المستشار الإيراني ومصادرة هويتنا وبغدادنا

لم يكن شخصا أو سياسيا أو شيخا معمما مغمورا أو اعتياديا يتوقف المرء كثيرا عند كلام جارح وغير سوي يقوله وفيه استعلاء قومي ونزعة عنصريه شوفينيه .. انه المعاون والمستشار الخاص للرئيس الإيراني حسن روحاني.. انه الشيخ علي يونسي الذي تحدث في مؤتمر منتدى ((الهوية الإيرانية)) الذي عقد في طهران الأسبوع الماضي ونقلته وكالة إنباء الطلبة الإيرانية ((أيسنا)) وقال فيه ((إن إيران أصبحت اليوم إمبراطوريه كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا, وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي.. وان العراق ليس جزءا من نفوذنا الثقافي فحسب, بل من هويتنا)) وقد دعا الإيرانيين ((إلى التفكير عالميا للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط , وهذا أمر لا يمكن الرجوع عنه , فأما أن نتوافق أو نتقاتل!)).
هذا الكلام المستهجن والمستنكر أثار الكثير من علامات الاستفهام والتساؤلات: فلماذا قال ما قال أصلا هذا المستشار وهو في منصب رفيع بالدولة الإيرانية ثم ما هي دوافعه وأهدافه من إطلاق هذا التصريح في هذا الظرف الذي يشن فيه العراقيون حربهم الوطنية ضد داعش الإرهابي؟
كان هذا التصريح بمنزلة خنجر طعن به العراقيين من الذي يريد إلغاء ومصادرة تاريخهم وهويتهم وحاضرهم.. وحتى مستقبلهم!.
لقد رفضت الخارجية العراقية هذا التصريح ببيان صحفي وعدّته ((لا مسؤول )) كما عبرت عن استغرابها واستنكارها له.
كذلك وجهت العديد من الصحف ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي انتقاداتها الشديدة وشجبها لتصريح الشيخ يونسي الذي وجه اكبر أهانه للشعب العراقي ولتاريخ العراق وسيادته واستقلاله.
بدورها لم تتأخر مرجعيه السيد السيستاني في خطبة ممثلها يوم الجمعة الماضي من توجيه ملاحظاتها وأنتقادها لتلك التصريحات بالقول ((إننا نعتز بوطننا وهويتنا واستقلالنا وسيادتنا وإذا كنا نرحب بأي مساعدة تقدم لنا من إخوتنا وأصدقائنا فأن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال غض الطرف عن هويتنا أو أن تكون في ذهنيه خاطئة لمسؤولين هنا وهناك)). ومع أهمية هذه المواقف وردود الأفعال الوطنية العراقية الغاضبة على هذه التصريحات, فإن ذلك لا يكفي, بل ينبغي إن تطالب الحكومة والجهات الرسمية الأخرى السلطات الإيرانية بالاعتذار وبطرد هذا المسؤول من موقعه ومساءلته وردعه كي يكون عبرة لأي كان في إيران يسيء إلى الشعب العراقي والإيراني في آن واحد.
لقد طالب عضو لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إسماعيل كوثري حكومة بلاده بطرد مساعد الرئيس لشؤون القوميات والأقليات الدينية الشيخ يونسي من منصبه على ((خلفية تصريحاته وعدّ العاصمة العراقية بغداد إمبراطوريه بلاده)) وأضاف كوثري في تصريح صحفي إن يونسي اضر بالمصالح القومية للبلاد (إيران) وعلى الأجهزة الأمنية والقضائية التعامل معه بقوة كي لا يتجرأ بقية المسؤولين بإدلاء مثل هذه التصريحات.
ربما تتخذ السلطات الإيرانية إجراءات عقابيه ضد هذا الشيخ المستشار للرئيس من اجل ردعه وردع أمثاله لكنه مع ذلك يبقى – المستشار – واحدا من تيار قومي استعلائي وعنصري «يحلم» فعلا بأعادة أمجاد الإمبراطورية الساسانيه وأقامة إمبراطوريه إيرانيه جديدة ويضم العراق وبغداد إليها!
غير إن العراقيين الذين يكتبون تاريخهم اليوم بالأرواح والدماء وجراحات أبنائهم في معركتهم ضد الإرهاب لن يسمحوا بتحقيق ذلك «الحلم» المريض للشيخ المستشار ولن يسلبوا أو يصادروا هويتنا و بغدادنا وعراقنا.
ولعل الوصف الأبلغ لصمود بغداد وهويتها وتاريخها وخروجها الدائم من كل المحن التي تمر بها لتظهر من جديد كطائر الفينق الذي ينبعث من الرماد هو قصيدة الشاعر العراقي الكبير المرحوم مصطفى جمال الدين التي سماها (بغداد) ومطلعها:
بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر
الا ذوت ووريق عمرك أخضر
مرت بك الدنيا وصبحك مشمس
ودجت عليك ووجه ليلك مُقمر
عبد الحليم الرهيمي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة