الأخبار العاجلة

زقاق الياء

احسان ناجي

جالس مستند إلى حائط قديم مجرد، يرتدي بنطالاً قصيراً وقميصاً ذهب أغلب كُميه؛ وشمٌ لنصف صليب إعتلى زنده الأيمن، ولعل العتمة أودعت أطراف جسده الأخرى العارية مغبّها. وديعة الزقاق، كان يتحاشى النظر إلى الشارع.. إلى أقرب نقطة في الشارع.
نهض.. وقف برهة. مشى بضع خطوات ثم توقف. سرق النظر إلى ما خلفه؛ كان متوجساً، وعاد محاولاً إحتواء الممر الضيق بنظرة عميقة. مشى بخطوات متثاقلة، وقدماه الملساوان الحافيتان اعتلتهما قذارة جامدة. حاد عن الممر الرئيس باتجاه آخر فرعي. دخل ممراً أكثر ضيقاً. أخّر خطوةً. يعرف المولود في مرحاض خانٍ منعزل في ذلك الزقاق، مكان الصليب.
سمع غمغمةً يصعد صداها في أُذنه. ينزل رهن تعرجات الممر غير المنتهي؛ كما الزقاق الذي باغته ينتمي إلى عالم كبير من التيه. المنازل خالية إلاّ من شيخوختها، وأغلب الأبواب شبه مفتوحة إلى الخارج وبعضها مهشم والواجهات متصدعة ولا خارطة لها.. بل لا صدى، أما النوافذ فتأتي صفقاتها على فراغ عالم متوحد بالرهبة.
أرضية “الدرابين” متآكلة. مغبرٌ ذلك الدرب؛ ودرست المخلفات مجرى مياه الصرف الصحي التي كانت تشق غير درب. المخلفات تترك انطباعاً غنياً عن الجوع.
يعرف أن ثمة طريقاً واحداً للطبقة الثانية من المنزل الذي يقترب منه.
غمغمة، ضربت أذنه، بدت قريبة، وهو يسير بذلك الإيقاع المتوازن في البطء والحذر. رطن قابل من المنزل إياه .. المنزل الذي تبعث نافذة فيه وفتحة الباب الخشبي البسيطة خيوط ضوء.
تميز الصوت، وتضرب مسمعه حروف مبعثرة متشظية، تخترق رأسه. الهدوء الذي يتملكه جدل مطمئن لفراغ المكان. جدل أشباح، مريب.
اقترب. وهو ماضٍ شبه ملكان لدار عرض. صار أكثر قرباً: الصوت أضغاث متلبسين، وليس هو لحاجيات تعبث بها الريح!..
لمح ضوءاً أصفر خافتاً. اقترب.. ومبعث الضوء؛ الضوء يعكس حركة مريبة في الداخل. الضوء شريط عمودي يغرق في الليل.
أخّر خطوة. توقف؛ هو بمحاذاة نافذة سرق منها نظرة إلى الداخل. ثم مضى مغمض العينين واضعاً يديه على أذنيه.

* * *
واصل السير، خطوات متثاقلة ذهبت به إلى نهاية الممر الذي حاد عنه جانباً. هو مرهق تماماً.
جلس وهو يتكئ على حائط، وضع رأسه في زاوية من إلتقاء حائطين، وبينما هو يحاول التفكير في طريقة للحصول على الصليب. وجد نفسه مركزاً في لوحة زرقاء علقت أعلى منزل إتخذ ركناً في منتصف الزقاق. ركز أكثر فيما اللوحة تتلاشى شيئاً فشيئاً.
عيناه مترددتان، أغلقتا حيث غلبه الكرى، فانتهى متكوراً على نفسه وكأنه كيس قمامة.

* * *
الباحة الواسعة يؤم تقاطيعها الأثاث القديم الذي كان في حجرة الاستقبال ومغطى بالشراشف منذ وقت طويل وتحت شريط الضوء الغارق في العتمة، كان سمعهم يقولون:
– “لا…. لا ينتمون… لشيء”
وبسخرية:
– “شعب.. ههههه.. أمة.. ها ها ها…”
نوبات سعال شديدة تتخلل جملاً متقطعة، يقتحمها صوت ثان.. يرطن:
– “أوووه.. مؤكد.. لأنهـــــ…. ها ها ها..”
صوت ثالث:
– “إممممم .. أُمم، أبناء المرتزقة، أولاد المخلفات…”
صوت رابع:
– “لازم نطمرهم…”
أحدهم يقتطع الحديث:
– أشعر بـ …..؟.
صوت قريب من الباب، ويتجه نحو الداخل، بسخرية وهوج:
– “ماكو شي…ماكو شي..”
وهو ينزل إلى الباحة:
– “شبيكم.. جِنْ…”
صوت، منعزل.. وبعيد، ساخراً:
– “إرحل…. إرحل..”
فترتفع قهقهات من الصميم، روعت المكان…

* * *
ثلة تزيد على الخمسة أشخاص، شعروا به وأحدهم كان بادله النظرات. الأول صغير الوجه غائر العينين يعتمر قبعة سوداء. الثاني، كان يجلس إلى جانب الأول ببزة رمادية وقميص أبيض من دون ربطة عنق. الآخر، آدم البشرة جداً بشاربٍ سابغ كث، كان نظر إليه نظرة مكثفة قبل أن تجول عيناه في وجوه جلسائه وتذهب إليهم بأسئلة عقيمة.
كان الرابع الذي لف جسمه البدين بطبقات من قماش داكن اللون ويعتمر عمامة، ينظر بعيون الآخرين على ما يحدث خلف ظهره من دون أن يلتفت. الخامس: لم يظهر غير شبحه وهو يقف متأخراً عن الحلقة بمسافة قليلة ويحمل بيده ورقة من حجم أوراق الخرائط.

* * *
عندما اجتاز النافذة، شعر بأن الباب خلفه يفتح على مصراعيه. إلتفت، أحدهم، ولم يكن شخّصه من بينهم، يرتدي الملابس السود، معصوب الرأس، ينظر صوبه بإمعان؛ جاء بأغلب ملامحه الضوء الأصفر المنبعث من باحة المنزل، ويحمل في يده اليمنى مسدساً.. أو أن أصابع يده مشوهة.

* * *
تمعن في لوحة الزقاق: لوحة المحلة ظهر منها رقم واحد وقد أباد عبث الزمن رقماً أو رقمين آخرين. رقم الزقاق قريب الشبه من حرف الياء أو ألف مقصورة مشوهة.
بالغ في الرؤية: لوحة الزقاق، الحيّ، تعكس ضوء مصباح حكومي، ربط على هيكل قديم لمولد الحي الكهربائي، في النفس؛ انعكاس وحيد يحكي مخارج بنات شرفات المنازل، عقود، مشاعات وعرصات محدودة وأسرار قصية، أجساد تدفن داخلها أرواحاً سامية، وثائق الأسلاف والمعاصرين المدسوسة في ألواح من الخشب العماد وفي صناديق من النحاس الصدئ الأصمّ، صحف ومجلات زاحفة تقلب الركنين الأهمين والمقهيين، همسات النسوة ومآخذهن السارية إشاعات كالسرمد، حماقات الشيوخ ولَعب الرجالِ على الأخلاق، أطفال حفاة كصيادي الغابات.. بأحلامهم، صراحة الناس وارتفاع أصوات بضائعهم في المكان الذي لم يكن لينتهي عند مساء جميع اللاعبين.

* * *
خلف أذنه بكاء طفل في الطقس المحظور..
فزّ.. لكنه لا يقوى على حركة، ويكاد يفتح عينيه..
صوت نار؛ اطلاقة.. اطلاقة أخرى.. وابل من الرصاص منه من وجد له صمداً، ومنه من ذهب متهوراً.
همّ بالنهوض. الظلام الذي مسرعاً: هياج.. ارتطام.. تهشم أبواب، نوافذ وعظام.
نهض.. وقف ملاصقاً الحائط، يريد… ولا يقوى على فعل شيءٍ.
حفاة شبه عراة. يهرعون صوبه. يَعدون.. يتجاوزونه مسرعين نحو مطلع الشارع الرئيس. يتلاشون.

* * *
رجع جلس القرفصاء. وضع رأسه بين ركبتيه وهو يئن.
هدوء يطبق على الزقاق..
صوت صمت يدوي في رأسه.
رفع رأسه؛ حركة عينيه، بتمهل، تنتقل انتقالات مشوشة. أجبر نفسه على الوقوف مجدداً.
كان يتعكز على صليب خشبي منقوص ذراع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة