فرصتنا لاستعادة وجدان العراق الحقيقي

صادق الازرقي *

شهد المجتمع العراقي طيلة عقود وتكرس ذلك بوضوح منذ 2003 غياباً لشعور المواطنة أخذ يتراكم بصورة تصاعدية، ذلك الوجدان الذي يرتبط بحسب ما جاء في بعض تعريفاته بحق العمل والإقامة والمشاركة السياسية؛ وقد عبّر ذلك الشعور عن نفسه بالتزايد المتعاظم لرغبة العراقيين في السفر الى بلدان اخرى والاستقرار فيها، حتى اذا كان بعض تلك البلدان من اكثر الدول تخلفاً او لا تتمتع بالعوامل المشجعة على الاستقرار، كما يتجلى ذلك الاحساس في الشارع بمشاعر المرارة والاكتئاب وانكفاء مفاهيم تفتخر بها البلدان، فبات البعض منا يسخر منها او يأسى عليها مثل مفاهيم الوطن و الوطنية.
حصل ذلك برغم السمات الايجابية التي يتمتع بها العراق فيما يتعلق بتنوع وجمال طبيعته؛ و برغم وفرة موارده التي يحلم بها كل شعب، الا ان ذلك الجمال وذلك الثراء تحول الى عبء عليه، الى الحد الذي جعل كثيراً من العراقيين يعربون علناً عن تمنيهم نضوب نفط العراق لأنه تحول الى نقمة بدلاً من ان يكون نعمة بحسب ما يصرح به كثيرون.
لقد تعرض الشعب العراقي الى مصاعب هائلة، فرضتها عليه الحكومات المتعاقبة منذ عقود، ارتبطت بعمليات قمع متواصلة، وعمليات تهجير للناس بشتى الذرائع وسحب الجنسية من عراقيين اباً عن جد لأسباب سياسية بالدرجة الاولى وان اتخذ بعضها صبغة طائفية، فاصبح شرط الاقامة الذي تتطلبه المواطنة مهدداً بصورة دائمة، بعد ان اضطر كثير من الناس بفعل حملات القمع المنظمة التي حدثت في عهود خلت الى ترك بيوتهم واموالهم والمسارعة الى الهرب الى بلدان اخرى، سرعان ما تحولت الى اماكن دائمة لإقامتهم؛ فتشربوا مواطنيتها بدلاً من بلدهم الاصلي، ولقد عمل الاداء الفاشل للحكومات التي تكونت في العراق بعد نيسان 2003 على تكريس مشاعر الانهزام في الروح العراقية، بعد ان فشلت تلك الحكومات في ايجاد بديل افضل من الانظمة السابقة، اضافة الى ان السياسة التي سادت في العقد الاخير قد عملت على اذكاء المشاعر المرتبطة بالانتساب الديني والمذهبي والقومي؛ ما ادى الى تغليب الاتجاهات المتوافقة مع ذلك التوجه، الذي عمل على تغييب السمات المشتركة لدى الجمع البشري المتنوع في العراق، وقد حدث ذلك بسبب القيادات السياسية الجديدة الناشئة خدمة لمصالحها الضيقة والشخصية؛ اضافة الى اخطاء الأحزاب السياسية القديمة، فانحرف اتجاه بوصلة الاحداث في العراق ليتخذ سمات غير تلك التي ينزع اليها الانسان الاعتيادي.
ومن جراء ذلك افتقد العراقي عنصراً آخر كشرط من شروط المواطنة، ونعني بذلك العمل الذي اصبح توفره حكراً على اشتراطات السياسيين ورغباتهم، فظل ملايين الشباب من دون شغل، وخسرنا بذلك عنصراً مهماً آخر كشرط للإحساس بالمواطنة، اما المشاركة السياسية التي تحفز ذلك الشعور فافتقرنا اليها ايضاً في ظل نظام انتخابي غير عادل تضيع فيه حقوق الناخب والمرشح، فيصعد مثلاً الى قبة مجلس النواب من لم يحصل سوى على الفي صوت ، في حين يحرم مرشحون حصلوا على اكثر من 12 الفاً او 17 الف صوت من نيل كرسي النائب، وقد جرى الاصرار على ذلك النظام الانتخابي غير السليم برغم المناشدات المتواصلة لتغيير قانوني الانتخابات والأحزاب، فضرب ذلك الاصرار مقتلاً آخر في جسد المواطنة.
لقد حرصت البلدان الديمقراطية في العالم على تأمين شروط المواطنة حتى للمهاجرين اليها فوفرت لهم الاقامة والعمل ومهدت لهم طريق المشاركة السياسية؛ وما عاد نادراً ان نجد شخصاً أتى من الشرق يفوز بمقعد في البرلمان السويدي او الفرنسي او بلدان اخرى، و غدا هؤلاء يفاخرون ويصرحون علناً انهم مواطنون سويديون او فرنسيون او اميركيون برغم ان اصولهم غير ذلك، اذ ان السياسة التي اتبعتها البلدان الاوروبية وكذلك اميركا الشمالية، نجم عنها تكريس عنصر المواطنة الذي نما بصورة كبيرة بفعل إحداث التوازن بين حقوق وواجبات الناس؛ و ان التنوع البشري لدى الاوروبيين والاميركيين لم يفقد الناس عنصر المواطنة، لانهم حققوا الاشياء التي يحتاج اليها الانسان لتأمين آدميته وشحذ مواطنته، الى الحد الذي بتنا نرى أفارقة من الاصول السود يشكلون احد اعمدة المجتمع الالماني، برغم ان المانيا وحتى عهد قريب كانت تخلو من «مواطنيها» من الاصول غير الالمانية.
امام العراق الآن فرصة تاريخية لنسيان الماضي، والتحول الى مجتمع عصري، ولنا في الحرب الدائرة الآن مع قوى مسلحة عاتية متخلفة مناسبة للقفز على الماضي البغيض بالتوحد في مواجهتها وتحقيق النصر عليها، وان نرفق ذلك مع اجراءات علينا اتخاذها منذ الآن لإعادة احياء روح المواطنة و في طليعتها رفع المستوى المعيشي للناس وتقليص معدل الفقر وصولاً الى القضاء عليه كلياً وتوفير العمل للعاطلين او مدهم بإعانات مالية و اجتماعية معتبرة وتسهيل حصول الناس على مساكن لائقة والقضاء على ظاهرة السكن بالايجار او التجاوز؛ وعلى الصعيد السياسي فان علينا المسارعة بإقرار قانون احزاب عصري وكذلك الحال مع تغيير قانون الانتخابات، حتى اذا تطلب الامر تعديل الدستور او حتى تغييره، وتوسيع مشاركة الناس في العملية السياسية؛ اذ لوحظ ان هناك انخفاضاً متواصلاً في مشاركة الناس في العملية الانتخابية، اذ لم يذهب الى صناديق الاقتراع في الانتخابات العامة الاخيرة، اكثر من نصف العراقيين الذين يحق لهم الانتخاب، وعلى الاحزاب والكيانات السياسية بدورها ان تمارس عملها بروح عصرية وان تغادر تخندقاتها الدينية والطائفية، وبخلاف كل ذلك وغيره لن يتسنى لنا الفكاك من الخانق الضيق الذي اوقعنا مجتمعنا فيه؛ ولن يفلح الناس في استعادة وجدانهم المضاع.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة