. وفي الشرق الأوسط، يستخرج النفط من اماكن قريبة من سطح الاض ويتم تكرير البنزين بكلفة لاتشكل سوى جزء بسيط مما يدفعه سائقو السيارات في الولايات المتحدة أو أوروبا. وهناك قائمة أخرى تبين ان إيران والسعودية والكويت وقطر هم من بين خمسة دول فيها أرخص أسعار الوقود. وفي فنزويلا فقط يكون الوقود ارخص لآنه مدعوم من الحكومة.
ولو وضعنا الوقود الرخيص جانبا ، فان الكرم المتأتي من ضخامة المخزون النفطي ( ففي عام 2011 تبين ان 8 من دول الخليج فيها اقل من نصف احتياطيات العالم المؤكدة من البترول اي نحو 789 مليار برميل) بات مهددا بسبب انخفاض أسعار النفط، ما دفع المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت اوقات الخليج الجيدة يمكن أن تستمر، أو ان المنطقة بحاجة إلى خطة بديلة للتعامل مع الشرخ الكبير الذي اصاب عائدات النفط.
وعلى وفق ما يقول صندوق النقد الدولي، فإن النمو الاقتصادي لدول الخليج ينخفض بنسبة نقطة مئوية كاملة إلى 3.4 في المئة هذا العام. وبالنسبة لأولئك الذين يعتقدون ان هذا الانخفاض مؤقت، فان صندوق النقد الدولي أخبر مصدري النفط ان عليهم» التعامل بحذر مع تراجع اسعار النفط كما لو انه انخفاض دائم»، وعليهم بالتالي خفض الانفاق حسب ما تقول صحيفة فايننشال تايمز.
ومن المتوقع أن تنخفض الواردات النفطية لدول الخليج الست بمقدار 300 مليار دولار وهو ثلث اقتصادها الكلي مقارنة بتوقعات صندوق النقد الدولي السابقة في تشرين الاول. ومن المحتمل ان تكون الكويت وقطر والعراق وعمان وليبيا والسعودية هي الدول الأكثر تضررا في المنطقة. وتقول صحيفة فايننشال تايمز « من المتوقع ان جميع دول الخليج، باستثناء الكويت عليها تمويل العجز المالي هذا العام كرد على ارتفاع الضغوط الاجتماعية وأهداف تطوير البنية التحتية وتراجع أسعار النفط».
وسط الكآبة والخراب، قال خالد الخاطر، مدير البنك المركزي القطري مؤخرا أن دول الخليج العربية الغنية فشلت في تنويع اقتصاداتها بعيدا عن النفط و»البعض منها قد يواجه في نهاية المطاف تحديات سياسية نتيجة لذلك».
وقال الخاطر في مؤتمر اقتصادي في البحرين « إذا استمرت أسعار النفط منخفضة لفترة طويلة، فانها ستشكل تحديات امام تحقيق الاستدامة المالية وستضغط على برامج الإنفاق الاجتماعية التي اعتمدتها بعض دول مجلس التعاون الخليجي في أعقاب الثورة العربية، وبالتالي قد تكون هناك تحديات سياسية».
وقد أظهرت دراسة سريعة قامت ويكيبيديا بها، درجة إعتماد دول الخليج على إيرادات النفط. في السعودية يمثل قطاع النفط نحو 92.5 في المئة من عائدات الميزانية؛ وهذه النسبة في الكويت هي 95 في المئة، وفي قطر 70 في المئة. والتنويع الاقتصادي هو قضية في هذه الاقتصادات التي تعتمد على النفط، وبعضها قام بعمل جيد للابتعاد عن الخطر اكثر من غيره. فالبحرين، على سبيل المثال، وسعت بشكل كبير الأعمال المصرفية، والصناعات الثقيلة، وتجارة التجزئة ( المفرد) والسياحة، بينما في الكويت، انخفض تطوير القطاعات غير النفطية بعد حرب الخليج الأولى في بداية التسعينيات ولم يتم القيام سوى بالقليل منذ ذلك الحين.
وبقدر ما يتعلق الامر بايجاد بدائل للنفط والغاز، بدأت دول الخليج بتبني الطاقة النووية والطاقة الشمسية، ولكن هذه لا تعد حلولا طويلة الأجل لتوفير طاقة كهربائية تلبي كل الاحتياجات مثلما جرى ذلك في الولايات المتحدة وفرنسا في الاستخدام النووي. وكانت أبو ظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، أول من سعى للانتقال إلى الطاقة الشمسية، واستثمرت 15 مليار دولار من صندوقها للثروة السيادية لبناء مصنع شمس لانتاج مئة ميغاوات، وهناك «مصدر سيتي» وهي ايضا في دولة الامارات والتي تغذيها حقول طاقة شمسية مساحتها 22 هكتارا.
وتقوم دبي ببناء حديقة للطاقة الشمسية بسعة واحد كَيكَا وات، في حين ان الكويت لديها بالفعل مصنع لتركيز الطاقة الشمسية بقدرة 50 ميغا وات وتهدف الى تحقيق مصادر طاقة متجددة بنسبة 15 في المئة بحلول عام 2030. وتخطط السعودية لإنفاق 110 مليارات دولار لمشاريع 41 كَيكَا بايت من الطاقة الشمسية على مدى السنوات الـ 20 المقبلة، بينما تعتزم قطر بناء قدرة تبلغ 1.8 كيكا بايت بحلول عام 2020. والسعوديون يقومون حاليا ببناء محطة لتحلية المياه بالطاقة الشمسية وهي الأولى ضمن هذا النطاق في العالم، ، وذلك في محاولة للابتعاد عن تحلية المياه بالطرق التقليدية التي هي مكلفة وتحتاج الى الكثير من الطاقة الكهربائية.
وفي الوقت نفسه، تم الإبلاغ عن طموحات نووية سعودية في الآونة الأخيرة في مقال كتبته اويل برايس . وذكر مقال لمعهد بريك ثرو ان الأسرة الحاكمة في السعودية تخطط لاستثمار 80 مليار دولار في الطاقة النووية في غضون 20 عاما، حيث من المتوقع أن يصل اول مفاعل نووي في السنوات الثماني المقبلة. وبالطبع، أكد مسؤولون سعوديون للمراقبين المتشنجين أن المفاعلات لن تستخدم إلا للأغراض السلمية. وفي الواقع يأتي السعوديين بالدور الثانى بعد دولة الإمارات عندما يتعلق الأمر بالطاقة النووية. الإمارات لديها خطط في ان تكون قدرة كل مصنع نحو 1.4 كيكا واط وهي قوة النووية الأكثر تقدما في المنطقة بعد إيران ، وقد تم منح موافقة الجهات التنظيمية في ايلول الماضي لبناء مفاعلين جديدين للماء المضغوط.
وعلى المرء ان يشكك بشأن إن كانت مشاريع الطاقة المتجددة والطاقة النووية هذه يمكن أن تسجل أي تقدم ملموس عند فطام المنطقة من إنتاج النفط والغاز وذلك لاسباب عدة، أولها: هو أن الإنتاج التقليدي للنفط والغاز في الشرق الأوسط هو رخيص مقارنة مع مناطق أخرى، وهذا يعني وجود حافز أقل للانتقال إلى مصادر أخرى للطاقة. وهناك اسباب اخرى مخفية.
وفي عام 2013 أصدر معهد أكسفورد لدراسات الطاقة ورقة، اهتمت بمسألة الطاقة المستدامة في دول الخليج. وخلص البحث إلى أن مصادر الطاقة المتجددة يمكن أن تساعد منتجي الطاقة في الخليج على «إعادة ترتيب أولويات موارد النفط والغاز غير المتجددة لتقتصر على الصناعات المحلية التي ليس لديها مردودات بديلة، ولخلق قيمة مضافة لصادرات الطاقة، منها على سبيل المثال تصنيع البتروكيماويات الموجود الان».
وعلى وفق ما يقول تقرير لورا الخاطري الزميلة في معهد اكسفورد فان استعمال الطاقة الشمسية يمكن ان يكون حلا ممكنا، وأن الطاقة النووية في الخليج يمكن أن تحرر النفط الخام والغاز الطبيعي من اجل استعماله في الصناعات الأخرى، وكذلك في فترات التحميل الكهربائي القصوى. ومع ذلك، فان استعمال الطاقة النووية كحل طويل الأجل لا قيمة له لأنه لا يمكنه تحقيق نفس الوفورات في منطقة الخليج، بالمقارنة مع غيره من أسواق الطاقة الكبيرة مثل فرنسا وأمريكا الشمالية.
وليس من السهل القول ان أسواق الكهرباء الصغيرة نسبيا في منطقة الخليج ستتمكن أن تقدم وفورات نظرا لعدم وجود خيارات بديلة مثل تجارة الكهرباء ما بين الدول، وفقا لتقرير المعهد، وهذا يجعل من المرجح أن تكلفة الكهرباء المولدة من الطاقة النووية في الخليج، التي تعكس متوسط التكلفة على المدى الطويل لكل كيلوواط /ساعة بما في ذلك التكاليف الثابتة والمتغيرة، سوف تكون مرتفعة بالمقارنة مع الكلف في الدول الصناعية الأخرى.
وفي حين أن دول الخليج هي بالتأكيد تبحث في مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية كعامل مساعد لإنتاج النفط والغاز، لكن هناك قيودا مهمة تتعلق بمدى التأثير الكبير الذي سيقع على مزيج الطاقة في المنطقة.

ترجمة عبد علي سلمان
عن موقع اويل برايس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة